تأخذك إلى أعماق الفكر

The conformist: المـلـتزم الـذي قـتـل الـراديـكـالي

ذات ليلة باريسية ممطرة، من عام 1970، وقبل منتصف الليل بقليل، كان “برناردو بيرتولوتشي” يقف وحيداً في انتظار ملهمه وأستاذه “جان لوك جودار” بعد العرض الأول للفيلم الإيطالي الجديد The conformistالملتزم” في عاصمة النور.

كان رأيه في فيلمي يعني الكثير بالنسبة لي.

هذا ما صرح به بيرتولوتشي بعد عقود من عرض فيلمه The conformist في العام 1970، وذلك في حديثه لصحيفة “الجارديان” البريطانية والمنشور في فبراير 2008، مسترجعاً أحداث تلك الليلة:

لم يخبرني بأي شيء، فقط أعطاني رسالة صغيرة وغادر، أخذت الرسالة وكان مطبوعاً عليها صورة الزعيم الصيني “ماو تسي تونج” مع بعض كلمات لـ جودار تقول: “عليك أن تحارب الفردانية والرأسمالية” كان ذلك هو رد فعله على فيلمي.

وبرغم احتقار جودار للفيلم، وغضب بيرتولوتشي من رأي أستاذه وصديقه، أثبت فيلم The conformist أنه واحد من أكثر الأفلام تأثيراً في تلك الفترة الزمنية التي أعقبت ثورة الشباب في 1968 وأحلامها الضائعة، الفيلم الذي بدا جريئاً ومعقداً سواء من ناحية حبكته الدرامية أو من الناحية البصرية، وأصبح ملهماً للعديد من مخرجي “النيو هوليوود” من أمثال فرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي، ولولاه ما كانت لروائع مثل “القيامة الآن” أو “العرّاب” أن تظهر بشكلها الفني الرائع.

ألبيرتو مورافيا “الملتزم” مأخوذ عن رواية لـ “ألبيرتو مورافيا” تحمل نفس الاسم، وهو من بطولة “جان لوي ترانتينيون” و”دومنيك صاندا” و”ستيفانيا ساندريللي” ومن إخراج “برناردو بيرتولوتشي” والذي استعان بمدير التصوير الإيطالي “فيتوريو ستوراو” والذي سبق له العمل مع بيرتولوتشي في فيلمه “استراتيجية العنكبوت” الذي أنجزه في نفس العام.
الفيلم يحكي عن مثقف ينتمي للطبقة العليا – كلاريتشي – يحاول إثبات إيمانه بالأفكار الفاشية، فيقترح على قادته الذهاب إلى باريس وقتل معارض سياسي – البروفيسور كوادري – والذي كان يعمل أستاذاً للفلسفة في روما، وكان أستاذ لـ كلاريتشي أثناء دراسته الجامعية.
أما في الحقيقة ما أغضب جودار كان أمراً آخر، فخلال الفيلم يطلب كلاريتشي من الفندق الاتصال بأستاذه – المحكوم عليه بالموت – ويذكر لهم رقم الهاتف والعنوان أيضاً، الرقم والعنوان كانا لـ جودار:

إعلان

هكذا يمكنك أن ترى أني كنت أنا الملتزم الذي يريد قتل الراديكالي.

أراد بيرتولوتشي أن يبرهن أنه قد نضج كلياً ولم يعد ذلك المخرج المحاكي لأساتذته المفضلين أمثال بيير باولو بازوليني وجان لوك جودار، فقام بإعداد سيناريو لفيلمه يختلف قليلاً عن الرواية الأصلية لـ مورافيا، فهنا في سيناريو بيرتولوتشي يدرك البطل أن سبب بحثه المستميت عن الالتزام، هو معرفته وإدراكه بأنه مختلف، ولأنه لا يتقبل اختلافه، فسعى بأن يصبح عادياً مثل الجميع، ببساطة أراد أن يصبح فاشياً.

كلاريتشي” رجل هش، يخفي سراً حادثة وقعت له أثناء فترة صباه، عندما حاول سائقه المثلي أن يغويه ويعتدي عليه جنسياً، فقام كلاريتشي بإطلاق النار عليه وقتله – كما اعتقد وقتها – سره هذا جعله يدرك من داخله أنه مختلف عن الجميع، لذا أراد الاختباء والتماهي مع الحشد، تزوج من فتاة برجوازية جميلة، أراد أن يصبح فاشياً مخلصاً، يوشي بأستاذه القديم ويساعد في اغتياله ليرضي فكرة الالتزام بداخله.

ما جعلني دائماً أشعر بالفخر، أن كوبولا وسكورسيزي وسبيلبيرج أخبروني أن الملتزم كان مصدر إلهام لهم.

