تأخذك إلى أعماق الفكر

أندريه كانت سبونفيل: نيتشه مُحَطِّم الأصنام

في هذا الحوار الشيق يُطلعنا الفيلسوف الفرنسي أندريه كانت سبونفيل، صاحب كتاب “لماذا لست نيتشاويًا؟” بمعية زميله لوك فيري وفلاسفة آخرين، على نقاط اتفاقه واختلافه مع نيتشه، وهي كانت مناسبة أيضًا ليشرح لنا سبب تصنيفه لصاحب المطرقة كأعظم سفسطائي عرفته الأزمنة الحديثة.

مجلة لوفيغارو: نَعْلَمُ انتقادكم لنيتشه، لكن بلا شك (حتى نبدأ) هناك نقاط اتفاق؟

أندريه كانت سبونفيل: نقاط اتفاقي مع نيتشه هي أكثر بكثير من نقاط اختلافي معه! أشاركه رفض مُعظم الأمور التي يرفضها: رفض التعالي والمثالية طبعًا، لكن أيضًا الإيجابية والعدمية والتخاذل…، أُقِرُّ انتقاده للإرادة الحرة كما انتقاده -الذي هو مُترتب عن هذا الانتقاد الأخير- لكل أخلاق تدعي أنها مُطلقة، أجد نفسي في مُطالبته بفلسفة تُساعدُ على العيش، وليس فقط على التفكير، وتقود إلى أخلاقيات “مأساوية” و”إثباتية” و”إبداعية”، دون عالم آخر غير هذا العالم، ودون مكافأة أخرى غيرها هي نفسها، أُحاول مثله، وأحيانًا معه، التفكير ضد الذات، وفضح أوهامها.

غالبًا ما نتقاسم نفس الإعجابات (مونتين، اسبينوزا، باسكال)، كما نفس الخصوم (أفلاطون، ديكارت، كانط)، ناهيك أَنِّي، مثل نيتشه (على كل حال نيتشه النهاية)، أكره فاغنر والفاغنريِّين، ولم أعرف ما هو أكثر جمالًا من ” عبقرية موزارت المَرِحة، المُتحمسة، الرقيقة والمُحبة” (نيتشه ضد فاغنر).

مجلة لوفيغارو: في ما قام بقَلْبِ العالم؟

أندريه كانت سبونفيل: لم يسبق لأي فيلسوف أن قام بقلب العالم، فكما قال هيجل “بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، فلأن العالم قد انقلب مُسبقًا، يُصبح ظهور فلسفة جديدة أمرًا مُمكنًا، لكن الانقلاب، والحالة هذه، يظل كبيرًا. نيتشه ينتمي، بجانب فرويد وماركس، إلى زُمرة المفكرين الذين كان يدعوهم بول ريكور بـ”مُعلمي الارتياب”، نيتشه يُعلمنا مُساءلة ما كان يبدو حتى تلك اللحظة (حتى وإن كانت هناك استثناءات: مونتين، سبينوزا، هيوم) على أنه أساس الفكر ذاته: الذات، الوعي، العقل، الخير والشر، الصواب والخطأ…

نيتشه يقوم بتحطيم الأصنام، فهو يُعلمنا -هذا أساس ما يدعوه بـ”الجينالوجيا”- أن نرى فيها مُجرد أعراض، مصدرها الفِسْيُولُوجِيّ أو الوجداني هو من يُحدد قيمتها، وهو يُعلمنا أيضًا أن التأويل يطغى على المعرفة، والمعنى على الحقيقة.

إعلان

مجلة لوفيغارو: اشرحوا لنا المعنى العميق لعبارة “مات الإله”.

أندريه كانت سبونفيل : التعبير طبعًا ليس للأخذ به حرفيًا، نيتشه يعرف جيدًا أن الإله إذا كان موجودًا فهو بالتعريف خالد، وإذا كان غير موجود فكيف له أن يموت؟ الحديث عن موت الإله لا يعني كذلك أن الإيمان به قد أصبح مستحيلًا؛ المؤمنون في زمن نيتشه كانوا أغلبية بشكل واسع، ويظلون اليوم أكثر عددًا من الملحدين، في المقابل إذا كان بمقدورنا دائمًا كأفراد أن نؤمن بالإله، فكمجتمع لم يعد بإمكاننا الاتحاد فيه؛ مُجتمعنا لم يعد قادرًا على تأسيس تلاحمه على الإيمان الديني ولا إيجاد فيه ما به يُغذي حضارةً.

