تأخذك إلى أعماق الفكر

الاقتصاد و المضاربات الإعلامية

*ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻛﺎﻟﻌﻀﻼﺕ ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻌﻤﻠﻬﺎ ﻫﺰﻟﺖ … حكمه أمريكية
*ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻜﻠﻢ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﺼﻤﺖ ﺍﻟﺼﺪﻕ … حكمه روسيه
*ﺣﺐ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﺤﻮﻝ ﺍﻟﺤﻜﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺑﻠﻬﺎﺀ … حكمه صينيه
*ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻗﻮﻳﺔ ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻨﻬﺎ … و يد مملؤة ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﻳﺪ مملؤة ﺑﺎﻟﺤﻘﻴﻘﺔ … حكمه إعلاميه

◀دع صديقى القارىء معاني الحكم السابقه تتفتح في ذهنك و أنت تراقب حركة أصابع الإعلام العالمي في توجيه مسارات أهم الأحداث الإقتصادية خلال السنتين الماضيتين … و البدايه مع يناير 2016 حيث العاصفه الحمراء لأسعار النفط الواقع تحت ترهيب إعلامي كبير مبرره الأساسي و المتداول هو ” تخمة المعروض النفطى ” و ليس ” تراجع الطلب العالمي ” مع أن الجملتان تعبران عن شىء واحد … إلا أن تخمة المعروض لها تأثير نفسي أكبر في الضغط على الأسعار لمستهدفات سعريه إعلامية ما إن تحققت حتى تظهر الأخرى لتملىء فراغ الصمت الرسمي لدول منظمة أوبك و لتزيد من حرية الدول النفطيه خارجها …

كانت أسعار النفط تنتظر المجهول عند أسعار 35 دولار للبرميل و لجعل تخمة المعروض أكثر قبولا جاء اقترانها بالتركيز المكثف على تباطؤ نمو الإقتصاد الصينى فى 2016 إلى ما دون 6.9 % مع أنه يتراجع بالفعل و على التوالي من عام 2010 … إلا أن نغمة تخمة النفط مع تباطؤ أكبر مستهلك في العالم أدت الغرض الإعلامس إلى حدود 26 دولار للبرميل ، حتى صارت بورصة المضاربات الإعلامية تشير بشبه اليقين وقتها إلى سحق الأسعار إلى ما دون 20 دولار للبرميل ! … و هذا لم يحدث …

و لك أن تتخيل صديقى القارىء أن عام 2016 شهد 263 جلسة تداول على عقود النفط لم يمكث فيها الخام سوى 23 جلسه و البرنت 10 جلسات فى منطقة العشرينات المرعبه …

◀فى يونيو 2016 انشغل الإعلام العالمي بقضيه الاستفتاء على انفصال بريطانيا عن الأتحاد الأوروبي المعروفه بمسمى Brexit و ازدحمت التوقعات المشيره لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبى لتتشكل وجهة نظر كبرى تقع بين قوسى الترهيب من الخسائر المهوله حال الإنفصال و الترغيب فى المكاسب الضخمه حال البقاء … و هو ما شكل اطمئنان مصطنع للأسواق المالية العالمية التى أصابتها الصدمة الحقيقية بخسائر تعدت 15 % حين ظهور نتيجة الإستفتاء المؤيدة للأنفصال …

هنا فقد الإعلام رصيدا كبيرا من قدرته على توجيه التوقعات لصالحه ، و ابتعد تدريجيا عن الإهتمام بتناول قضية Brexit إلا فى إطار تطورات الأخبار العاديه …

