تأخذك إلى أعماق الفكر

أنتيجون: تراجيديا إغريقية في زمن السوشيال ميديا

تزايدت في الآونة الأخيرة وبدايًة من العقد الثاني للألفية الجديدة أهمية وسائل التواصل الاجتماعيالسوشيال ميديا”، لتصبح في مقدمة اهتمامات أغلب سكان العالم، وتصبح من الخطورة بمكان، كما وصفها عالم الاجتماع البولندي الشهير “زيجمونت باومان” في كتابه الشائق “المراقبة السائلة” بأنها “سكين يمكن استخدامه في قطع الخبز أو في قطع الرقاب”.
السوشيال ميديا” كانت بداية طرف الخيط الذي التقطته المخرجة الكندية “صوفي ديراسب” وحاكت منه أيقونة بديعة الجمال في فيلمها الأخير Antigoneأنتيجون” المقتبس عن مسرحية “سوفوكليس” الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته.

كان الملهم الأساسي للمخرجة في اقتباس المسرحية؛ حادثة مقتل مهاجر هندوراسي يدعى “فريدي فيلانوفا” على يد الشرطة المحلية في أغسطس من العام 2008م، وتبع ذلك تبرئة الشرطيين اللذين ارتكبا جريمة القتل، مما أدى إلى احتجاجات واسعة في مقاطعة “كييبك “ الكندية، وحملات موسعة تطالب بحق المهاجر القتيل في قصاص عادل، وأثناء ذلك شاهدت “ديراسب” أخت القتيل تتحدث في وسائل الإعلام عن قضية أخيها، فتولّدت في رأسها فكرة السيناريو الذي شرعت في كتابته بعد ذلك بفترة ليست بالقصيرة حتى استطاعت توفير التمويل اللازم للبدء في مشروع فيلمها.

الفيلم إنتاج كندي ومن إخراج وكتابة صوفي ديراسب والتي قامت يتصويره أيضاً، وكان عرضه الأول ضمن فعاليات مهرجان تورنتو 2019م ونال الفيلم استحسان الجماهير والنقاد في عرضه الأول، واستحق أن ينال جائزة أحسن فيلم كندي في تلك الدورة من المهرجان، كما اقتنص الفيلم خمس جوائز من “جوائز الشاشة الكندية” كان أبرزها جوائز أحسن فيلم وأحسن سيناريو مقتبس وأحسن ممثلة لبطلة الفيلم الصاعدة بقوة “نعيمة ريتشي” والتي تم اختيارها لدور أنتيجون بعد سلسلة من تجارب أداء كان قد تقدم لها مايقارب الـ 850 فتاة، كذلك تم اختيار الفيلم ليكون المرشح الرسمي لكندا في جائزة الأكاديمية الأمريكية “الأوسكار” لأحسن فيلم ناطق بلغة أجنبية في دورتها الثانية والتسعين، لكنّه لم يصل للتصفيات النهائية للجائزة.

يحكي الفيلم عن أسرة من المهاجرين من أصول جزائرية وتعيش في إقليم “كييبك” الكندي، تتكون الأسرة من الجدة وأربعة أحفاد؛ أنتيجون (نعيمة ريتشي) وإسماين (نور بلخيرية) وإيتوكليس (حكيم براهيمي) وبولونيس (رواد الزين)، كانت الأسرة قد هاجرت إلى كندا مع الجدة عقب مقتل الأب والأم على يد الأصوليين المتشددين وذلك في الفترة الدامية التي شهدتها الجزائر في فترة التسعينيات من القرن العشرين.

تحيا الأسرة حياة هادئة حتى تتصاعد الأحداث عندما يُقتل “إيتوكليس” على يد الشرطة المحلية نتيجة اعتراضه على اعتقالهم لأخيه الأصغر “بولونيس” بسبب خرقه شروط المراقبة؛ حيث له سجل إجرامي سابق، تقوم الدنيا ولا تقعد وتضج وسائل التواصل الاجتماعي بالاعتراضات المنددة لحادثة القتل بعد عرض فيديو يوثق اعتداء الشرطة على الأخوين، ويصل الأمر إلى حدوث احتجاجات واسعة في شوارع مونتريال، ويتم تقديم “بولونيس” للمحاكمة بتهمة إهانة رجال الشرطة، تدرك وقتها أنتيجون أن عاقبة الأمر هي ترحيل أخيها لبلدهم الأم نظراً لأنهم لا يتمتعون بالجنسية الكندية، هم فقط يحملون إقامة دائمة تكفل لهم حق العمل والدراسة.

