تأخذك إلى أعماق الفكر

الحياة في كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى”

عن كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى" للكاتب عالم النفس فيكتور فرانكل - ترجمة الدكتور طلعت منصور

صدرت الطبعة الأولى من كتاب الإنسان يبحث عن المعنى بلغته الأم عام 1946 وترجمت هذه النسخة إلى العربية عن دار القلم عام 1982.

علم النفس يبدأ من تجربة الإنسان وإدراكه لذاته والآخرين

أنه على الرغم من أن طبيعة علم النفس تدعو للتجرد، لكنه يصعب على الشخص داخل الحدث هذا، لكنه سيملك الصدق الذي من الصعب أن يتمتع به الشخص الخارجي، لأن التحدث عن حقائق الحياة داخل المعتقلات مع وجودها في سجلات، لا تحمل دلالة إلا إذا كانت حكي عن خبرة شخصية.

-(الكاتب عن تجربته داخل المعتقلات النازية التي قادته لتأسيس نظريته في علم النفس عن العلاج بالمعنى)

علم النفس بدأ من الخبرات الحياتية للأفراد، لذلك عندما تكون النظرية مبنية على خبرة وتجربة حياتية للإنسان يشاركها معك الكاتب ويشركك فيها بصدق، لابد وأن تتفاعل معها لتكون أقرب للتصديق.

لماذا لم تنتحر؟

فيكتور فرانكل
فيكتور فرانكل

كان الدكتور فيكتور فرانكل يوجه هذا السؤال لمرضاه النفسيين الذين عانوا من معاناة شديدة، ومن إجابتهم يستخلص سر حافز البقاء الذي يدفعهم لتلقي العلاج؛ وربما يلخص هذا عمق منهجه.

أنّ من يجد سببًا يحيا به، فإن في مقدوره غالبًا، أن يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل.

نيتشه

الفصل الأول “خبرات في معسكر الإعتقال”

يتحدث عن تلك التجربة الشخصية في سرد غير منظم بشكل دقيق للأحداث لكنه مبنيٌّ على تداعي المواقف.

ويقسم  كاتب”الإنسان يبحث عن المعنى” هذه الفترة إلى ثلاث مراحل للحالة النفسية للسجين أولهم “الصدمة”؛ وهي حالة الفزع التي تسيطر على المعتقلين من أول عملية تحولهم إلى مجرد أرقام دون النظر لهويتهم، وبإشارة واحدة يُحدَّد مصيرهم. فكان الذي يشار له لليسار -وهو ضعيف الصحة ولا يقوى على العمل- يوجَّه إلى محارق الغاز، وكان من يشار له لليمين هو من يتبقى فيه الرمق ويمكن أن يتحمل العمل الشاق الغير إنساني، وبذلك يكون كل مسجون هدفه هو الخلاص من مصير الموت بغض النظر عن أي حسابات معنوية أو أخلاقية، فهو على إستعداد لدفع غيره لهذا المصير حفاظًا على نفسه.

إعلان

ينتقل المسجون تدريجيًا من مرحلة “الوهم في أمل الخلاص” إلى ” فكرة الإنتحار وضآلة توقع الحياة بالحساب الموضوعي

كانت السجائر بمثابة العملة التي هي أجر العمل؛ فيستبدلونها بأطباق الحساء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فكان من يرونه من المساجين العاديين يدخن يعرفون أن قد فقد الأمل في الحياة ويريد أن يستمتع بهذه السيجارة لآخر وقت فيها.

رد الفعل غير السوي تجاه موقف غير سوي هو إستجابة سوية.

المرحلة الثانية هي “البلادة والموت الإنفعالي”

من أبرز التطورات الغالبة على تلك المرحلة: النظر بعيون الميتين. فيحدث ذلك عندما كان يتم ترحيل السجين من معسكر لآخر وكان ينظر بحسرة من نافذة القطار على المدينة التي كان يعيش فيها. ويشعر السجين في هذه المرحلة بفقدان القيم ويغلب عليه الإحساس بالحيوانية المتمثل في أشكال عديدة للتعذيب منها سوقهم كالقطيع، والإختفاء في الوسط مثل الأغنام لتجنب الرياح والسوط.

وبسبب هذا الوجود المؤقت لنهاية غير معروفة لهذا الجحيم جاء إنعدام الغاية والهدف طبيعيًا. لكنه -أي الكاتب- يعود من جديد محاوِلاً إعادة إكتشاف المعنى من خلال الحب عندما كان يتذكر زوجته أثناء العمل، ورؤية الجمال في مشهد غروب الشمس، وعندما عرض عليه التطوع في فريق معالجة مرضى التيفوس على الرغم من أنه معرض للموت بهذا إلا أنه رأى أنّ الموت بهذه الطريقة سيكون له معنى على الأقل، ويؤكد بهذا أنّ الإنسان ليس نتاج الظروف والبيئة المحيطة وأنّ هناك حرية روحية تمكنه من إختيار قراراته التي لا يمكن أن يسلبها منه أحد.

