تأخذك إلى أعماق الفكر
اقتصاد البيئة

اقتصاد البيئة: مقدمة بسيطة

أولًا ما هو اقتصاد البيئة ؟ 

اقتصاد البيئة هو فرع من فروع علم الاقتصاد يدرس تأثير النشاط والسياسات الاقتصادية على البيئة، ويحاول الإجابة عن السؤال: “ما حجم الموارد التي يمكن أن نخصّصها للقضاء على التلوث البيئي أو تخفيضه؟”. عمومًا، لايهتمّ علم الاقتصاد فقط باستخدام مواردنا النادرة، لكن أيضًا بالحفاظ عليها. ومن هنا، يساهم في تحقيق  التوازن بين رغبتنا في مزيد من النمو وضرورة الحفاظ على مواردنا الطبيعية. وبهذه الطريقة، يساعد الاقتصاد في الإبقاء على كوكبنا مكانا صالحًا للعيش فيه.

ثانيًا: ما هي مشكلة اقتصاد البيئة؟ 

المشكلة أن التلوث هذا أمر واقع، ولا مهرب منه لأنه أثر جانبي لوجود الإنسان نفسه، ولا توجد طريقة نستطيع من خلالها التخلص منه كاملاً. وفي الحقيقة أنه لولا هذه الملوثات التي تتخلف عن النشاط الإنساني، ما عرفنا أحوال المجتمعات البشرية السابقة لأننا درسنا ما تركوه من قمامة ومخلفات.
لكنّ هذا لا يعني قبولنا وجود جُزُر كاملة للنفايات تطفو في المحيطات أو سحابات من الدخان الملوث تحلّق فوق المدن الصناعية، أو الكيماويات السامة تجري في أنهارنا.

ثالثًا، ما هي أنواع ملوثات البيئة؟

هناك أنواع كثيرة من الأشياء التي تلوث البيئة. وتجنبًا للتعقيد، سوف نركز على نوع واحد، وهو انبعاثات ثاني أُكسيد الكربون، والذي يمثل أحد الغازات الأساسية التي تسبب ارتفاع درجات الأرض. وتعد مستويات ثاني أُكسيد الكربون في الوقت الحالي الأعلى من ملايين السنين، وهذا الذي دعا كتير من علماء البيئة إلى إعلان الوضع الحالي “حالة طوارئ” على مستوى الأرض بأكملها.

رابعًا: ماهو الحل؟

في البداية، سوف نركز على تخفيض حجم الملوثات الجديدة –أي تلك التي تتصاعد في الوقت الحاضر. ويتمثل الحل البسيط المطروح في إطار اقتصاد البيئة -أو الذي يبدو أنه بسيط- في ثلاث خطوات:
الخطوة (1):  تحديد أكبر مصادر تلوث الهواء، وبالطبع المصدر الرئيسي هو المصانع التي تعتمد على الوقود الأحفوري (البترول، والفحم والغاز الطبيعي) كمصدر للطاقة، والمنتجات المصنّعة منه، وكذلك وسائل النقل التي تعتمد على هذه النوعية من الوقود.
الخطوة (2): تقليل المعروض من التكنولوجيات المستخدمة في هذا المجال ومنتجاتها.
(٣)  تخفيض الطلب عليهما.

إعلان

خامسًا: كيفية تنفيذ هذه الحلول؟

للأسف، تنفيذ سياسات بهذه الأهداف يعد أمرًا بالغ التعقيد.
(أ) على جانب العرض

تعالوا معي ننظر معًا على جانب تخفيض العرض.

ربما يعرف الكثيرون منكم أنّ أكبر المشاكل التي تواجهها الدول التي تحاول تطبيق قواعد بيئية تنظيمية هي ما يعرف بمأساة المشاع tragedy of the commons  أو شيوع ملكية “شيء معين” بين الناس كلّهم، مثل الهواء والمياه. يعني هذا أنه لا أحد بعينه يملك الغلاف الجوي.

مأساة المشاع

الغلاف الجوي ملك لنا جميعًا، ولهذا لا يوجد حافز كبير أمام الدول منفردة للحفاظ على نقاء الجو والتحول نحو تقنيات صديقة للبيئة أو “خضراء” مثلما يقول علماء البيئة، لأنها تفترض أنّ ما تفعله دولة واحدة لن يؤثر على التلوث وعشرات الدول الأخرى تلوث الأرض دون أن تبالي. هذا ناهيك عن ارتفاع تكلفة هذه التكنولوجيات. ولعلّ الكثير منا قد سمع أحد أصدقاءه يقول ساخرًا: “أتظن أنه لو ألقيت علبة البيبسي الفارغة في الشارع أو لم ألقها ستصنع فارقًا”.

