تأخذك إلى أعماق الفكر

الرأسمالية وأخلاقيات الالتزام في الكورونا

كما جادل الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث منذ فترة طويلة، لا يوجد سوى محرك نفسي واحد لهذا العجل الاقتصادي المفيد بشكل خيالي نسميه الرأسمالية: الفائدة.

مع اعتبار المادية والأنانية من الرذائل علانية، فإن الرأسمالية تمثل خطرًا أخلاقيًا مروعًا، إذ خشي المفكرون العلمانيون على حدٍ سواء من أن دعوة سميث لإطلاق العنان لدوافع الربح تخاطر بإثارة ثقافة اقتصادية ساخرة من الاستغلال المتهور والغرور والشراهة. بعد قرنين ونصف، من الإنصاف القول إن هذه الشكوك ليست عارية عن الصحة. للأسف، يقدم سميث علاجات ضئيلة لتثبيط السلبيات الاقتصادية المتوقعة. كان أمله في أن التنظيم الحكومي والتعليم العام قد يكونا كافيين لتخفيف التجاوزات -وهي وجهة نظر غالبًا ما عبر عنها النفعيون البريطانيون في وقت لاحق بما فيهم بينثام وميل-. من جانبهم  كان الفلاسفة الألمان أكثر تشاؤمًا بكثير حول الطبيعة البشرية وتأثير وجود الحكومة المعتدل عليها، وتنبؤوا بثورة جماهيرية سواء من الشعب (ماركس) أو النخبة الجديرة (نيتشه). في النهاية، لم يتبين أن أيًا من هؤلاء المفكرين كان على صواب أو على خطأ تمامًا.

إن التفاوت الاقتصادي المتزايد اليوم بشكل كبير والكارثة المناخية الوشيكة والوباء العالمي المتفشي تشغلنا عن إثارة هذا النقاش الخالد من جديد، على الرغم من أن الكثيرين يسعون إلى إلقاء اللوم على تجاوزات الرأسمالية، متناسين السجل التاريخي لأوجه القصور في الاشتراكية، أي خنق الابتكار وعدم الكفاءة والركود. لحسن الحظ، فإن علم النفس الأخلاقي لدينا يوفر منتصف الطريق بين هذين النقيضين. في حين ميل الحوافز الاقتصادية إلى إهمال وإلغاء الدوافع الايجابية والحوافز الانسانية، يمكن أيضًا إعادة تفعيلها عندما نواجه أسبابًا مقنعة للتفكير والتصرف من أجل الصالح العام لجميع المعنيين. في الواقع، حدث هذا في عدة لحظات حاسمة في التاريخ، كان آخرها خلال الكساد الكبير عندما شهد المواطنون من جميع المشارب السياسية الألم والإذلال. أدى هذا الوعي إلى صفقة روزفلت الجديدة التي أنشأت مع الاقتصاد في زمن الحرب مستوى من المعيشة تٌحسد عليه الطبقة المتوسطة الشاسعة في أمريكا. علاوة على ذلك، عززت هزيمة النازية الشعور الوطني بالفخر، إذ التزمت الشركات بتضخيم الجودة والقيمة على المدى الطويل في جميع المنتجات الاستهلاكية تقريبًا من الأدوات المنزلية إلى السيارات.

في نهاية المطاف، هذا التوازن الفاضل بين المصلحة الذاتية الفردية والتضامن الاجتماعي -وهو رمز لما يسمى بالجيل الأعظم- هو ما حمل العالم خلال تلك الفترة الأكثر صعوبة. وبالمثل، فإن جائحة فيروس كورونا قد توفر لنا فرصة لغرس ثقافة من الوعي الذاتي الأخلاقي المتزايد الذي يحفز شكلًا أكثر فضيلة من الرأسمالية.

اقرأ أيضًا: الرأسمالية: النموذجُ المثالي المجهول

كل من المصلحة الذاتية والاهتمام بالآخرين هي جوانب أساسية للطبيعة البشرية، ويتم تحقيق الهويات والمجتمعات الصحية من خلال التوازن بين هذين المحركين المتعارضين. ولكن على مدى جيلين على الأقل، كانت ثقافتنا مليئة بالعقلية التحفيزية الرأسمالية المتأخرة حيث تعمل المناشدات لخدمة المصلحة الذاتية الاقتصادية بشكل افتراضي تقريبًا. أي كلما كانت المهمة إقناع شخص ما بفعل أي شيء تقريبًا، فإننا نظهر تلقائيًا لهذا الشخص كم أن ذلك الأمر يعود عليه بالمنفعة الشخصية، فعلنا ذلك حتى في الماضي، رغم أن المناشدات قد تكون لدوافع غير اقتصادية تمامًا. تم توثيق هذه الاتجاهات على نطاق واسع من قبل قائمة متزايدة من الفلاسفة والاقتصاديين وعلماء النفس مثل مايكل ساندل وصمويل بولز وبول بيف، على التوالي. إن ما وصفوه هو ميل عام لحملاتنا الاقتصادية الناتجة عن إهمال الجانب الانساني وهو ما سموه “بالتزاحم الأخلاقي”. أصبحت الحوافز الاقتصادية منتشرة في كل مكان لدرجة أن بعض المدارس الابتدائية تلجأ الآن إلى دفع أموال للأطفال مقابل كل كتاب يقرأونه وبدأت دور حضانة الاطفال تغرم الوالدين 20 دولارًا عن كل خمس دقائق يتأخرون فيها لأخذ أطفالهم. يتصدر الرئيس الأميركي هذه الأمثلة بشكل روتيني، وهو يتلقى العوائد العالية في إجازاته الصحفية حول جائحة مميتة جعلت العالم باكمله يجثو على ركبتيه.