إعلان

تقرر أنتيجون أن تتبادل الأماكن مع أخيها السجين، فتقص شعرها على طريقة الرجال في مشهد مؤثر يذكرنا بتحفة “تيودور دراير” الخالدة “آلام جان دارك” وتوشم ذراعيها وتضع عدسات تغير لون عينيها حتى تصير أقرب شبهاً لأخيها، وفي إحدى الزيارات للسجن تبدل ملابسها معه وتدخل السجن مكانه بينما يهرب هو للخارج، ويتم اكتشاف الأمر بعد ذلك وتُقدم للمحاكمة بتهمة كسر القانون وتهريب أخيها من محبسه، وهنا تبرز مرة أخرى قوة “السوشيال ميديا”، فزميلها في الدراسة “هيمون” يقود حملة لتبرئة أنتيجون والدفاع عنها، وفي إحدى جلسات المحاكمة وفي معرض دفاعها عن نفسها تنطق أنتيجون بالكلمات التي تصبح رمزاً ثورياً يتم نقشه على الحيطان تحت صورتها المرسومة بالأحمر على طريقة “الجرافيتي”:

                   “قلبي يحدثني…”.

بعد ذلك وعقب إيداعها إحدى دور الرعاية لأنها مازالت قاصر، يتم القبض على أخيها، وتقوم المحاكمة بمساومتها فإما أن تسجن هي أو يسجن أخيها وتحصل هي على الجنسية الكندية، يحاول “كريستيان” والد زميلها “هيمون” حل الأمر عن طريق كفالتها وتوفير الرعاية لها لضمان إكمالها الدراسة، لكنها تقرر أن تكون برفقة أخيها وجدتها في رحلتهم إلى البلد الأم، على عكس الأخت الأخرى التي تقرر البقاء بكندا وممارسة حياتها الطبيعية متناسية ماضي أسرتها المرير، وتختتم “ديراسب” الفيلم بمشهد رائع؛ حين تكون الأسرة في طريقها للطائرة مكبلين بالحديد ويخيّل لـ أنتيجون أنها ترى نفسها طفلة صغيرة مع أسرتها عند وصولهم لكندا أول مرة، وهنا يدق جرس هاتف جوال بنفس النغمة التي يستخدمها زملائها أثناء المحاكمة اعتراضاً على سجن أنتيجون، فتنظر أنتيجون ناحية الكاميرا في نهاية مفتوحة تحمل جميع الاحتمالات.

 

“إعادة صياغة ذكية ومؤثرة لمأساة سوفوكليس”.

  جيسيكا كيانج “فانيتي”

   استطاعت “ديراسب” محاكاة تراجيديا سوفوكليس ببراعة فائقة، سواء أكان على مستوى النص المحمّل بدلالات واضحة تحيلنا للأسطورة الإغريقية، أم على المستوى البصري للفيلم، فبداية من استخدامها للأسماء نفسها التي وردت في مسرحية سوفوكليس والتي قد تبدو غريبة بعض الشيء، لكون من يحمل تلك الأسماء أشخاص من ثقافة أُخرى مختلفة زمانيًا ومكانيًا عن زمن حكاية أنتيجون، فقد اختارت المخرجة أن يحمل أبطالها نفس الأسماء دون تغيير، ذات الأسماء الإغريقية في بلد آخر وزمن آخر.

محاكاة “ديراسب” للنص جاءت فضفاضة وتسمح طوال الوقت بالتأويل، فلم يكن هناك التزام تامّ بالنّص الأصليّ، فقد أعطت لنفسها مساحًة حرَّة في الكتابة تستطيع من خلالها أن ترسم حدود مأساتها الخاصة، واستخدمت كل ما هو متاح من الدلالات التي تشير بها للأسطورة دون أي خلل يضرُّ بنيةَ نصها المعاصر، فمثلاً في مشهد تخيل أنتيجون للقائها بالمعالجة النفسية الكفيفة أثناء فترة الحبس في دار الرعاية، إشارة واضحة لشخصية الحكيم “تيرياس” في نص المسرحية الأصلي، أو مثال استخدامها لملصق دعائي لعرض مسرحي لرائعة سوفوكليس “أوديب ملكاً” التي كانت بداية لمأساة أنتيجون وأخوتها، ظهر الملصق واضحاً على الحافلة التي أقلت “بولونيس” عقب هروبه من السجن، فهنا كان “أوديب” أصل الورطة الانسانية لأطفاله الأربعة وكان هو المهرب أيضاً.

 

ملصق دعائي لمسرحية “أوديب ملكاً” على جانب الحافلة.

