تأخذك إلى أعماق الفكر

أصل الحياة: كيف بدأ الخلق، ولماذا؟!

ما فرصة أن تجدَ سنبلةَ قمحٍ حرةً في تربةٍ خارج نطاق الحقول المزروعة (وفقًا لأساليب الزراعة المنظَّمة التي ابتكرها البشر قبل آلاف السنين)، مثلما تجد الحشائش والنباتات الطبيعية ناميةً على جانبَيْ أي طريق، أو بامتداد قضبان القطار؟
هذا أمر نادر جدًّا.

ولهذا، راودتني أحيانًا فكرة مجنونة، مفادها أن القمح والذرة والأرز هم السبب الحقيقي لوجود البشر؛ لأنهم أكثر الكائنات الحية استفادةً من وجود الإنسان! كيف سينمو القمح، ويبلغ أفراده هذا التعداد الهائل دون رعايةٍ بشريةٍ؟ فكأنَّ الإنسانَ مسخَّرٌ في كل موسم لخدمة هذه النباتات، ورعاية أفرادها، وحمايتها من الانقراض!
هي فكرةٌ- كما قلت- مجنونة، لكنني أعتقد أنَّها تعطي مثالًا واضحًا لِمَا يمكن أن تبدو عليه الإجابة عن سؤال: لماذا وُجِد البشر؟!

حقًّا، لماذا وُجِد البشر؟!

تخيل أن تسأل كائنًا غير محدود المعرفة: ما سبب وجودنا؟
فيجيبك: لرعاية النباتات التي لا تتكاثر إلا بمشقة وقد تتعرض للانقراض، أو لتحويل الطعام الصلب إلى براز؛ من أجل تسميد التربة الزراعية، أو أنت موجود لكي تتمكن من التكاثر الجنسي وتمرير جيناتك لأفراد آخرين قبل أن تموت.

هذه الإجابات اكتسبت غرابتها من إقرارها بأنه من الممكن أن ينشأ كيانٌ شديد التعقيد لخدمة قانونٍ في غاية البساطة (بل والتفاهة)، وفي هذا- دون شك- مفارقة قد تدفع إلى الضحك.
لكنَّ هذا- رغم كل شيء- قد يكون أقرب إلى الصواب، وكم من أمورٍ عجزنا عن رؤيتِها لشدة اقترابنا منها، وكم من أمورٍ استسخفناها لمخالفتِها المنطق البشري! كيف ستوافق نشأةُ الحياةِ المنطقَ البشري، وهو منطق محكوم أساسًا بحواس قاصرة، وُجدت لأداء مهام محدودة لا تخرج على الوظائف الفسيولوجية الغريزية؟

جسد الإنسان لم يوجد لكي يواكب هذا التطور العلمي الهائل والتراكم المعرفي؛ ولذلك نواجه دائمًا أزمةً كبرى في التوفيق بين إمكاناتنا العقلية والمنطقية المحدودة، ومحاولة الإجابة عن الأسئلة العويصة المتعلقة بوجودنا. الإجابة عن سؤال: ما الغرض من اكتساب المادة للحياة؟ سوف تكون بسيطة جدًّا، ومخالفة بالتأكيد للمنطق البشري.

إعلان

أصل الحياة والإنتروبيا

ولقد لجأ دان براون في روايته (الأصل) إلى الديناميكا الحرارية، وحاول أن يفسر بها اكتسابَ المادةِ للحياة، وأَرجع ذلك إلى (الإنتروبيا Entropy)، مخالفًا بذلك أغلب العلماء الذين يؤكدون أن (الإنتروبيا) من أعظم النواقض لنظرية دارون وفرضية (الحساء البدائي Primordial Soup)!

لكي نفهم معنى (الإنتروبيا)، يجب أن نضع نصب أعيننا القانون الأول والثاني للديناميكا الحرارية.

القانون الأول: الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، ولكن تتحول من شكل إلى آخر.
القانون الثاني: جودة الطاقة تنحدر إلى مستوى أقل (مثل الطاقة الحرارية)، بحيث تتحول الطاقة في اتجاهٍ واحد لا يمكن أن يُعكَس، وتميل الإنتروبيا (العشوائية/الفوضى/توزيع الطاقة) في الكون إلى الوصول لأقصى حدٍّ ممكن.