إعلان

تبرز مثل هذه الحوادث الشائعة جدًا نقصًا شديدًا في الوعي الذاتي الأخلاقي. لأنه، كما يؤكد علماء الأخلاق الفاضلون الذين يتبعون أرسطو، فإن القيام بالشيء الصحيح لا يتعلق ببساطة بالإجراء الذي يقرر المرء القيام به أو بالتبعات النفعية المترتبة عليه. كما أنه ينطوي بشكل حاسم على اختيار الإجراء الصحيح في جهد مدروس ذاتي البناء لجعل الامر أفضل ما يكون. لذلك، عندما يحضر المرء، على سبيل المثال، طفله من دور الحضانة في الوقت المحدد بشكل أساسي لتجنب الغرامة، قد يكون هذا هو الإجراء الصحيح ولكنه لا يكفي لجعله فعلًا جيدًا حقًا. يجب على المرء أن يختار الوصول في الوقت المحدد حتى لا يترك طفله ينتظر حزينًا في الخارج بعد أن يأتي جميع الآباء الآخرين ويذهبون. بعبارة أخرى، يعد اختيار الإجراء الصحيح شرطًا ضروريًا ولكنه ليس كافيًا لفعل الشيء الصحيح. الدوافع تهمّ بالطبع؛ لأنهم ينبؤون لأنفسهم -وللآخرين- أن اختياراتهم هي رمز لشخصياتهم الحقيقية. لسوء الحظ، فإن المنطق الاقتصادي للحوافز المالية يلغي هذا العنصر الحاسم من عملية صنع القرار العادية لدينا. لقد وضعنا هذا في مأزق خطير للغاية نواجه فيه خطر فقدان أحد أنبل جوانب إنسانيتنا المشتركة – الشعور الأخلاقي الداخلي، كما قال الشهير كانط. في الواقع، يبدو أننا الآن بعيدين جدًا عن الصفعة التي تتبع اضطرابًا اجتماعيًا كبيرًا لإعادة الأغلبية إلى عادته المعتادة للنظر في كيفية انعكاس خياراتهم الفردية عليهم أخلاقيا.

قد يعجبك: الرأسمالية والتحليل النفسي

على عكس الأوبئة السابقة التي هددت حياة المصابين بالعدوى بشكل أو بآخر، يميل هذا الفيروس بشكل أساسي إلى إصابة الأشخاص الأكثر ضعفًا بيننا، أي كبار السن والذين يعانون من حالات طبية مزمنة مثل الربو وأمراض القلب الخلقية. وبالتالي، لا توجد سوى فرصة مستبعدة أو تأثير سلبي غير وارد على الغالبية العظمى من السكان، الشباب بشكل خاص. لذلك، فإن الميل المعتاد للمصلحة الذاتية الفردية خلال الأوبئة لم تعد تمثل القوة الكافية لجعل الجميع يتبعون قيود الحجر الصحي. في الواقع، يتعين على الحكومات اتخاذ تدابير صارمة لفرضها، رأينا صور مروعة من تجمعات عيد الفصح الكبيرة المنتشرة على الإنترنت، وأغلقت المدن والدول في جميع أنحاء العالم الحدائق العامة بالنظر إلى أن العديد من السكان قد خرقوا القيود المفروضة على التجمعات الكبيرة هناك، وفرضت ريفرسايد كاليفورنيا غرامة قدرها 1000 دولار على سكانها لعدم ارتداء أقنعة واقية في الأماكن العامة. من الواضح أن فرض مثل هذه القيود الأساسية لن يكون ضروريًا لو كان الفيروس يعتبر مميتًا للجميع.

وبالتالي، فإن الطبيعة الخاصة لهذا الفيروس تقدم دعوة جماعية للوعي الذاتي الأخلاقي. من أجل هزيمته، سيحتاج الأغلبية إلى ممارسة العناية القصوى حتى لا يصيب أولئك المعرضين للخطر أكثر. وسيتطلب ذلك منهم في نهاية المطاف أن يفخروا بأن يثبتوا لأنفسهم وللآخرين أنهم يتخذون أنواع الخيارات المسؤولة والتضحيات الشخصية اللازمة لوقف انتشار العدوى إلى أبعد من أنفسهم. ومن ثم، فإن ارتداء قناع الوجه في هذا السياق يصبح فعلًا من احترام الذات الأخلاقي أكثر من كونه حماية شخصية. بمرور الوقت، يمكن أن تتراكم مثل هذه العادات التحوطية الأساسية في ثقافة الذهن العامة، بالنظر إلى أنه ليس لدينا جميعًا سوى خيار صغير يتمثل في الالتزام بالقيود. لكن إذا استمرت أعداد كبيرة من الأشخاص في الاستهزاء بهذه القواعد وبالملتزمين بها -مثلما بدأ بالفعل في الحدوث، فمن المؤكد أنه يتعين على الحكومات إجبارهم على الامتثال بمجرد أن يكون الضرر الذي أحدثوه في المستشفيات المكتظة أكبر من أن يتم تجاهله.