خلقت كذلك المخرجة حالة مختلفة قليلاً عن المعضلة الأصلية لمسرحية سوفوكليس والتي تناولت تضحية “أنتيجون” من أجل أخيها المُتوفّى، حين أرادت دفنه بصورة لائقة، ووقوفها في وجه حاكم طيبة “كريون” حين رفض دفن أخيها فحُكم عليها بالموت جرّاء عدم امتثالها لذلك الأمر، هنا في فيلم “ديراسب” كانت التضحية حاضرة أيضًا ولكن لم تكن المواجهة بين أنتيجون وحاكم المدينة ولكن كانت بينها وبين قانون جائر، أو بالأحرى بينها وبين الدّولة التي يمثلها القانون، وهنا يمكن أن ندرك ببساطة أن المعالجة العمياء في الفيلم لم تكن إلّا اسقاطًا قُصِد به العدالة الغائبة.

أنتيجون ضد الدولة:     

اختارت “ديراسب” أن ينصبّ تركيزها على مشكلة من إحدى المشاكل العويصة التّي تؤرّق أغلب الدول الكبرى، وهي مشكلة المهاجرين ومسألة انصهارهم داخل مجتمعهم الجديد، فقد ظلّت تلك المشكلة كابوسًا يواجه هذه الدول ومنها كندا بالطبع، تلك المشكلة أبرزتها المخرجة بشكل قد يبدو أكثر تعاطفًا مع المهاجرين وقضيتهم، فتلك العائلة الهاربة من واقع دمويّ في بلدها الأم لسلسلة من الإجراءات البيروقراطية للحصول على جنسية الدولة المضيفة والتي لم يوفّقوا في الحصول عليها، واتّضح أن واقعهم الجديد لم يكن أكثر رحمًة بهم من ماضيهم الأليم.

إنّ الرّابط الواضح بين النص الأصلي والمقتبس، هو تحديّ البطلة لسلطة الحاكم أو سلطة القانون، فأنتيجون في كلا العملين كانت على علم بعواقب التّمرّد والخروج على النظام، وأن العقوبة آتية لا محالة سواء أكان الموت في نص سوفوكليس أم السجن في فيلم “ديراسب”، لكن ما يبدو فارقاً في الفيلم هو استخدامه لمعطيات زمنه، فظهرت في الفيلم عناصر محدثة لم تكن بالطبع موجودة في زمن الإغريق، مثل مواقع التواصل الاجتماعي والوقفات الاحتجاجية ورسوم الجرافيتي، وكل الطرق التي سلكها المحتجون في دفاعهم عن أنتيجون، تلك الفتاة الصغيرة التي اختارت بقلبها أن تقف في جوار أخيها وتخوض المغامرة على  الرغم من علمها المسبق بأنه من الممكن فقدان كل شيء نتيجة لذلك الفعل.

عناصر الفيلم الفنية

تمكّنت السيناريست الكندية من تقديم فيلم يحتوي العديد من العناصر الفنية المميزة، كالسيناريو المحكم والذي اختلف كثيراً عن الأفلام التي اعتمدت في حبكتها على الميثولوجيا اليونانية القديمة والتي تَصادَف عرضها في نفس العام مع “أنتيجون”، أفلام مثل “بورتريه لسيدة تحترق” و”الحياة الخفية لأوريديس جوزماو” تميز عنها سيناريو “أنتيجون” من حيث أنه وازن ما بين النص الأصلي والروح المعاصرة التي أرادت المخرجة إيصال فكرتها عن طريقها.

هناك عناصر أخرى كانت واضحة وبارزة في الفيلم مثل الأداء المتقن من جانب بطلة العمل “نعيمة ريتشي” والتي استطاعت أن تخطف الأنظار بأداء استثنائي رفعَ كثيرًا من قيمة الفيلم الفنية، ولكنْ عابَه فقط أن “ريتشي” بدت أكبر سنًّا من الشخصية التي تؤديها، كما كانت الموسيقى التصويرية عنصرًا مهماً من عناصر الفيلم الجمالية، تنوّعت الموسيقى ما بين الموسيقى الكلاسيكية وموسيقى الراب والموسيقى التراثية الأمازيغية، عنصر التوليف (المونتاج) كان مميزًا أيضًا خصوصًا في المشاهد التي كانت تَعرِض ردود الأفعال التي أثارتها  القضية على صفحات التواصل الاجتماعي وعلى المواقع الإخبارية.

إجمالاً يمكننا القول أن “صوفي ديراسب” قد أنجزت تراجيديا عصرية مكتملة الأركان لا تقل جمالاً عن تحفة سوفوكليس الخالدة “أنتيجون”، الفتاة التي اختارت أن تصدّق قلبها وتقف أمام قانون جائر يساوي ما بين الضحية والقاتل، في ظل عدالة غائبة أو عمياء إن حضرت.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تدقيق لغوي: أمينة براهيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.