وللأسف، لا يوجد لدى العالم بوليس بيئي عالمي يعاقب الدول التي تلوث الهواء، فضلًا عن حيرتنا في قياس التلوث على أساس الفرد أو على أساس الدولة.

على سبيل المثال، تجد دولة مثل “الترينداد و توباجو”، على الرغم من كبر حجم الناتج من المواد الكربونية (الملوثات) لكل فرد كبير جدًا، فإن صغر عدد سكانها يجعل من نسبة مساهمتها في انبعثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم صغيرة جدًا.

(ب) على جانب الطلب

نذهب الآن للنظر في المشكلة على جانب الطلب والذي ندعو الله أن يكون أسهل قليلًا، ونحاول تخفيض الطلب على الوقود الأحفوري. وبالطبع هذا أمر عسير، لأنّ أيّ نوع جديد من الطاقة النظيفة يواجه صعوبة كبيرة في التغلب على منافسة مثيلتها التي تعتمد على المصادر الأحفورية، والتي أصبحت تكلفة إنتاجها رخيص جدًا. 

سادسًا، ماذا نفعل؟ 

إما أن ننتظر بصبر أيوب حتى تنخفض أسعار التقنيات الجديدة لتوليد الطاقة النظيفة، أو نسرّع من هذه العملية بأنفسنا من خلال التحكم في السوق، وهذا من خلال توفير الدعم للطاقة البديلة أو تخفيض الضرائب عليها أو زيادتها على استخدامات الطاقة التقليدية، أو فرض اللوائح و القوانين.
وجدير بالإشارة هنا أنّ هناك أمرًا يسميه علماء اقتصاد البيئة الآثار الخارجية externalitiies أو الآثار الجانبية، ومعناها النتائج غير المقصودة المترتبة على أيّ نشاط أو منتج اقتصادي ولا يتم احتسابها ضمن التكلفة النهائية للمنتج زي تلوث الهواء أو المياه. وآليات السوق وحدها عاجزة عن تحميل الشركات ثمن الضرر الذي تسببه للبيئة ضمن تكاليف إنتاجها. ويسمى هذا بدوره فشل السوق market failure، أي عجز قوى العرض والطلب عن تحقيق التخصيص الأمثل للموارد. ونتيجة لفشل آليات السوق، فإن الشركات (المُلوثِة) تحقق مكاسب كبيرة على حساب مصلحة الناس، والمستهلك يشتري بِنَهَم لانخفاض سعر السلعة.

 

سابعًا، هل نطالب الحكومة بالتدخل؟


يعتقد الكتير من الاقتصاديين أنّ التدخل الحكومي أمر ضروري. وهناك وسائل عديدة التدخل –جميعها تشجع المنتجين والمستهلكين على تخفيض التلوث:

١-  الحكومة مثلاً، يمكن أن تقوم بوضع قوانين تحدّد نسب التلوث المسموح بيها في الصناعة. ويعني هذا يا صديقي، “دعك من حكاية آليات السوق وأطع تعليمات الحكومة، والتزم بالقانون.
٢- يمكن للحكومة أيضًا أن تقدّم حوافز أو مثبطات تتحكم في سلوك المستهلك، مثل فرض مزيد من الضرائب على استخدام البنزين، أو تشجع استخدام وسائل النقل المعتمدة على الكهرباء مثلاً كمترو الانفاق في مصر وذلك بتخفيض تذاكره وتحسين خدمته.
٣- وهناك طريقة لا تتدخل بها الحكومات بشكل مباشر طبّقتها الصين، واسمها أسواق التصاريح permit market، وهي سوق للتجارة في الحصص المسموح بها للانبعاثات المسببة لتلوث البيئة. وتقوم الدولة بإصدارتصاريح للمصانع (في حدود الانبعاثات المسموحة)، تباع وتشترى في السوق. ويمكن للشركات أن تشتري أكثر لو زادت ملوثاتها، والشركة التي تستطيع أن تخفض من حجم ملوثاتها يمكنها بيع تصاريحها. وهكذا تنشأ سوق نشطة جدًا في التصريحات، فمن صالح المصنع الملوث أن يخفّض من مقدار مخلفاته (نسبة انبعاث الغازات الملوثة) لأجل أن يستفيد من بيعه للتصاريح. ويرى أنصار هذا الأسلوب أنه قد نجح فعلًا في تخفيض مستوى انبعاث الملوثات، من غير سن قوانين متشددة تعوق النمو الاقتصادي.
٤- يمكن للحكومة أيضًا أن تدعم إنشاء وتطوير تقنيات توليد الطاقات المتجددة الجديدة مثل الطاقة الشمسة وطاقة الرياح حتى تتغلب على قوة المنافسة من جانب المصادر التقليدية للطاقة غير المتجددة.