من خلال هذا المزيج بين الفخر والنبذ، يتم رفع الوعي الذاتي الأخلاقي الفردي، مثلما أوضح في بحثي الذي يصف أربعة مستويات متميزة. في المستوى الأول، يحتاج الأشخاص إلى ضغط اجتماعي كالنبذ لبدء التفكير في كيفية تأثير أفعالهم على الآخرين وبالتالي تعديل سلوكهم. هذا يقودهم بعد ذلك إلى المستوى الثاني، حيث عليهم فقط ملاحظة المثال الإيجابي لشخص آخر لإدراك أنه يجب عليهم أن يفعلوا الشيء نفسه. في المستوى الثالث، يبدأون في التطلع في الوقت المناسب إلى كيفية تجنب الآثار السلبية المستقبلية لسلوكهم. هذا هو المستوى الذي يدعونا فيه الفيروس إلى التفكير مع الأخذ في الاعتبار أن المصابين قد يكونون حاملين للعدوى قبل أيام من ظهور الأعراض، أو دون إظهار أي أعراض على الإطلاق، إذ يُعتقد أن 20% من حاملي المرض لا تظهر عليهم أية أعراض. في نهاية المطاف، في المستوى الرابع، يبدأ الأفراد في التفكير ليس فقط في كيفية تجنب إيذاء الآخرين ولكن كيفية خدمتهم بفعالية، بالطبع، سيشعر الكثير منا بأنهم مدعوون إلى مد يد العون للآخرين بطرق لا تعد ولا تحصى خلال هذه الفترة الصعبة، وفي الواقع هناك الملايين بالفعل من المبادرات الفاعلة والتي تابعناها على وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد قضاء ما يصل إلى ثمانية عشر شهرًا في هذه البيئة الاجتماعية الجديدة، لن نتغير دون شك. من الأسلم أن نقول أن هذه المعايير الجديدة تتطلب على الأقل إعادة إحياء للوعي الأخلاقي للذات الذي يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي على جميع المجالات الاجتماعية والمدنية تقريبًا. من ناحية أخرى، يمكن أن يكون أيضًا ذات المحفز الذي ينشئ دولة مراقبة قمعية شاملة لمراقبة وتأديب المخالفين ومعاقبتهم. بعد كل شيء، يمكن لتكنولوجيا الهواتف المحمولة الحالية تتبع التجمعات الكبيرة وتم تثبيت الكاميرات الأمنية في معظم الأماكن العامة. الاحتمال الآخر هو أنه بسبب الافتقار إلى التوجيه من حكومة اتحادية غير كفؤة ومتلهفة إلى إعادة بدء الاقتصاد، تبدأ عدد كبير من الولايات الأمريكية في رفع متطلبات الحجر الصحي في وقت مبكر جدًا، وقد يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الأزمة إلى حد كبير.

سيناريو أفضل بكثير هو إحياء ما تبقى من إنسانيتنا المشتركة  من أجل مواجهة هذا التحدي دون الحاجة إلى حالة ترصد شديدة القسوة أو فترة طويلة من الأزمات الصحية الفوضوية خلال فصل الشتاء المقبل. يمكن للحظة معممة لزيادة الوعي الذاتي الأخلاقي أن تقودنا إلى رؤية أنشطتنا اليومية وخياراتنا الاقتصادية من خلال عدسة أوسع بدون ان يكون المال هو المحفز الوحيد لكوننا أشخاصًا واعين.

بالتأكيد، سيتمكن أكثر من بيننا من الخروج من هذه الفترة دون تغيير. لكنني أعتقد أن الكثير منا قد يبدؤون أيضًا في أن يصبحوا أفرادًا أفضل لبيئاتنا المشتركة. سنفعل ذلك من خلال التسوق والتصويت والاستثمار وممارسة الأعمال التجارية بمسؤولية أكبر. قد تؤدي هذه التغييرات إلى عهد جديد من الرأسمالية الفاضلة حيث تصبح الأخلاق جانبًا أساسيًا من استراتيجية الأعمال والعمليات، ولم تعد الحوافز المالية تغزو كل ركن من أركان الحياة اليومية. بعد كل شيء، نحن لا نعيش على الخبز وحده، يجبرنا هذا الفيروس على تذكر ذلك.

نرشح لك: الهاوية.. الرأسمالية البريئة

مصدر الترجمة 

 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: أفنان أبو يحيى

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: جميل سليمان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.