تأخذك إلى أعماق الفكر

القَدري ـ اسحاق باشيفز سنجر

الألقاب التي تُعطى في البلدات الصغيرة هي تلك الصريحة والأليفة: هايم ذو السرة، يكيل الكعكة، سارة النمامة، غيتل البطة، وما يماثلها. ولكن في القرية البولندية التي قدمت إليها معلماً أيام شبابي، سمعت عن شخص يدعى بينجامين القدري سرعان ما أثار ذلك فضولي، كيف توصل الناس في بلدة صغيرة إلى كلمة مثل القدري؟ وما الذي فعله هذا الشخص حتى اكتسب هذا اللقب؟ أخبرني السكرتير الذي كان يعمل في المنظمة حيث كنت أعلم اللغة العبرية عن القصة.

صاحبنا لم يكن من هذه البلدة في الأصل، بل كانت جذوره تعود إلى مكان ما من كورلاند، وقد قدم إلى البلدة في العام 1916 ونشر إخطارات عن كونه معلماً للغة الألمانية، كان ذلك أيام الاحتلال النمساوي والجميع يرغب بتعلم الألمانية. كانت الألمانية محكية في كورلاند وكان هو، بينجامين شوارتز ــ هذا اسمه الحقيقي ــ قد حظي بالعديد من الطلاب من كلا الجنسين، فيما كان السكرتير يتحدث أشار بيده إلى النافذة وهتف: “ها هو هناك الآن!”

نظرتُ خلال النافذة فرأيت رجلاً قصيراً داكن البشرة، يرتدي قبعة، لديه شارب معقوف طويل بطلت موضته منذ زمن. كان يحمل بيده حقيبة. تابع السكرتير قصته، بعد ما رحل النمساويون لم يعد أحد يرغب بتعلم الألمانية لذلك أعطى البولنديون بينجامين شوارتز وظيفة في الأرشيف. عندما يحتاج أحدهم إلى شهادة ميلاد يأتي إليه. كان ذا خط جميل في الكتابة. تعلم البولندية ، كما أنه أصبح شبه محامٍ ولكن غير رسمي.

قال السكرتير: جاء إلينا كما لو أنه هبط من السماء. في ذلك الوقت كان عازباً في العشرينات. كان لدى الشباب نادٍ، وعندما يقدم إلى بلدتنا شخص مثقف كان ذلك سبباً لإقامة احتفال اعتيادي. دُعي بينجامن إلى نادينا ورُتب لأجله صندوق مسائي، حيث توضع أسئلة فيه وكان عليه أن يسحب منه ويجيب عليها. سألته إحدى الفتيات إن كان يؤمن بالعناية الإلهية الخاصة، وبدلاً من أن يجيب ببضع كلمات استرسل في الحديث لمدة ساعة كاملة. قال… كل شيء محدد سلفاً، حتى أتفه الأمور. لو تناول أحدهم البصل على العشاء فذلك لأنه محتم عليه أن يأكل البصل على العشاء. لقد قُدر ذلك منذ مليارات السنين. لو كنتَ تسير في الشارع وتعثرت بحصى، فمقدرٌ لك أن تسقط. كان يصف نفسه بالقدري. وقد كان مقدراً له القدوم إلى بلدتنا، بالرغم أن قدومه بدى مصادفة.

“تحدث طويلاً إلا أن نقاشاً تبع ذلك. “هل يوجد شيء اسمه مصادفة؟” سأله أحدهم، فأجابه: كلا لا يوجد شيء اسمه المصادفة. “إن كان الأمر كذلك” سأله شخص آخر، “ما الفائدة من العمل أو الدراسة؟ لم نتعلم حرفة أو نربي الأطفال؟  ولمَ نساهم في الحركة الصهيونية ونثير مسألة وطن لليهود؟”

إعلان

أجاب بينجامين شوارتز: “إن ذلك مكتوب في صحائف القدر وهكذا ينبغي أن تكون الأمور. لو كان مقدراً لأحدهم أن يفتتح متجراً ويفلس بعد ذلك، فعليه أن يفعل ذلك. كل جهود البشر خاضعة للقدر أيضاً، لأن الإرادة الحرة ما هي إلا وهم.” استمر الجدل حتى الليل ومنذ ذلك الحين أطلق عليه اسم القدري. وأضيفت بذلك كلمة جديدة إلى قاموس البلدة. الجميع هنا يعلمون ما تعنيه كلمة القدري، حتى حارس المعبد والخادم في المنزل.

