تأخذك إلى أعماق الفكر

الأسلحة النووية.. لماذا هي مرعبة؟!

في نهايات الحرب العالمية الثانية وتحديدًا في يوم 3 أغسطس/آب من عام 1945 أنذرت القوات الأمريكية الحكومة اليابانية -آخر أعدائها- آنذاك بأن عليها الاستسلام غير المشروط فورًا وإلا فإن سلاحًا خطيرًا جديدًا سيستخدم ضدها…

حبس العالم أنفاسه وبدأ الناس يتناقلون الشائعات بين مكذب للولايات المتحدة وآخر مصدق، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى صدمت الولايات المتحدة العالم عامة واليابانيين خاصة بمجزرة مروعة في مدينة هيروشيما وألقت أول قنبلة نووية في التاريخ متسببة بإبادة 150 ألف إنسان خلال لحظات ومسح مدينة هيروشيما وتاريخها بالكامل….ثم تبعتها بعد أيام بأخرى في ناغازاكي متسببة بمجزرة مشابهة .

لكن في الحقيقة لم تكن تلك القنبلة مفاجأة بالنسبة للجميع وخاصة في العالم الغربي وفي الولايات المتحدة الأمريكية فلقد كانت الأخبار عن إمكانية توصل العلماء لبناء قنبلة جديدة بطاقة مدمرة متداولةً هناك، بل وإن الألمان النازيين هم من كانوا سيسبقون لصنعها!! إذ تذكر المصادر أن العالم ألبرت أينشتاين ((وهو بالمناسبة صاحب النظرية التي تعتمد عليها هذه القنبلة)) قام بتحذير رئيس الولايات المتحدة آنذاك (روزفلت) في رسالة خاصة بأن النازيين يستعدون لبناء مثل هذه القنبلة مما سيشكل خطرًا على العالم بأسره … ليفاجئ ألبرت نفسه فيما بعد بالمجزرة الأمريكية.

لكن ما هي القنبلة النووية علميًا؟؟

لو تأملنا في الذرة لوجدناها تتألف من العناصر الرئيسية التالية: الإلكترونات، النواة (التي تحوي نيوترونات وبروتونات) وهذه المكونات لا تشمل إلا 1% من حجم الذرة الكلي والباقي كله فراغ!
ولقد لاحظ العلماء ظاهرة أخرى غريبة في بنية الذرة هذه … وهي أن مجموع كتلة البروتونات مع كلتة النيوترونات كل منها على حدى أكبر من كتلة النواة  بكاملها فيما لو كانت مجتمعة!! وبينما يبدو هذا غير منطقي فقد فسر العظيم أينشتاين هذا النقص بأنه تحول الكتلة إلى طاقة الترابط اللازمة في الذرة وذلك عندما صاغ قانونه العام الشامل لجميع الأجسام في الكون من الذرة للمجرة … ألا وهو قانون تكافؤ الكتلة والطاقة الشهير “كما في الصورة”

إعلان

فجر هذا القانون مفاجأة في الوسط العلمي في القرن العشرين فالعلماء طوال السنوات التي سبقت أينشتاين كانوا يتعاملون مع فيزياء الكون على أنها جزأين (عالم الطاقة، وعالم المادة) وأما الآن فإن الطاقة والمادة وجهان لعملة واحدة وهذا بالمناسبة ساعد في تفسير الكثير بشأن الكون وتاريخه ونشأته وطريقة عمله…

إذاً ماذا لو قمنا بتفكيك الذرة؟

بالضبط كما تفكر … ستتحرر الطاقة، وهذه الطاقة في العناصر الثقيلة كاليورانيوم والبلوتونيوم تكون كبيرة بشكل لا يصدق وهذا ما يفسر اعتماد المفاعلات النووية “التي تنتج الطاقة” وأيضًا الأسلحة الذرية المدمرة على هذين العنصرين.

قذف نيوترون على ذرة يورانيوم يتسبب بانشطارها لذرتي باريوم وكريبتون مشعتين وإطلاق طاقة 200 مليون إلكترون فولت

لهذا ولكي تصنع قنبلة نووية عليك أن تشطر الذرة (تفجر نواتها)، وقد ابتكر “إنريكو فيرمي” طريقة لذلك وهي قذف (صدم) الذرة بالنيوترونات (معتدلة الشحنة) مما يؤدي لانشطارها إلى عناصر مشعة جديدة “كما في المثال بالصورة” ويصاحب هذا الانشطار بالطبع انطلاق طاقة عالية جدًا بالإضافة لانطلاق الجسيمات النيوترونية (جسيمات ألفا وبيتا) وأيضًا أشعة غاما وهي أشعة لها تأثير سيئ جدًا ومدمر أحيانًا على الأجهزة الحيوية وعلى خلايا البشر والحيوانات والنبات وتعد أيضًا مسببًا رئيسيًا للسرطانات والتشوهات الجينية بالتأكيد …. كما أن لأشعة غاما مثلًا نفاذية عالية إذ تحتاج لألواح سميكة من المعادن الثقيلة (كالرصاص) لإيقافها.
ليست هذه فحسب خطورة القنبلة النووية، بل إن الجسيمات الصادرة عن الانفجار بسرعة فائقة قد تصطدم صدفة بذرات أخرى فتسبب انشطارها أيضًا وانطلاق الطاقة مجددًا وانطلاق الأشعة والجسيمات والتي بدورها من الممكن أن تصدم نواة ذرة جديدة في سلسلة قد لا تنتهي!!