إعلان

◀ فى نوفمبر 2016 كان الإعلام العالمي على موعد مع ضربه سياسيه قاسيه قضت على ما تبقى من هيبته … فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحده الأمريكيه … و هذا بعد ترويج و انحياز مبالغ فيه لمنافسته هيلارى كلينتون و تعديد لحجم الخسائر التى تصيب الإقتصاد العالمي حال فوز ترامب و التى وصلت في أقصى تقدير إلى تريليون دولار … و ما أن كانت النتائج تتوالى عن تقدم ترامب حتى تعمق الأسواق الماليه من اللون الاحمر ، إلى أن تأكد فوز الرجل فأختار الإعلام أن يطبع مع الضيف الثقيل و الجديد بسرد مميزات برنامجه الإقتصادي الذى لم يلقى اهتماما كافيا بالقدر الذي كان يركز فيه الإعلام على الجوانب الشخصيه الكاريزميه لترامب … و هذا ما فعلته ايضا الأسواق الماليه التى أثرت نسيان التهديدات الإعلامية على حساب بدء سباق سريع لبلوغ مستويات قياسيه للمؤشرات رغم عدم ترجمة أهم وعود ترامب الإقتصادية على أرض الواقع حتى الأن …

◀ أدرك الإعلام العالمي ضرورة تراجعه عن أضواء القضايا الإقتصادية الكبرى بعد ماحدث فى يونيو و نوفمبر 2016 فانشغل بالتركيز على ملعبه المعتاد فى تناول المؤشرات و توقعات الفائده الأمريكيه و مخزونات النفط لكسب جزء من الثقه المفقوده فى توجيهه للتوقعات … حتى تفتحت قضيه نووى كوريا الشماليه من جديد فكان التناول مثيرا على الشاشات و لكنه ليس بنفس التأثير على الأسواق التي تواصل القفز نحو مستويات تاريخيه جديدة ، و كأنها تستعد بالأخضر الداكن لمواجهة الأحمر المحتمل حال إنفجار أى لغم من القضايا الساخنة المفتوحه …

◀فى يوليو 2017 و أثناء خطاب جانيت يلين رئيسة الفيدرالي الأمريكي رفع أحد الحضور خلفها لافته مكتوب عليها ” اشتروا البيتكوين ” … ليثير هذا المشهد اهتمام و شهية الكثيرين حول العالم الذين راحوا يعددون مكاسب العمله الإلكترونيه الإفتراضية التى كانت تدور وقتها حول مستوى 3000 دولار تقريبا للبيتكوين الواحد … !
تلقف الاعلام المشهد و عمل على تنميته بكل قوه ليقفز البيتكوين بنحو الف دولار كل شهرين إلى أن وصل لحدود 5000 دولار و يتقلص المدى الزمني للصعود الرهيب إلى إضافة ألف دولار أخرى كل أسبوعين حتى بلغ جنون الارتفاع في نوفمبر ليسجل البيتكوين مستويات جديدة من 8000 دولار إلى 9000 دولار في ثلاثة أيام ، تبعتها ثلاثة أيام أخرى تجاوز فيها حدود 10000 دولار للبيتكوين الواحد الذى لم يمكث سوى 8 ساعات فقط حتى بلغ مستوى 11400 دولار ليفتح أبواب الدهشه و التنبؤ بتبخر الفقاعه الإلكترونيه تدريجيا بعد زخم و مضاربات إعلامية شديده دفعت إلى المزيد من الخيال الذى لا يعرف حدود سعريه فنيه و ماليه يقف عندها البيتكوين …

جزء كبير جدا من المعنويات الافتراضيه منحها الإعلام بتكثيف التركيز على نقل صخب البيتكوين لحظيا عند كسره مستوى 10000 دولار … حتى بات الجميع بسخريه و دهشه كامله يعيدون تقييم كل الثروات و الأصول بالبيتكوين ، فتتقزم مليارات الدولارات إلى عشرات الملايين بحساب البيتكوين …!

◀ الآن عد صديقي القارىء إلى الحكم الأربعة في أول المقال لتكتشف صحتها تماما بعد مشاهد المضاربات الإعلامية الضخمه على شرف الإقتصاد العالمي الذى يسير بنشاط مقلق للغايه فى محو الأساسيات المنطقية المعروفة للأسواق .

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

النشرة الإقتصادية غير مرحب بها في الدول العربية

الحدود الأخلاقية للأسواق .. ما الذي لا يمكن أن تشتريه النقود ؟

الجمعة السوداء في الجانب الاقتصادي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.