وهنا يبرز السؤال، ما هي الأسباب التي وضعت فيلم”The conformist- الملتزم” في مكانته التاريخية تلك؟

ولتحري الدقة في إجابتنا على هذا السؤال نحتاج لأن نتحدث تفصيلاً عن عناصر تَميُّز وفرادة “الملتزم” بداية من جرأة الطرح المختلف نسبياً عما كان يُقدَّم وقتها، وحتى التفصيلات التقنية المستخدمة في الفيلم:

١-السيناريو

أخبرت مورافيا قبل البدء، حتى أكون مخلصاً لكتابك، يجب أن أخونه.

لم يكن بيرتولوتشي قد قرأ رواية مورافيا قبل شروعه في كتابة السيناريو، بل بدأ في الكتابة دون أن ينهي الرواية، أحدث بيرتولوتشي تغيرات جوهرية في القصة التي كان يراها أخلاقية أكثر من اللازم، خاصةً نهايتها، حيث يظهر التدخل الإلهي لعقاب المذنب، كان طرحه أكثر إرباكاً، ونهاية فيلمه تحتمل الكثير من التأويلات، حين يلتقي كلاريتشي بسائقه القديم “لينو” وقد طعن في السن، يعرفه كلاريتشي وهو يراه يمارس نفس اللعبة ويحاول إغواء شاب صغير، فيفضحه كلاريتشي على الملأ ويتهمه بأنه فاشي ويلقي عليه بكل خطاياه وذنوبه، بينما يفر السائق هارباً، بعدها ينهي المخرج الفيلم بمشهد لـ كلاريتشي وهو يجلس بجوار نار متّقدة خلف قضبان تفصل بينه وبين الشاب الصغير عاري الجسد، النائم في سريره يستمع لأغنية قديمة من ثلاثينيات القرن العشرين اسمها “مثل الظل”، في تلك اللحظة يدرك كلاريتشي إنه لايزال سجين أفكاره القديمة، يدرك أخيراً لماذا كان يعتنق الفاشية كمذهب.

The conformist

٢-الإخراج

كان بيرتولوتشي على أعتاب عامه الثلاثين حين انتهى من تصوير فيلمه، والذي يعتبر أول أفلامه التي تحمل رؤيته الخاصة وغير المحاكية لأفكار سابقيه من المخرجين الذين تأثر بهم، كان له صوته الخاص والمثير للجدل وقتها في استخدام الكاميرا بشكل غير معتاد في تلك الفترة، وذلك كان بمساعدة مدير تصويره فيتوريو ستورارو الذي شاركه شغفه بالفكرة.

بيرتولوتشي مع فيتوريو ستورارو

جرأة التناول والربط بين الفاشية والاعتداء الجنسي الذي تعرض له كلاريتشي وهو طفل، واستخدامه للفلاش باك بشكل يخدم طريقة الحكي غير الخطي للفيلم، كذلك استخدامه المشوش للكاميرا بزواياها المختلفة مثل الزاوية المائلة “الزاوية الهولندية”، أو استخدامه لكاميرا محمولة على الكتف في مشهد مطاردة زوجة البروفيسور، كل تلك العناصر ميزت الفيلم إخراجياً وجعلته في مكانة المرجع والملهم للعديد من الأعمال التالية له.
كما قام بيرتولوتشي بتوظيف العمارة والمباني في كلٍ من روما وباريس وتأطيرها بشكل موحي يحمل في طيته فكرة مختلفة عن السائد، بدا ذلك في استخدامه لمباني حي “EUR” في روما – والذي بدأ بناءه في عصر موسوليني – بمبانيه الضخمة مثل قصر المؤتمرات الذي صور جزءاً منه كمستشفى للأمراض العقلية، وجزءاً آخر كمقر حكومي يعكس بضخامته ضآلة فكر من قاموا ببنائه، ظهرت أيضاً معالم روما البارزة كعناصر حكي في الفيلم، مثل ضريح هادريان وجسر سان أنجلو الموصل له، وكذلك ظهرت في الفيلم معالم باريس الشهيرة مثل “باليه دو طوكيو” و”جسر بيرحكيم”، برز أيضاً ديكور الفيلم كعنصر فاعل ومؤثر درامياً، الديكور الذي بدا مختلفاً وعلى طراز “الأرت ديكو” السائد في تلك الفترة من ثلاثينيات القرن العشرين.

