تأخذك إلى أعماق الفكر

أم التراث الفلسطيني وداد قعوار

بخيوط الهوية، نسجت السيدة وداد قعوار سيرة أثواب لونتها الشمس، فذاكرة الحرير سجل شعب يؤرخ للأجيال القادمة كي لا ننسى.

وداد قعوار

“فالثوب هو تاريخ مطرز على ملابس النساء، وحكاية جغرافيات لا يمكن أن نتجاهلها كي لا تفقد معناها”، هكذا تراه السيدة وداد قعوار الملقبة بأم اللباس الفلسطيني التي توجت مسيرة عشقها للأثواب والتراث على مدى ستين عاماً بإنشاء متحف (طراز/ بيت وداد للثوب العربي) في سنة ٢٠١٥، الذي يحوي بين أركانه أكثر من ثلاثة آلاف ثوب من فلسطين ومن مختلف البلاد العربية.

في غرفة ذات تصميم دمشقي تعبق بأريج التراث استقبلتنا السيدة وداد قعوار، فهاهنا زاوية تتكدس فيها وسائد مطرزة بنقوشات على أقمشة حريرية، وفي زاوية أخرى تجد الأواني النحاسية بزخارف نباتية وحيوانية، وتزدان النوافذ بستائر مطرزة  جاءت بها وداد من سوريا، وفي أعلى السقف قبة خشبية من الأرابيسك تنتهي بنافذة تتسلل أشعة الشمس من خلالها وتغمر الغرفة نورا، وتحيط بالبيت حديقة تتضوع بشذى روائح عطرية من الميرامية والزعتر وعشبة الفيجن التي جاءت بها وداد من الجليل، فكل ما يحيط بالزائر لبيت وداد ينبؤه بمكنون شغفها.

إعلان

وداد قعوار

قبل تسعين عاماً أبصرت عينا وداد قعوار النور في مدينة طولكرم في فلسطين، وتلقت تعليمها في مدرسة فريندز الداخلية للبنات في رام الله. التقطت عيناها سحر الألوان وتفاصيل التطريز على أثواب النسوة العاملات في غسل الملابس وكيّها في المدرسة، كانت كل منهن ترتدي أبهى أثوابها للعمل، بينما يسود التماثل في الزي المدرسي لطالبات المدرسة: تنورة زرقاء وقميص أبيض، تشابه تغدو فيه كل طالبة نسخة مكررة من حيث المظهر من تسعين طالبة أخرى ترتاد المدرسة. بينما يسحرها كل ثوب للعاملات الذي يعكس هوية  مرتديته وتفردها.

وسط حقول تنبض ببهجة الألوان، حيث كانت وداد تقطف الأزهار مع غيرها من الطالبات في رحلاتهن المدرسية حول قرى رام الله، أسرها من جديد مشهد الفلاحات بأثوابهن التي تتناغم مع جمال الحقول وألوانها.

وداد قعوار

بدأ الفضول حول الأثواب يستحوذ على اهتمام وداد فبدأت تسأل النسوة عن قصة كل ثوب، من طرز ثوبك؟ ومن أين أتيتِ بالشال؟ وكانت النسوة يقصصن عليها بافتخار حكاية كل ثوب وشال، تلك الشالات المطرزة بالورد، لم يخل بيت في رام الله منها، تقول وداد إن أغلب النسوة العاملات في المدرسة في أربعينيات القرن الماضي كن يتلقين الشالات المطرزة هدايا من أزواجهن العاملين في أمريكا الجنوبية فقد كانت هجرة الرجال من بيت لحم ورام الله إلى أمريكا الجنوبية منتشرة في ذلك العصر.