ويؤكد الكاتب على أنّ هذا التمسك الروحي بالأمل هو الذي يعين الجسم على التحمل من أجل المعنى، فيحكي عن صاحبه الذي حلم أن الحرب ستنتهي في موعد معين وكانت الاخبار على خلاف ذلك فمات في نفس الموعد المحدد. فكان الكاتب يتخيل مستقبله وهو يلقي محاضرة عن سيكولوجية معسكر الإعتقال و كان هذا دافعًا للسمو فوق المواقف اليومية التافهة في المعسكر.

يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو ألا أكون جديرًا بألآمي.

-دوستويفسكي

 

المرحلة الثالثة وهي “سيكولوجية السجين بعد الإفراج عنه”

يتحدث الكاتب  فيكتور فرانكل عن فقدان القدرة على الإحساس بالسرور ومشاعر الحرية وكأنه حلم! والشعور بالقسوة والتحرر من الوهم المتمثلة في عدم إكتراث المعارف بما حدث له وإحساسه بأنه غير مهم.

ورد الفعل العكسي للكبت داخل المعكسر يتمثل بالشهية الزائد والكلام الزائد والعدائية في التصرفات العادية؛ كصاحبه الذي قصد عمدًا أثناء سيرهم أن يدهس حدائق الشوفان وأثناء نُصحِ فرانكل له برر له ذلك بالعذاب الذي لقوه وفقدانه لحياته السابقة.

ومع مرور الوقت ينتقل من حرب الأعصاب إلى السلام العقلي عندما بدأ يستوعب هذا التحرر. ويذكر فرانكل أنه أثناء سيره في مكان رحب مليء بالزهور والسماء الصافية ركع فرحًا ودعا؛ فقال: “لقد دعوت الله في سجني الضيق .. فأجابني في رحابة الكون.

الفصل الثاني “المبادئ الأساسية للعلاج بالمعنى”

وهنا يبدأ فرانكل التأسيس لنظريته؛ حيث يوضح الفرق بين التحليل النفسي والعلاج بالمعنى. والفرق هو أنّ في الأول يحكي المريض عن أشياء من غير المقبول الإفصاح عنها وفي الأخير يسمع أشياء من غير المقبول سماعها، وهو يركز على المستقبل أكثر من الإسترجاع، وأنّ المعنى الذي يقصده ليس مجرد إسقاط للتفكير الهوائي أو الحوافز الغريزية فقط وأنه ليس أمراً مُبتدَعاً من الإنسان لكنه يكتشفه.

من فقرات كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” المهمة في هذا الجزء “الإحباط الوجودي” و”الفراغ الوجودي”

حيث يتحدث عن مصطلح العصاب المعنوي؛ الذي هو المشكلة التي يعالجها العلاج بالمعنى خلافًا للعصاب النفسي الذي هو يعالجه التحليل النفسي،  وأنّ الأول له علاقة بالبعد العقلي والروحي، وأنّ منهج التحليل يسعى لإيجاد الإتزان بينما يرى فرانكل أنّ الإنسان ليس بحاجة للخلاص من التوتر بقدر ما هو بحاجة للسعي والإجتهاد نحو المعنى. فيضرب مثالاً بعصاب يوم الراحة الأسبوعية عندما يختفي ما هو طارئ من أعمال ويشعر الإنسان بهذا الفراغ، ويعوض الإنسان هذا الفراغ بإرادة القوة أو اللذة بالبحث عن المال أو الجنس، ويأكد على تكامل العلاج النفسي مع العلاج بالمعنى في حالة الفراغ الوجودي.

معنى الحياة والمعاناة والحب وجوهر الوجود

يختلف المعنى وإكتشاف المعنى الخاص من شخصٍ لآخر؛ كلاعب الشطرنج في كل مباراة ولعبة مختلفة. معنى الحياة في العالم الخارجي أكثر مما هو في داخل الإنسان، وتحقيق الذات إنما هو تفريع عن المعنى الأكبر لتسامي الذات، إذ يتحقق المعنى بواسطة الإتيان بفعل أو عمل، بواسطة أن نخبر قيمة من القيم، بواسطة ان نعيش حالة من المعاناة. وإكتساب المعاناة معنىً يتمثل بالتضحية في مصير الألم الحتمي، إصراره على وجود المعنى في الحياة والموت لكي يكون هناك معنى للبقاء. أما معنى الحب فهو الإدراك الذي يصل لأعماق الإنسان، وجوهر الوجود هو إحساس المريض بالمسئولية بأنه يختار قراراته ولا يوكل المعالج لإختيارها؛ فدور المعالج كدور طبيب العيون لا الرسام.

في فقرة “المشكلات الكلينيكية الكبرى”

يتحدث الكاتب هنا عن أنّ المشاكل الفلسفية التي تواجه الطبيب النفسي يلزمها العلاج بالمعنى، وأنّ المعنى أعمق من المنطق حينما يكون الإنسان واقفًا على أرض صلبة من الإعتقاد الديني بحيث يتقبل المعاناة.

ويتحدث في فقرة “زوال الحياة” عن إنقاذ هذا الزوال بمحاولة ترك الأثر في حياة الفرد. فعلى سبيل المثال، هناك من يزيل أوراق النتيجة ويتحسر على أيامه الفائتة وهناك من يكتب مذكراته وإنجازاته اليومية عليها فيكون هذا هو الحفظ.