لكن دعوني أصدقكم القول أولاً، نحن لا نمتلك رفاهية الوقت لانتظار انخفاض أسعار التكنولوجيات النظيفة، ولا نضمن أيضًا قيام الحكومات باختيار أفضل هذه التكنولوجيات كفاءة وأرخصها تكلفة، خاصة مع ارتفاع حجم الفساد، وضعف كفاءة العاملين بالحكومة.

 

ثامنًا. هل نرفع كفاءة استخدامنا للطاقة الأحفورية أفضل؟


ربما يكون الحلّ ليس في التخلص من الوقود الأحفوري، لكنه في الاستخدام الكفء والرشيد له، بمعنى تحسين كفاءة الأجهزة والسيارات والمصانع، وأيّ شيء اخر بحيث يستهلكون وقودًا أقل، مما يترتب عليه فعلاً انخفاض في مستوى التلوث.

وللأسف، هناك سلبيات في هذا الأسلوب، فهناك بعض الاقتصاديون المعنيون بالطاقة يقولون أنّ المكاسب المتوقعة من التكنولوجيات التي توفر في استخدام الطاقة تقريبًا سوف نخسرها نتيجة ما يعرف بالأثر الارتدادي  rebound effect.
أرجوكم، لا تخافوا من المصطلحات الكبيرة التي يستخدمها علم اقتصاد البيئة، لأنه كبقية العلوم يحب مزاج أصحابه أن يتكلموا لغة خاصّة تحدد المفاهيم التي يريدونها بشكل محدد.

إذًا، ماذا يعني “الأثر الارتدادي”؟

 دعونا نفترض أنّ “عبده” مثلًا يستخدم 20 لتر بنزين يوميًا. ولأنه يحب كوكبنا، اشترى سيارة جديدة توفر في استهلاك البنزين للنصف تقريبًا؛ يعني 10 لتر بنزين يوميًا لنفس المسافات. الآن يستطيع عبده أن يوفر نقودًا كان يدفعها ثمنًا لعشرين لتر بنزين، وأيضًا مع قليل من التلوث. وهذا موقف الكل رابح فيه win- win situation: عبده والحكومة وكوكب الأرض. وللأسف هذا لن يحدث لأنه هنا يظهر الأثر الارتدادي، والذي يعني أنّ المكاسب التي تتحقق من تحسين كفاءة استخدام الطاقة سوف تضيع لأنّ عبده في أغلب الأحوال سوف يزيد من استخدامه للسيارة عن مستوى مشاويره المعتادة، ويذهب مثلاً إلى “العين السخنة” مرتين في الشهر بدلاً من واحدة كعادته في السابق، وهو يحدّث نفسه أنه بهذا يستفيد من “التوفير.

ما هي عواقب الأثر الارتدادي؟ 

النتيجة الفعلية لهذا هي زيادة الاستخدام ومن ثم الانبعاثات الملوثة. وهذا أيضًا يمكن أن يشجع كثيرًا من الناس على شراء سيارات موفرة للطاقة، ومحصلته في النهاية زيادة الاستهلاك والتلوث. ومع هذا فإن إمكانية حدوث ما يسمى بالأثر الارتدادي لا تعني على الإطلاق عدم الاستثمار في التقنيات الموفرة للطاقة، ولكن علينا أن نضع في حسابنا كيف سيتصرف المستهلكون. ويستدعي هذا ضرورة أن يشارك المتخصصون في علم الاقتصاد السلوكي، بالإضافة إلى علماء اقتصاد البيئة، في إعداد السياسات البيئية لأن أدوات هذا العلم تساعد في تحليل الحوافز وآثارها واختيار الأفضل.

الخلاصة

تخفيض التلوث البيئي موضوع هامّ وحيوي وفي نفس الوقت صعب الحل. ووفقًا لعلماء اقتصاد البيئة، فإنّ علاج المشكلة هذه لا تقع على عاتق الحكومة بمفردها، ولكنها مسؤولية الأفراد وعلى الجميع تغيير سلوكه حتى يصبح الاستهلاك الكفء والحفاظ على مواردنا الطبيعية جزء من سلوكنا. ومثلما قال ستيفن سميث في كتابه “الاقتصاد البيئي”: “إذا كانت حماية البيئة مكلفة، فكم ينبغي أن ننفق على مكافحة التلوث؟ وهل الأمر يستحق القضاء على التلوث تمامًا، أم أن علينا تقبُّل درجة معينة منه بسبب المنافع الاقتصادية المرتبطة به؟”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...