٣-جماليات الصورة

لعل من أهم ما يميز فيلم The conformist ويضعه في مكانته الهامة في تاريخ السينما، وجعله بمثابة مرجع بصري لمديري التصوير المعاصرين، تلك التجربة البصرية الفريدة التي صاغها مدير التصوير فيتوريو ستورارو، والذي برع في استخدام الضوء والظل وتوظيفهما درامياً، بجانب إيمانه بفكرة أن لكل لون من الألوان دلالة تساعد في توصيل الفكرة، فمثلاً استخدم فكرة الظلال في المشاهد التي تدور أحداثها في إيطاليا، فأغلب النوافذ مؤطّرة بقضبان، تعكس ظلالاً على داخل الغرف دلالة على أن إيطاليا كلها سجينة الحكم الفاشي، أو استخدامه لفلاتر الإضاءة الزرقاء في المشاهد التي تدور أحداثها في باريس لأنه كان يرى أن اللون الأزرق دلالة على الحرية التي يحياها الفرنسيون بينما يعيش الطليان في سجن كبير، ظهور الألوان الدافئة في مشهد القطار الحميمي بخلفية البحر الذي يظهر خارج شباك القطار كدلالة على الجنس وحميمية العلاقة، كذلك مشهد قتل البروفيسور وزوجته تم تصويره بشكل يظهر التضاد بين لون الدم والثلوج البيضاء التي تغطي الغابة.

The conformist ويبقى المشهد الأيقوني في الفيلم بتركيبته الدرامية والبصرية؛ مشهد لقاء كلاريتشي بأستاذه البروفيسور كوادري في باريس ومحاكاة قصة “كهف أفلاطون” الشهيرة، والتي أوردها أفلاطون في كتابه “الجمهورية” على لسان معلمه “سقراط”. في ذلك المشهد البديع، يلتقي البطل بأستاذه بعد سنوات طويلة ويتذكر معه أطروحة التخرج الخاصة به والتي كلفه بها أستاذه قبل هروبه لباريس.
حكاية الكهف: تحكي عن مجموعة من البشر تم سجنهم في كهف تحت الأرض له ممر طويل باتجاه النور في الخارج، وهم مقيدون من أرجلهم وأعناقهم، بحيث لا يستطيعون الحركة أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أنظارهم على حائط الكهف المقابل لهم، فكل ما يرونه ما هو إلا ظلال لأشياء قد تبدو حقيقية أو مجرد وهم.
وهنا يقارن البروفيسور كوادري بين أهل الكهف وحال إيطاليا الفاشية، استخدام ستورارو للضوء والظل في المشهد كان مكملاً للبعد الدرامي الذي ابتغاه بيرتولوتشي الذي صرح في حديث سابق عن هذا المشهد:

إن الصراع ما بين كلاريتشي وأستاذه لم يكن صراعاً أيدلوجياً بين شيوعي وفاشي، لكن كان في جوهره صراعاً طبقياً بين طبقتين إجتماعيتين، كل منهما يحاول الحفاظ على مكتسباته.

٤- رمزية The conformist

The conformist

يحتوي فيلم The conformist على قدر كبير من الرمزية سواء على مستوى الكتابة وتناولها للفكر الفاشي من خلال النظر للماضي تحديداً حقبة حكم موسوليني، حيث تم ترميز إيطاليا الفاشية كسيدة مستباحة، عاهرة مشوهة بندبة بارزة في وجهها ترتدي لباس الفاشيست الأسود، أو كما ذكرنا سابقاً مقارنة إيطاليا الفاشية بقصة كهف أفلاطون، في مشهد مثل مشهد الحفلة التي نظمها أصدقاء كلاريتشي وتم دعوته إليها وكانوا جميعهم أكفّاء إلا هو المبصر الوحيد، الحفلة كانت مقامة في بدروم تحت سطح الأرض في إشارة واضحة للقصة السابق ذكرها.
كذلك ظهرت رمزية الموت في أكثر من مشهد منها مشهد ذهاب كلاريتشي لقتل أستاذه، وهو يردد أبيات شعر باللغة اللاتينية، تلك الأبيات كانت آخر ما نظمه الإمبراطور الرومانيهادريانقبل موته بقليل، وتقول أبياتها:

Animula, vagula, blandula
Hospes comesque corporis
Quae nunc abibis in loca
Pallidula, rigida, nudula,
Nec, ut soles, dabis iocos.

وترجمتها للإنجليزية هي:

Little soul, you charming little wanderer
my body’s guest and partner,
Where are you off to now?
Somewhere without color, savage and bare;
Never again to share a joke.

كذلك استخدامه لزهرة البنفسج التي أهداها لزوجة البروفيسور، وهي الزهرة التي كانت ترمز للموت في العصور القديمة.

The conformist

وفي الأخير يبقى فيلم “The conformist” أحد الأيقونات الفنية في تاريخ السينما، لما له من تأثير كبير على من عاصروه وعلى الأجيال التالية، الفيلم الذي ظل في ذاكرة بيرتولوتشي كحلم جميل قال عنه ذات مرة:

“أشعر بشئ نحو هذا الفيلم، وأناي القديمة هذه”.

نرشح لك: the dreamers الــحــالــمــون، كن واقـعـياً واطــلــب المــســتــحــيــل

المصدر:
ستيوارت جريفيز في حديثه مع برناردو بيرتولوتشي والمنشور في جريدة "الجارديان" بتاريخ 22 فبراير 2008

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

تدقيق علمي: نها العمراني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.