بداية الرحلة

وداد قعوار

ترجمت وداد قعوار عشقها للأثواب وهي مازالت طالبة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها بالالتحاق بنادٍ لتعليم التطريز للصغار والكبار في المدرسة الداخلية الذي أقامته سيدة أمريكية اسمها ساتن بعد انتهاء الحصص الدراسية، فقد كانت السيدة ساتن شغوفة بالتطريز الفلسطيني، وألفت كتيباً عنه، كما كانت تعلم الطالبات تطريز مدينة رام الله وقراها حصراً، وفي المساء تقضي وداد وقتها في القراءة في مكتبة المدرسة، أو العمل في حديقتها. تقول وداد: “ساعة تعليم التطريز خلت ناس كتير منا يشتهروا، اشتهروا بتطوير تطريز رام الله، وهلا في منهم في بيروت وأمريكا، وأنا بدا اهتمامي في هداك الوقت بالتطريز في رام الله وبعدين انتقل مشي لبقية المناطق”.

وداد قعوار

تقول وداد إن الثوب  يعكس هوية كل منطقة، فحتى وإن تشابهت رموز ورسومات التطريز من حيث المسمى، إلا أن لكل منطقة طريقتها في تطريز تلك الرسومات ما يجعلها تتميز عن غيرها من المناطق. فشجرة السرو أو القمر أو زهر البرتقال هي رموز تنتشر في التطريز الفلسطيني، مثلاً يتخذ تطريز شجرة السرو في رام الله شكلاً مختلفاً عما هو موجود في بيت لحم أو غيرها من القرى.

وداد قعوار

أثواب النكبة

وداد قعوار

بعد أن أنهت وداد قعوار تعليمها المدرسي، سافرت إلى بيروت لاستكمال دراستها في علم الاجتماع والتاريخ، وهالها ما رأته في بيت لحم فور عودتها من بيروت بعد النكبة ليصيبها المشهد بحزن تشهد عليه دموعها كلما روته، فمشهد النسوة التلحميات المتباهيات بثوب “الملك” الموشى بخيوط ذهبية، والمطرز بغرزة “التحريري” التي اشتهرت بها مدينة بيت لحم، قد غاب عن الأسواق ، وحلّ مكانه مشهد بائس يصادفها في كل سوق: طوابير من النسوة يحملن السلال بأثواب كالحة، مهترئة، تعلو الحسرة ملامحهنّ بعد أن ذقن طعم الهزيمة، وينتظرن الآن ما تجود به عليهن منظمات الإغاثة.

في السوق كانت وداد ترى الفلاحة تبيع إلى جانب الخضار قطعاً من أثوابها القديمة، شرعت وداد بجمع تلك القطع من مختلف القرى الفلسطينية، سعياً منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تاريخ الثوب الفلسطيني، ثم وجدت أن هذه القطع لا تكفي، فبدأت تشتري الأثواب، بيد أن نساء بيت لحم أعرضن رغم الفاقة والجوع عن بيع أثوابهن، فقد جرت العادة أن تدفن المرأة التلحمية بثوب عرسها المسمى بثوب “المَلَك”، وتعلو نبرة أصواتهن كلما طلبت منهن وداد أن يبعنها هذا الثوب: ” بدك نتبهدل بنزلتنا!، الثوب لنزلتنا”.  فنزلة القبر ومغادرة هذه الحياة لا تكتمل إلا بثوب الملك. لم تستطع وداد شراء الأثواب إلا بعد مدة طويلة من بنات السيدات التلحميات أو حفيداتهن.

وداد قعوار

سيرة حياة وداد قعوار لا تنفصل عن قصة جمعها للأثواب، تلك الأثواب التي احتلت قلبها بل وحتى بيتها، فقبل أن تفتتح وداد متحف “طراز” كانت تحتفظ بأثوابها الثلاثة آلاف في مستودعات في بيتها، وكانت تخشى على أثوابها من التلف بسبب الرطوبة أو العث أو العفن، فتمضي الساعات في تهويتها وتعليقها، ويعود تاريخ أقدم ثوب عندها إلى ستينيات القرن التاسع عشر.

وداد قعوار

من ذاكرة الحرير

ولأن الذاكرة قد تخون بالنسيان صاحبها مالم يوثق معلوماتها ويؤرخها، لذا شرعت وداد بجمع المعلومات عن كل ثوب وكمالياته من أحزمة وطواقٍ وأغطية رأس وشالات مطرزة، وحلي فضية وذهبية، فقد كانت القرى مليئة بالقطع الفضية.