“افترضنا أن الجمهور سيسأم بعد تلك الليلة من هذه النقاشات ويعود إلى المشكلات الحقيقية التي تخص زماننا. بينجامين نفسه قال أن هذا الأمر ليس بالإمكان إقراره بالمنطق. إما أن يؤمن الشخص أو لا يؤمن. إلا أن شبابنا أصبحو إلى حد ما مشغولين بهذا السؤال.  كنا لندعو إلى لقاء حول وثائق التفويض إلى فلسطين أو حول التعليم، ولكن بدلاً من التقيد بهذه الموضوعات كانوا يناقشون القدرية. في ذلك الوقت كان في مكتبتنا نسخة من رواية ليرمنتوف “بطل من هذا الزمان” مترجمة إلى اللغة اليدية*، وهي تتكلم عن قدري يدعى بيتكورين. قرأ الجميع هذه الرواية، وكان من بيننا من أرادو أن يجربوا حظهم. كنا على علم مسبق بلعبة الروليت الروسية ولعل البعض منا كان سيجربها لو توفر على مسدس. ولكن لا أحد امتلك واحداً.

“استمع إلى هذا الآن. كانت بيننا فتاة تدعى هايلي مينز، فتاة جميلة وذكية ولها نشاط ملحوظ في حركتنا، كانت ابنة رجل ثري، صاحب أكبر متجر في البلدة، وكان الجميع مولعاً بها. ولكن هايلي كانت صعبة الإرضاء، كانت تجد العيوب في الجميع. ذات لسان سليط وهو ما يسميه الألمان schlagfertig. لو قلت لها شيئاً، تلقي عليك سريعاً ردها المفحم والقاطع. وكانت كلما أرادت ذلك تسخر من أحدهم بطريقة ذكية أقرب إلى المزاح. وقع القدري في حبها بعد وقت قصير من قدومه. ولم يكن خجولاً أبداً. ذات مساء تقدم نحوها وقال: “هايلي، مقدرٌ لكِ أن تتزوجيني، وما دام الأمر كذلك، لمَ نؤخر ما هو محتوم؟”

“قال ذلك بصوتٍ عالٍ ليسمعه الجميع، فأثار ذلك ضجة. أجابت هايلي: “ومقدرٌ أيضاً أن أقول لك أنك أبله، كما أنك وقح ، ولهذا السبب قلته. ينبغي عليك مسامحتي فكل ذلك مكتوب في الصحف السماوية منذ مليارات السنين.”

“لم يمضِ وقتٌ طويل بعد ذلك حتى خُطبت هايلي لشاب مسؤول في الحركة في تلك المنطقة. تم تأجيل العرس مدة سنة كاملة لأن لدى الخاطب أختاً كبرى مخطوبة وكان لابد أن تتزوج أولاً. وبخ الفتية القدري ولكنه قال: إن كان ولابد أن تكون هايلي من نصيبي فإنها ستكون كذلك.” فردت هايلي: “بل سأكون من نصيب أوزير روبنشتاين وليس من نصيبك. وهذا ما أراده القدر.”

“ذات مساء شتوي اشتعل النقاش مرة أخرى حول القدر وهتفت هايلي قائلة: سيد شوارتز أو السيد القدري، إن كنت تؤمن فعلاً بما تقول، وأنك مستعد للعب الروليت لو كان بحوزتك مسدس، لدي لعبة أكثر خطورة لك.”