وفي فقرة “العصاب الجماعي” يتحدث عن أنّ لكل عصر عصابه وأن العدمية هي عصاب العصر ولا يمكن أن ينجح العلاج النفسي في مواجهة ذلك إن لم يتحرر من تأثير هذه الإتجاهات.. وأن على العلاج أن يربي في المريض أنّه ليس نتاج الظروف والبيئة بل هو مسؤول عن إختياراته تجاهها. ويتجه الكاتب لنقد “الحتمية الشمولية”؛ لأنها من وجهة نظره لا تستطيع التنبؤ بأفعال الإنسان مهما كان لأنه ليس بماكينة، فلا بُد من النظر إليه خارج القوالب المحددة للطرق الآلية للطب النفسي.

الفصل الثالث “التسامي بالذات”

يتحدث عن مقدرة الإنسان على التحرر الذاتي والتسامي بالذات؛  فلابد من إدراكه لذاته خارج المنظومة المغلقة للواقع المعاش، وإتصاله بالعالم الخارجي (الذي هو يشبه عالم المُثل عند أفلاطون، أو العالم الخالد بالمعنى الديني) الذي يكمن به معنى الوجود.

وينتقد فيكتور فرانكل مذهب اللذة باعتبار أنّ الغرض الأساسي لكل إجتهاد أو سعي هو تحقيق حالة الإتزان. أما إبتداع القيم وإنجاز الأشياء فهذه كلها أهداف ثانوية، وحتى أن السعي وراء السعادة مثلاً يحول دون تحقيقها لأنّ السعادة ليست هدفاً في حد ذاتها؛ فقال:

لأنه لا يمكن فهم السلوك الإنساني وفقا للغرض الذي يقرر أن الإنسان يسعى إلى اللذة والسعادة بصرف النظر عن السبب الذي يدعونا أن نخبرهما.

كما وجاء أنّ التربية التي تقوم على نظرية الإتزان تتجنب مواجهة الناشئة بالمثل والقيم والحذر من النزعات التوجيهية، بسبب فهم الديمقراطية من زاوية واحدة وهي الحرية أكثر من المسؤولية. فلا بُد من توفر قدر معقول من التوتر بين الواقعية والمثالية أي (ما أنا عليه) و (ما ينبغي أن أكون عليه) لحماية هذا المعنى الذي يعلو على الواقعية والكينونة.

ويقول أنه يرى في هذا الإنتقال عمليًة تتابعيَّةً للنمو الإنساني؛ فيعتد بما يقوله “أنجرسما” بأنّ مبدأ اللذة في نظرية فرويد هو المبدأ الموجه للطفل الصغير ومبدأ القوة في نظرية آدلر هو المبدأ الموجه للمراهق، في حين أنّ إرادة المعنى هي المبدأ الموجه للشخص الراشد الناضج.

ويعلق ماسلو في نهاية الكتاب على نظرية فرانكل؛ يقول أنه يتفق مع فرانكل في أنه لا يرى أنّ تحقيق الذات يبتعد عن تحقيق المعنى في الحياة وإنما الذي يفعل هذا ويسميه بتحقيق الذات هو المُخطئ ولكن الإختلاف يكمن  في تحديد المسميات.

على المستوى الشخصي، أتفق بأنّ المسميات يجب أن تكون أكثر تحديدًا وعلمية، فأنا مقنتع أكثر بكلام فرانكل لأن تحقيق الذات لا يكون دومًا مرتبط بقيم أو معنى ويمكن أن يكون غير أخلاقي. ورأيت أيضًا إختزالاً لدور التحليل النفسي؛ فأرى أنّ هناك من يحتاجه في مرحلة ما قبل العلاج بالمعنى. كما ولاحظت تكرارًا لبعض الأفكار وإختزالاً في فقرة “خلاص الإنسان من خلال الحب وفي الحب”، وأنّ السرد كان يمكن أن يكون بشكل منظم أكثر، لكن ربما هذا التداعي كان أصدق.

وبغض النظر عن هذه الملاحظات، إن كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” من الكتب التي غيرت نظرتي للحياة عند قراءته منذ عامين؛ فالنظرية ممتازة وعميقة وجعلتني أدرك معنى أن يكون هناك معنى للحياة، الأمر أشبه بشيء باطني أو شعوري لا يمكنني التعبير عنه أو وصفه، فيأتي شاعر ليصفه لي. ولكن الواصف هنا هو عالم نفس وقبل ذلك إنسان خاض تجربة ولديه قصة مُلهمة وعظيمة. ربما لم يعصمني إدراكي للمعنى من فقدانه والدخول في إكتئاب وإنعدام رغبة في الحياة في فترات لاحقة، لكن ما زلت أذكر فضله في مرحلة فارقة في حياتي، فإن فقدت المعنى أو لم يكن موجود عليَّ صنعه بنفسي، كما قال سقراط:

الحياة ليست بحثاً عن الذات، ولكنها رحلة لصنع الذات.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.