الطاقة الناتجة

من الصعب على غير المختص في الفيزياء أن يتخيل مثلًا ما معنى مقدار 200 مليون (إلكترون فولت) من الطاقة! هل هذا مقدار كبير أم صغير؟! لذلك لتبسيط فهم هذا علينا أن نعرف ماهي الطاقة؟
الطاقة بشكل عام هي الصورة الثانية للوجود في الكون فالكون كله يتألف من نوعين من الموجودات وهي المادة  والطاقة، فالطاقة هي قدرة الجسم على بذل القدرة ولها العديد من الأشكال …. وقد عرفنا -كما سبق ذكره- أن الطاقة والكتلة يمكنهما التحول بين بعضهما البعض بثابت تناسب هو مربع سرعة الضوء.
تقاس الطاقة بعدة واحدات أبرزها “الجول” و”الإلكترون فولت” ولك أن تتخيل أن:

0.03 الكترون فولت هي طاقة جزئيات الهواء في الدرجة العادية للحرارة (يعني قدرتها على التحريك)

13.6 الكترون فولت هي الطاقة اللازمة لتحرر إلكترون الهيدروجين من مداره

20 ألف إلكترون فولت هي طاقة ارتطام قطرة المطر بالأرض

أما ال 200 مليون إلكترون فولت التي تنتج عن انشطار نواة اليورانيوم فهي تعادل طاقة انفجار 20 ألف فتيل TNT أو تكفي لإنارة مدينة نيويورك لشهر كامل فيما لو حولت لطاقة كهربائية.

الانتشار النووي

منذ العام 1945 وحتى اليوم تطورت الأسلحة النووية بشكل واسع جدًا في أنحاء العالم ولم تعد مقتصرة على هيئة القنابل فقط بل تخطتها إلى الصواريخ والصواريخ البالستية والقذائف النووية والغواصات وغيرها…

ولم يبدُ على العالم القلق من امتلاك الولايات المتحدة لذلك السلاح (الخطير على البشر والبيئة والكوكب بالكامل) إذ سارعت دول أخرى لامتلاكه وتطويره وهي الدول التي باتت تعرف بالدول النووية: روسيا – الصين – بريطانيا – فرنسا.

مع الوقت قامت دول جديدة بتحدي القوى العظمى والقيام بمشاريع نووية جديدة أبرزها: باكستان، الهند، كوريا الشمالية، إسرائيل (غير مصرح رسميًا) …. وفي العالم العربي لم يكتمل مشروع مصري لامتلاك السلاح النووي خلال فترة الصراع مع إسرائيل، وأيضًا أعلنت إسرائيل في 2007 إحباط مشروع مفاعل نووي في سوريا.

في خمسينات القرن الماضي أقرت الأمم المتحدة معاهدة تسمى بـ معاهدة الحد من الانتشار النووي والتي تهدف إلى منع مزيد من الدول من امتلاك السلاح النووي، ومن ثم حظر السلاح النووي في العالم ووقعت 189 دولة حتى الآن عليها من ضمنها دول نووية، إلا أن هذه المعاهدة لا تعتبر قرارًا ملزمًا من مجلس الأمن!

وتعتبر اليوم روسيا أكبر ممتلكي الرؤوس النووية إذ تملك 7300 رأس! تليها الولايات المتحدة التي تملك 6970 رأس ثم بريطانيا ثم فرنسا … وأقلها كوريا الشمالية التي تملك 10 رؤوس فقط.

وقد أجريت عبر التاريخ 2000 تجربة نووية حتى الآن، وأسقطت قنبلتان خلال الحرب، وحدثت كارثتان نوويتان (فوكوشيما الياباني، تشرنوبل الروسي).

بالتأكيد يمكن السيطرة على الانشطارات النووية وتجنب أضرارها وإشعاعاتها واستغلال طاقتها في المفاعلات النووية، لتحويلها لطاقة كهربائية تفوق الطاقة التي ينتجها النفط بمئات المرات، وهو الوجه الجميل للانشطار النووي والذي يخبر البشر أنه لا علاقة له بالشر الذي في نفوسهم فهو ككل شيء سلاح ذو حدين يمكنهم به أن يدمروا أو يشيّدوا حضارتهم.

لا أدري كيف ستكون الحرب العالمية الثالثة … لكنني متأكد أن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة. ألبرت أينشتاين – بعد مشاهدته لمجزرة هيروشيما

المصادر : 1 2 3 4 5 6 7

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: بشار منصور

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.