وهي تُفسَّر على هذا النحو في رواية الأصل:

“الإنتروبيا ليست سوى طريقة منمَّقة لأنْ تقول: إن الأمور تنهار. وفي لغة العلم يُقال: إن النظام (الترتيب/البِنَى المنظَّمة) يتدهور دائمًا، بصورة حتمية لا يمكن أن تُعكَس؛ إذا جلست على الشاطئ، وقررت أن (تُنَظِّم) ملايينًا من حبات الرمل على هيئة قصر، فما رد فعل الكون تجاه هذا الفعل (المُنَظَّم)؟ أجل، سوف تأتي موجةٌ وتزيل القصر. لقد عثر الكون على حبات الرمل وأفسد نظامها، هكذا تعمل الإنتروبيا. الأمواج لا تنظِّم الرمل أبدًا على شكل قصر، الإنتروبيا تذيب البِنَى. وكذلك عندما يتم تسخين القهوة، فإن الطاقة الحرارية تتركَّز في الكوب، فإذا تُرك الكوب على الطاولة لمدة ساعةٍ، تتبدَّد الحرارة في الغرفة، وتنتشر بشكلٍ متساوٍ، مثل حبات الرمل على الشاطئ. هذه هي الإنتروبيا مجددًا، وهذه العملية لا يمكن عكسها”.

“نحن نعيش في كون إنتروبي تغلب فيه العشوائية على قوانين الفيزياء، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن للمواد الكيميائية أن تنظِّم نفسها (بشكل سحري) على هيئة كائنات حية شديدة التعقيد، برغم تربُّص الإنتروبيا بأي تنظيمٍ محتملٍ؟!”.

“إن الحياة ليست المثال الوحيد على الكون الذي يولد النظام؛ فالجزيئات غير الحية تنظم نفسها دائمًا في هياكل معقَّدة: دوامة، إعصار، حبة ثلج، مجرى نهر، حلقة كوكب زُحَل!”.

“بالرغم من أن الكون يميل- حين يجد مجالات مركزة من الطاقة- إلى تبديدها، فيما يُعرف بالإنتروبيا، فإن هذا النظام الكوني يُسَهِّل عملية نشر الطاقة، بطريقة أكثر كفاءة، عن طريق البِنَى التبديدية (إعصار- دوامة- نهر). مجموعة من الذرات والتي رتبت نفسها في بِنى لكي تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكفأ”.

“الأعاصير هي طريقة الطبيعة لتبديد منطقة من الضغط العالي عبر تحويلها إلى قوة دورانية تستنفد نفسها في نهاية المطاف، الأنهار الصاخبة تعترض طاقة التيارات السريعة وتبددها، حبات الثلج توزع طاقة الشمس عبر تكوين هياكل متعددة الأوجه تعكس الضوء بشكل فوضوي في الاتجاهات كافة؛ الطبيعة في محاولتها لتعزيز (عدم النظام)، تنشئ نماذج منظمة صغيرة، ما هي إلا هياكل تُصعِّد الفوضى، وتزيد الإنتروبيا!”.

“توليد الفوضى على نحوٍ فعَّالٍ يحتاج بعض النظام!”.

“والحياة أداة في غاية الفعالية لتبديد الطاقة. الشجرة تمتص طاقة الشمس وتستخدمها لكي تنمو، ثم تُصدِر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزًا بكثير. التمثيل الضوئي آلة إنتروبية شديدة الفعالية لإضعاف الطاقة المركزة للشمس، مما يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الأمر نفسه على الكائنات الحية كافة، حتى البشر الذي يستهلكون المادة كطعامٍ، ثم يحولونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة”.

“وبهذا يمكن القول إن النظام داخل كوكب الأرض قام بإنتاج الحمض النووي DNA في محاولةٍ لتبديد الطاقة”؛ لأن التكاثر سيوجِد أفرادًا أكثر، قادرين على تبديد الطاقة بشكل أفضل مما لو كانت مهمة الإنتروبيا موقوفةً على البِنَى الطبيعية البسيطة (كالأعاصير والدوامات) أو فرد حي واحد؛ ملايين الأشجار تبدِّد مقدارًا من طاقة الشمس يفوق ما تُبدِّده شجرة واحدة. “والتطور هو الطريقة التي يستخدمها الكون لاختبار أدواته الإنتروبية وصقلها بشكل مستمر، والأدوات الأكثر كفاءةً تبقى وتتكاثر وتتحسَّن باستمرار لتصبح أكثر تعقيدًا وفاعليةً على نحو متزايد”.