تقول وداد إن العريس كان يهدي خطيبته أساور من الفضة، وكانت أغطية الرأس مغطاة بصفوف من الفضة، ومنها على سبيل المثال ما يسمى “زراق” الذي يكون مربوطاً بطرف الطاقية من كلتي الجهتين ليثبتها على الرأس، ويتكون  الزراق من خمس أو سبع طبقات مكسوة بقطع نقدية فضية عثمانية، أوبقطع نقدية من عملة “ماريا تيريزا” وهي الأغلى ثمناً، وأحياناً تكون تلك القطع من الذهب.

تسرد لنا وداد قصة طريفة عن أغطية الرأس المزدانة بالعملات الفضية، وتقول إن المندوب السامي البريطاني كان قد أصدر قراراً بمنع الطالبات في المدارس في منطقة يافا وبعض قرى الخليل من ارتداء القبعات المزينة بالعملات بحجة أن العملات تصدر صوتاً مزعجاً عند حركتهن، تقلد وداد ذلك الصوت : “تك تاك تك تاك”، وألزمهن بتغطية رؤوسهن بطواق زرقاء محاكة بالصنارة، تشبه أغطية الرأس التي انتشرت في أوروبا في عشرينيات القرن الماضي. تبتسم وداد وكأنها تسترجع طيفاً من بريق الماضي وتقول إن المندوب السامي سرعان ما عدل عن قراره في وقت لاحق خوفا من غضب أهل القرى.

تعود وداد قعوار بذاكرتها إلى يوم زيارتها للمتحف اليهودي أثناء تجوالها في مدينة عكا وقراها بعد النكبة لجمع أكبر قدر ممكن من الأثواب.

تقول وداد: “لقيت اليهود عاملين متحف في الحمام البلدي جهة عكا وغرت منه كتير، واطلعت عليه (شقفة شقفة) وشفت أهمية أثواب الشمال في الأردن وفلسطين، كانوا مركزين على أثواب الشمال”.

تستمر وداد في رحلاتها متنقلة من شمال إلى جنوب فلسطين ومن شرقها إلى غربها، مسكونة بهاجس حماية الأثواب الفلسطينية من النسيان والنهب، قبل أن يسطو اليهود المحتلون على تراث فلسطين ويهودوه.

في منتصف خمسينات القرن الماضي انتقلت وداد للإقامة في عمان بعد أن تزوجت المهندس كامل قعوار، الذي رافقها في مشوارها في جمع الأثواب والمحافظة على التراث، فقد كان شغوفاً بالسجاجيد ويحرص على اقتنائها. يفتر ثغر وداد عن ابتسامة عذبة وهي تقص علينا كيف كان زوجها خير داعم لها في مشروعها، وتقول: ” كان بس يستعجلني لما أروح أشتري وأنا كمان ما كنت أزودها، وكل مرة اشتري بس كم قطعة”.

وداد قعوار

توحدنا الأثواب وإن فرقتنا الحدود

وداد قعوار

بدأت وداد التجول في الأسواق الأردنية، مأخوذة بتفاصيل الثوب الأردني الذي يمتاز بتفاصيل تختلف عن تفاصيل الثوب الفلسطيني، لكن هذا الاختلاف لا يلغي وجود تشابه بينهما، فقد ألفت وداد تشابهاً بين أثواب الشمال الأردني وأقصى الشمال الفلسطيني، كما وجدت تشابها بين ثوب (العُب) الذي ترتديه بعض القبائل البدوية مثل التعامرة في فلسطين، والثوب السلطي، فكلاهما يمتاز بطول يتراوح ما بين أربعة إلى خمسة أمتار، وبعُب واسع.

تقول وداد قعوار:

“الإنجليز هم من وضعوا الحدود بين الدول، وكان من الطبيعي أن ينقل أهلها عن بعضهم التطريز والقطب وقصات الأثواب”.