من هنا، انتصار النزعة العدمية، الذي تَمَّ على مرحلتين: بعد تركيز كل القيم في الإله (الأمر الذي يُبُخِّسُ العالم الواقعي خاصة: عدمية مثالية أو دينية)، لم يَعُد هناك حين انسحب هذا الأخير إلا هذا العالم المُبَخَّس والفارغ والعبثي (عدمية مُضاعفة: موت الإله وانحطاط “القيم العليا”). الدين والعدمية وجهان لعملة واحدة، إنهما طريقتان من أجل قول “لا” للواقع، نيتشه -فيما يخصه- يُعَلِّمُنَا كيف نقول “نعم”!

مجلة لوفيغارو: “ليست الإرادة إِمِكَانًا فحسب؛ إنها فضيلة أيضًا”، هذا ما كتبتموه في “مُعجمكم الفلسفي”، ماذا عن إرادة القوة؟

أندريه كانت سبونفيل: إنه مفهوم أساسي للنيتشاوية، إرادة القوة هي جوهر الحياة نفسها، التي تميل نحو النمو والسيطرة عوض الاحتفاظ أو “الاستمرار في وجودها” (كما هو الحال عند كل من اسبينوزا وشوبنهاور)، تَعَوَّدْنَا مع جيل دولوز على الاعتقاد بأن إرادة القوة عند نيتشه لا تتجلى في الأخذ بل في الخلق أو العطاء، بأن القوة ليست ما تبتغيه الإرادة وإنما ما تبتغيه بداخلها (نيتشه والفلسفة، III، 6). في جزء منها بلا شك.

غير أن نصوص نيتشه تمنع من اختزال إرادة القوة في هذا البُعد وحده، مثلًا في “ما وراء الخير والشر”: “إن الحياة هي جوهريًا استيلاء وانتهاك وغلب للغريب والضعيف وقمع وقسوة وفرض للأشكال الخاصة واستيعاب، بل هي على الأقل، في أرحم الحالات، استغلال” (259). يتعلق الأمر بالنظير العملي للكوناتوس السبينوزي (مجهود كل كائن من أجل الاستمرار في وجوده)، غير أنه يضع الإرادة فوق العقل والقوة فوق الحياة، وبالتالي إرادة القوة فوق الحكمة. سبينوزا، بخصوص هذه النقاط الثلاث، ينحى منحىً مُعاكسًا تمامًا.

مجلة لوفيغارو: ما صحة الالتباس مع النازية؟ هل فعلًا تم التلاعب بفكر نيتشه؟

أندريه كانت سبونفيل: بالطبع تم التلاعب به، خاصةً من طرف أخته! غير أن الالتباس كان جزئيًا فقط. هل كان نيتشه نازيًا؟ بالتأكيد لا، والسبب أنه قد مات سنة 1900 بعد عدة سنوات من الخَرَف: كان عمر هتلر حينها هو إحدى عشرة سنة! يبقى شرح السبب الذي جعل النازيين يَتَعَرَّفُون في نيتشه على نوع من المُبَشِّرين. أغلب النيتشاويين، خاصة في فرنسا، يرغبون في جعلنا نعتقد بأن الأمر يتعلق بسوء فهم تام، ليس الأمر بهذه السهولة، انظر مثلًا إلى هذا المقطع من “عدو المسيح” (2): “الضعفاء والفاشلون يجب أن يهلكوا: تلك هي القاعدة الأساسية في حبنا للإنسان، وفوق ذلك يجب أن تُقدم لهم المساعدة لكي يهلكوا”.