“أود هنا أن أذكر أن سكة الحديد لم تكن قد وصلت إلى بلدتنا في ذلك الحين. كانت تمر على بعد ميلين منها، ولم تكن تقف هناك. كان القطار الذي يسير عليها يأتي من وارسو متجهاً إلى لفوف. اقترحت هايلي على القدري أن يتمدد على السكة في اللحظات القليلة التي تسبق عبور القطار عليها. وقالت: إن كان مقدراً لك أن تعيش، فإنك ستعيش ولا شيء ينبغي أن يثير خوفك. ولكن إن كنت لا تؤمن بالقدرية، عندها…”

“انفجرنا ضاحكين جميعاً. لقد كنا واثقين أن القدري سيأتي بحجة ليخرج نفسه من هذا الأمر. فالاستلقاء على سكة الحديد كان يعني الموت المحقق. ولكن القدري قال: إن هذه لعبة تماماً كلعبة الروليت الروسية، واللعبة تتطلب أن يجازف الطرف الآخر بشيء ما أيضاً.” ثم تابع: “سأستلقي على السكك كما اقترحتِ، ولكن عليكِ أن تأخذي على نفسك عهداً مقدساً أنني في حال بقيت حياً، ستفكين خطبتك على أوزير روبنشتاين وتتزوجيني.”

“ساد صمت مميت على القاعة. شحبت هايلي وقالت: “حسنٌ إذن، أوافق على شروطك. “أعطيني وعداً مقدساً بذلك.” قال القدري، ومدت هايلي يدها إليه وقالت: أمي ليست على قيد الحياة فقد توفيت بسبب الكوليرا. ولكني أقسم بروحها أنك إن التزمك بوعدك ألتزم أنا بوعدي. وإن لم أفعل فيلحق العار بشرفي إلى الأبد. استدارت نحونا وتابعت قائلة: جميعكم شهود هنا، إن أخلفت بوعدي فلتبصقوا على وجهي.

سأختصر القصة. تم إقرار كل شيء في تلك الأمسية. سيمر القطار بجانب بلدتنا حوالي الساعة الثانية بعد الظهر. عند الواحدة والنصف تلتقي مجموعتنا كلها عند السكك الحديدية وسيثبت القدري ما إن كان قدرياً بحق أو مجرد مدعٍ. قطعنا جميعاً وعداً أن نبقي الأمر سراً لأنه إذا علم الكبار بالأمر لحدث لغط كبير بسبب ذلك.

لم يغمض لي جفن تلك الليلة وعلى حد علمي، كان الآخرون مثلي. كان معظمنا مقتنعاً تماماً بأن القدري، وعند آخر دقيقة سيعيد التفكير ويتراجع. بل واقترح البعض أننا وما إن يبلغ القطار مرمى نظرنا أو عندما تبدأ السكك بالاهتزاز سنسحب القدري بالقوة. إلا أن ذلك يعني التعرض لخطر مريع. حتى الآن فيما أنا أتحدث عن ذلك أشعر برعشة تسري بداخلي.

في اليوم التالي استيقظنا كلنا باكراً. لقد كنت خائفاً جداً حتى أنني لم أقوَ على ابتلاع لقمة واحدة على الإفطار. ربما ما كان كل ذلك ليحدث لو لم نقرأ كتاب ليرمنتوف. لم يذهب الجميع كنا فقط ستة شبان و أربع فتيات من ضمنهن هايلي مينز. كان الجو متجمداً في الخارج. أتذكر أن القدري ارتدى سترة خفيفة و قبعة. التقينا جميعاً عند شارع زاموسك، في أطراف البلدة. سألته: شوارتز كيف نمت ليلة البارحة؟ وأجابني: كما أنام كل ليلة. في الواقع كان صعباً أن تفهم ما كان يشعر به، ولكن هايلي كانت شاحبة كما لو أنها تعافت لتوها من الحمى. ذهب إليها وقلت لها: هايلي، هل تعلمين أنكِ ترسلين شخصاً إلى حتفه؟ فقالت: أنا لا أرسله للموت. لديه متسع من الوقت ليغير رأيه.

لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم ما حييت. ولن ينساه أحد منا أبداً. مضينا في طريقنا وكان الثلج ما يزال يتساقط علينا طول الوقت. وصلنا إلى السكك الحديدية. اعتقدت أن من المحتمل أن لا يسير القطار بسبب الثلوج، ولكن بدى واضحاً أن أحدهم قام بتنظيف السكك. كنا قد وصلنا ساعة أبكر من الموعد وصدقني عندما أقول لك أنها كانت أطول ساعة في حياتي. قبل قدوم القطار بربع ساعة قالت هايلي: شوارتز لقد أعدت التفكير في الأمر برمته، لا أريدك أن تخسر حياتك بسببي. أسدِّ إلي معروفاً ولننسَ الأمر كله. نظر إليها القدري وسألها: غيرتِ رأيك إذن؟ تريدين ذلك الشاب مهما كان الثمن هاه؟ قالت: كلا لا يتعلق الأمر بذلك الشاب؛ الأمر يتعلق بحياتك. سمعت أن أمك على قيد الحياة ولا أريد أن تفقد ولدها بسببي. كانت هايلي بالكاد قادرة على التفوه بهذه الكلمات. كانت تتكلم وهي ترتعش. قال القدري: إن كنتِ ستحافظين على وعدك فأنا على استعداد للمحافظة على وعدي ولكن بشرط واحد: قفي بعيداً قليلاً. لو حاولتي إرغامي على التراجع في اللحظة الأخيرة ستنتهي هذه اللعبة. ثم صرخ عالياً: فليبتعد الجميع عشرين خطوة! بدى كما لو أنه سيطر علينا بكلماته تلك فابتعدنا جميعاً. صرخ مرة أخرى: إن حاول أحدكم أن يسحبني بعيداً، سأتشبث بثيابه وأجره ليشاركني قدري. أدركنا عندها مدى خطورة الأمر. يحدث مراراً أنك عندما تحاول إنقاذ أحدهم من الغرق، تسقطان معاً وتغرقان.

فيما كنا نتراجع بدأت السكك الحديدية تهتز وتهمهم وسمعنا صفير القطار. عندها بدأنا بالصياح: شوارتز! لا تفعلها شوارتز! أشفق على نفسك! ولكن حتى مع صراخنا استلقى على السكك. وكان يوجد عندها مسار سكك واحد. فقدت إحدى الفتيات وعيها. كنا على يقين أنه وفي غضون ثانية سنرى أمام أعيننا شخصاً ينقسم إلى نصفين. لا أستطيع إخبارك ما الذي كنت أشعر به في تلك الثواني المعدودة. كانت دمائي تغلي في عروقي حرفياً من فرط الحماس. في تلك اللحظة سمعنا صوت زعيق عالٍ جداً أعقبه صوت ارتطام مكتوم وتوقف القطار على بعد ياردة من القدري.رأيت خلال الضباب كيف قفز سائق القطار ورجل الإطفاء من القطار. صرخوا على القدري وسحبوه بعيداً. ترجل العديد من المسافرين. بعضنا هرب بعيداً مخافة أن يتعرض للاعتقال. كانت فوضى عارمة. أما أنا فبقيت في مكاني وشاهدت كل شيء. هرعت هايلي إلي ووضعت ذراعيها حولي وبدأت تبكي. لم يكن مجرد بكاء كان أشبه بعواء وحش ـــ أعطني سيجاراً. لا أستطيع الحديث عن الأمر  ذلك يشعرني بالاختناق، معذرة…”

إعلان

مصدر مصدر
فريق الإعداد

إعداد: زهراء طاهر

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: بشرى مخازني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.