لم تكن عملية جمع الأثواب الأردنية بالمهمة السهلة حسب وصف وداد، فقلة هن اللواتي كن يعرضن أثوابهن للبيع، فالثوب الأردني يتطلب الكثير من الوقت والجهد لإنجازه، لذا كانت المرأة الأردنية تكتفي بخياطة ثوبين لجهازها عوضاً عن أربعة أو خمسة أثواب، لذا لم تكن أعداد الأثواب المطروحة للبيع في الأسواق كثيرة.

وتضيف وداد أن المجتمع الأردني شهد تحولات اجتماعية عديدة وهاجر الكثيرون من قراهم وأتوا لعمان، وتوزعوا في أحياء المدينة، ليزيد ذلك من صعوبة جمع الأثواب.

تحدثنا وداد عن خصوصية الثوب المعاني بشكل خاص الذي امتازت أقمشته الحريرية بصباغتها بتقنية خاصة معقدة تسمى صبغة الإيكات حسب التسمية الغربية التي اشتهرت بها مدينة حلب، فألوان القماش متداخله بتناسق مبهر فالأحمر يتداخل مع البرتقالي والأسود.

كي لا ننسى

كانت نقطة التحول في مشروع وداد لجمع الأثواب حين التقت ببعض المختصين الأوروبيين الذين يعملون بالمتاحف والمهتمين بالتراث، ومنهم تعلمت الطريقة العلمية المتبعة في المتاحف للتوثيق، فمضت في زيارات إلى المخيمات الفلسطينية في الأردن تنصت باهتمام إلى قصص العجائز عن الأثواب وتوثقها وتسجل تاريخ كل ثوب، ومن أي قرية، ومن طرزته،  وأنواع خيوطه وأقمشته.

تتمنى وداد أن تتولى إحدى الجامعات تصنيف وتبويب ما جمعته من معلومات، ليكون متاحاً للأجيال القادمة عن فترة مهمة من تاريخنا المعاصر.

قطعت وداد حديثها فجأة، ونظرت في أعيننا وقالت: “هاي بقول لكم، كل ما في كبار بالعيلة اقعدوا معهم وخذوا معلومات عن عرسهم، عن شغلهم، عن مشاكلهم، عن كل شي، عن التاريخ، اليهود سرقوا كل شي، هلاء احنا موجودين وبنعرف شو صار، في كل شارع كان في تسمية بالعبري والإنجليزي والعربي، هلاء حذفوا الاسم العربي، عشان هيك لازم نكتب تاريخنا ونترجمه، شركة الخطوط الجوية الإسرائيلية “العال” سرقت الثوب الفلسطيني والمضيفات لابسينه على أساس إنه من التراث الإسرائيلي، لكن اعترضت مع صديقات لي على الموضوع وبعثنا ايميلات”.

وحذرتنا وداد من خطورة المشروع الإسرائيلي المسمى GHAZALA الذي يسوق للبسط البدوية الفلسطينية على أنها تراث إسرائيلي ويصدرها لدول العالم.

صورة من موقع GHAZALA

في أثناء حديث وداد معنا جاءتها زائرة رومانية، كانت قد وجدت عدة نقوشات في الأثواب الفلسطينية تشبه التطريز في رومانيا، وجاءت للحديث مع وداد في هذا الشأن.

تستأنف وداد حديثها معنا وتقول إن تشابه التطريز بين بلاد المنطقة ودول الجوار أمر قد صادفته مرات عدة في أثناء جمعها للمطرزات، ففي أحد الأيام جاءتها هدية لوسادة مطرزة بالغرزة الأردنية المنتشرة في معان، لكن الوسادة كانت من حجاج من أوزبكستان. عرضت وداد الوسادة على أهل معان، وأخبروها أن الحجاج منذ زمن طويل كانوا يأتون للمبيت في مدينة معان، وكانوا يعرضون بضائعهم من السجاد على أهل المدينة، ولابد أنهم في غمرة التبادل التجاري قد نقلوا معهم مطرزات من معان وتأثروا بها.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائدة نيروخ

تحرير/تنسيق: منذر قطب

الصورة: سلام برجاق، شذى العودات، منذر قطب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.