ويمكننا، استنادًا إلى هذا الطرح، أن نعتبر الكائنات الحية مَعامِل ومفاعلات ثابتة أو متنقِّلة شديدة التركيز، تتحدد جدواها بمدى قدرتها على تبديد الطاقة. في الماضي، احتاج كوكب الأرض إلى كائناتٍ عملاقةٍ (مثل الديناصورات) لتبديد طاقة الغابات الهائلة التي كانت تملأ سطح اليابسة، أما في هذا العصر، فيمكن ببساطة استشفاف حالة كوكب الأرض بتأمُّل أحجام الكائنات الحية، والربط بينها وبين ظواهر مثل: انتشار الجفاف، والاحترار العالمي، وانقراض الكائنات الضخمة المتواصل. ولا يجب أن ننسى أن الإنسان (كأداةٍ إنتروبية) استطاع بتقدُّمه العلمي أن ينشئ آلاتٍ إنتروبيةً فعَّالة، هي وسائل النقل المختلفة، لتحويل الوقود الأحفوري إلى طاقة حركية وميكانيكية وحرارية، مما أدَّى إلى زيادة الإنتروبيا الكونية (بالرغم من أن ذلك أدَّى لاحقًا إلى اختلال المنظومة البيئية)!

والصراع- كقانونٍ طبيعي راسخ- يبدو كما لو كان ملازمًا للحياة على وجه الأرض منذ نشأتها. فمن الطبيعي أن نتوقع من نظام لا يؤمن إلا بالإنتروبيا، أن يهتمَّ بتفريغ طاقة البِنَى التنظيمية التي أنتجها عن طريق بِنى تنظيمية جديدة؛ الفيروسات، والبكتيريا، والفطريات المُمْرِضة، والطفيليات، والحيوانات المفترسة، والحيوانات العاشبة، وسلوكيات مثل: الانتحار، والإيمان بمعتقداتٍ دينيةٍ إرهابيةٍ، والعنصريَّة؛ كل هؤلاء أدواتٌ إنتروبيةٌ فعَّالة للحفاظ على استقرار كوكب الأرض.

ولا يخفى على أحدٍ أن النظام البيئي قادرٌ على الحفاظ على استقراره لسنوات طويلة جدًّا، ما لم تحدث كارثة خارجية (مثل نيزك يضرب الأرض) أو داخلية (تغيرات مناخية قاسية). ولا شك في أن الثورة الصناعية (كأداة إنتروبية نَزِقة غير محكومة) تعبث الآن باستقرار النظام البيئي برفع درجة حرارة كوكب الأرض ومعدلات ثاني أكسيد الكربون، دون مواكبةٍ من النظام البيئي لهذا الارتفاع بإنتاج بِنَى إنتروبية جديدة لتبديد هذه الطاقة.

دان براون على خُطى ريتشارد دوكينز

هذا التفسير الذي أورده دان براون في روايته (التي اقتبستُ منها فِقَرًا عديدةً في هذا المقال بقليلٍ من التصرُّف) قد يكون مُجانِبًا للصواب، وهو على أية حالٍ نابعٌ من فِكرِ إحدى الشخصيات الخيالية، ولم يثبت علميًّا حتى الآن. ولكن هذا الطرح يسلك درب النظريات العلمية الناجحة (في قدرته على تقديم تفسير بسيط لإحدى الظواهر الكونية، وعلى تقديم تنبؤات واضحة المعالم، لِمَا يمكن أن تؤول إليه الحياة على هذا الكوكب)، شأنه في ذلك شأن تفسير ريتشارد دوكينز، الذي خلص في كتابه (الجين الأناني) إلى أن الغرض الحقيقي من وجود الكائنات الحية (أو آلات البقاء كما يُسمِّيها) وتدرُّجها في طريق التطوُّر (الطويل جدًّا) حتى وصولها إلى هذا التعقيد، هو الحفاظ على المادة الوراثية (DNA) وتمريرها إلى الأجيال التالية، في إعلانٍ صريحٍ (لأنانية) هذه (الجينات/المتضاعِفات) ورغبتها الجنونية- أو العقلانية، من يدري؟!- في البقاء لأطول فترة ممكنة على حساب أي شيء، والتغلُّب على كلِّ ما يهددها في سبيل البقاء، ولا شيء سِوى البقاء!

قد يتضح في المستقبل أن الطرح الذي أورده دان براون في روايته كان محضَ خيالٍ لا قيمة له؛ لكنه- على أية حال- يقتضي إطالة التأمل، ولا سيما حين نراقب التغيرات الكارثية التي تطرأ على كوكب الأرض، والتي لا أظن أننا سنتغلب عليها إلا بإعادة تقييم أولوياتنا والنظر في إيجابيات الحضارة البشرية وسلبياتها، لأننا- حتى الآن- لا نعرف إلا كوكبًا واحدًا صالحًا للحياة، فيجب ألا نسمح بأن يُدمَّر، وخاصَّةً إن كنا نحن- البشر- المهدِّد الرئيسي للحياة عليه.

 

نرشح لك: آدم -عليه السلام-: بين نظرية التطور ونصوص الخلق

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.