أو هذا المقطع من نفس الكتاب: “لن نرتضي رفقة ‘المسيحيين الأوائل’ مثلما لسنا نختار أن نُرافق اليهود البولنديين، ليس حتى ضروريًا إشهار الحجة لمعارضتهم، فكل منهما يزفر رائحة كريهة”، وماذا عن مدح “الدابة الشقراء المتعطشة للغنيمة والانتصار” في “جينالوجيا الأخلاق” (الكتاب الأول، 11)؟

ذلك لم يمنع نيتشه من كره معاديي السامية، مثل ما كان مُحتملا كُرْهُهُ للنازيين، لكنه كان يكره أيضًا الديمقراطيين والاشتراكيين والنِّسويين والتقدميين… آخر مقولة هذه المرة مستقاة من “هكذا تكلم زرادشت”، الكتاب الرابع: “وكل ما كان من طبع الإناث، وكل ما هو منحدر من نوع العبيد المسخرين ومن خليط الرعاع خاصة يريد الآن أن يتولى مصير الإنسانية بكليتها، يا للقرف! يا للقرف! يا للقرف!” باختصار نيتشه لم يكن نازيًا، لكن ليس من قبيل الصدفة أن يَتَعَرَّف النازيون على أنفسهم في مذهبه، طالما عَبَّرَ يانكلفيتش علنًا عن غضبه قائلًا أن النازية “تحمل بشكل واضح جدًا بصمة نيتشه”، من الصعب تَخْطيئُهُ تمامًا.

مجلة لوفيغارو: هل كانت لنيتشه محاولات تَنْسِيبِيَّةَ؟

أندريه كانت سبونفيل: أكثر بكثير من مجرد محاولات! وهذا بالمناسبة ما يُّشكل في نظري جزءًا من عظمته الفريدة؛ نيتشه، بجانب سبينوزا، هو واحد من أعظم ناسفي ما يمكن أن ندعوه بالإطلاقية الأخلاقية، التي تريد إيهامنا بوجود قيم مُطلقة وأبدية وكونية، كما نلاحظ ذلك عند أفلاطون أو -وإن بمعنى آخر- عند كانط، لا أُصدق أيَّا من ذلك، وهنا تكمن واحدة من نقاط اتفاقي مع نيتشه؛ لا وجود لقيمٍ في ذاتها: لا يمكن فصل أي قيمة عن الرغبة التي تضعها نصب عَيْنَيهَا.

“التقييم هو الإبداع: اسمعوا هذا أُيها المبدعون! لتقييم ذاته هو الذي يجعل من كل الأشياء المُقَيَّمَةَ كنوزًا ومجوهرات”، هذا ما كتبه نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” ( الكتاب الأول، عن ألف هدف وهدف). أتفق معه، لا وجود لخير أو شر في ذاته، لا وجود سوى لجيد أو سيّء بالنسبة لنا، هذا ليس سببًا للخلط بين التنسيب والعدمية! “، ما وراء الخير والشر… ذلك لا يعني ما وراء الجيد والسيّء” (جينالوجيا الأخلاق، الكتاب الأول، 17)، هاهنا مكمن تقاربه الكبير مع اسبينوزا.

مجلة لوفيغارو: ما هي إذن نقاط اختلافكم مع نيتشه؟

أندريه كانت سبونفيل: لا تتعلق سوى بثلاث نقاط، لكنها حاسمة: لا عقلانيته ولا أخلاقيته وفلسفته الجمالية (استطيقته)، خطأ نيتشه في اعتقادي يكمن في كونه وَسَّعَ من نطاق التَنْسِيب، لا لِيَشْمَلَ القِيَمَ وحدها، كما كان يفعل سبينوزا، ولكن لِيَعُمَّ الحقيقة نفسها، التي لم تعد تُشكل بالنسبة له سوى قِيمَة مثل أي قيمة أخرى، هذا الأمر يحكم على الفِكر بالسفسطائية، في ظل عدم وجود حقيقة، وإذا كان “كل شيء خاطئًا”، كما كتب نيتشه، يُمكن أن نفكر في أي شيء، في ما هو صالح جدًا وما هو طالح جدًا! لِنَقُل أَنِّي اخترت بالأحرى سبينوزا وليس نيتشه: القيمة تحتاج إلينا حتى تسوى، لكن ليس الحقيقة حتى  تَصِح.

قُمت بنفس الاختيار في ما يخص الأخلاق، نيتشه يَدَّعِي أنه قلب قِيمَ الأخلاق اليهودية-المسيحية، في حين أُحاول، مثل سبينوزا، أن أظل وفيًا لها، ليس لأنها قد تكون مُطلقة ولكن لأنها تتماشى وتَوْقَنَا إلى الإنسانية والعدالة والحب، أخيرًا، نقطة الاختلاف الثالثة، استطيقته؛ إذا كُنَّا نُريد العيش ما وراء الخير والشر (اللاأخلاقية) وما وراء الخطأ والصواب (السفسطائية) فلن يبقى أمامنا سوى الفن من أجل الإفلات من العدمية، لكنه فَن ينذره نيتشه للوهم “الفن في خدمة الوهم، هذه هي عقيدتنا !”، هُنا أيضًا لا أُصَدِّقُ أيًّا من ذلك، أَحب أن يضع الفن نفسه في خدمة الحقيقة، عوض “الكذبة الجميلة”، أن يجعل المرء من حياته عملًا فنيًا؟ معناه أن يُسيء فهم الفن ويكذب على الحياة.

مجلة لوفيغارو: ما الذي تبقّى من نيتشه بعد أزيد من قرن تقريبًا على وفاته؟

أندريه كانت سبونفيل: أولًا صدمة وعاطفة وإعجاب! من المستحيل أن يتصفح المرء كتابًا لنيتشه دون أن يُسلب ويُرَج ويُؤخذ، إنه الفيلسوف الوحيد الذي يُمكن، من وجهة النظر هذه، مُقارنته بباسكال الذي كان يُحبه كثيرًا، أَيَّةُ قوة! أَيُّ أسلوب! أَيُّ عمق! نيتشه ساهم أكثر من أي مُفكر آخر منذ مونتين في مصالحة الفلسفة مع الأدب، مهما شكرناه فلن نوفيه أبدًا حقه. أُفَضِّلُ “العلم المرح” على “هكذا تكلم زرادشت”، لكن في النهاية من الواضح أنهما تُحفتان هائلتان، لا نَمَلُّ من الرجوع إليهما، مواضيع الإنسان الأعلى أو العود الأبدي دائمًا ما تركتني متحفظًا، وعلى كل حال فأغلب النيتشاويين اليوم يميلون إلى النظر إليها كمجرد استعارات أو اختبارات للفكر.

ومع ذلك فهذا الأمر لا ينقص من قوتها النقدية أو الانتقائية، ثم هناك تفكيك العوالم الخلفية والأفكار “الانفعالية” وتحليل الحقد والعدمية وتصور مأساوي للوجود ونَقْدٌ (أحيانًا لاذع، لكنه صحي وتوكيدي) للمُضاربة والأنساق ولكل فكر يُمكن أن يُرَوِّجَ للمثل الزهدي أو المُميت، أخيرًا وربما على وجه التحديد، بعض القلق بشأن بداهاتنا الأكثر أُلفة: الشفافيات المزعومة للذات والوعي والإرادة الحرة والأخلاق…

لا أحد مُجبر أن يكون نيتشاويًا، وأنا لست كذلك بالتأكيد، لكن من الصعب اليوم ممارسة الفلسفة بشكل صحيح دون مُجابهة فِكْرِ نيتشه، نيتشه في اعتقادي هو أعظم سفسطائي عرفته الأزمنة الحديثة، على غرار بروتاغوراس بالنسبة للعصور القديمة، ليس في الأمر أيَّةُ إدانة، دائمًا ما احتاجت الفلسفة إلى السفسطائيين من أجل امتحانها.

مجلة لوفيغارو: هل هناك مبدأ أو عدة مبادئ نيتشاوية تقوم بتبنيها؟

أندريه كانت سبونفيل: هناك العديد منها، أشرت إليها بشكل عابر: المأساوي، التنسيب، المُحايثة، رفض العدمية، نقد الحقد، السعي نحو فكر إثباتي وتوكيدي… غير أنِّي أملك مودة خاصة تجاه هذه الشذرات الثلاث من كتاب “العلم المرح”، على شكل حوار أو سؤال-جواب:
“-من الذي تعتبره سيئًا؟
الذي يريد دائمًا أن يُخجل الآخرين.

-ما الأكثر إنسانية في نظرك؟
أن تُوفر الخجل على أحدهم.

-ما هي بصمة الحرية المُكتسبة؟
ألاَّ تخجل من نفسك أبدًا.”

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: يوسف اسحيردة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.