تأخذك إلى أعماق الفكر

غيداء أو مناجاة طائر الصرد

بالنسبة لها، لم تكن حياتها حقيقية، كانت وهمًا باهتًا، كحُلمٍ يحوي آلاف الأشياء الغير منطقية التي لا يجمعها شيء: تطأ أرضًا خضراء بقدمها بينما يختال ذهنها في صحارٍ بوار، ترتشف شيئًا من قهوتها المُسكرة بينما تتذوق علقمًا. كانت غائبةً في حاضرها، حاضرةً في كل الأمكنة عدا تلك التي يشغل جسدها مساحةً ملموسةً فيها.

رفعت كوب قهوتها الصباحية إلى شفتيها الصغيرتين، بينما كانت تجلس على كرسيٍ في حديقة البيت الصغيرة، رمت ببصرها باتجاه العشب الضئيل الذي تنغرز فيه أقدام الكرسي، فلمحت فأرًا مكتنزًا يروغ بجوار أقدامها، راعها الأمر شيئًا، إلا أنها لم تحرك ساكنًا. كانت تهاب الفئران، بيد أنه كان من الصعب أن يصدر عنها أي رد فعلٍ مبالغٌ فيه، طالما كان هنالك جزءٌ من مشاعرها مكنونٌ لا ينجلي، جزءٌ مشغولٌ بحدثٍ آخر، حدثٌ لم يكن ثمة له وجود.

بادرتها أمّها الجالسة على الكرسي المجاور:

-كُلِ التمر، يبرأ الجسد من العلل بالتمر ياعزيزتي، كلِ التمر ففيه الشفاء.

تحركت مقلتيّ “غيداء” في فتورٍ باتجاه “كليلة”، كانت ترخي جسدها الضخم على الكرسي، ممسكةً بإبرتيها الكبيرتين التي اعتادت “غيداء” رؤيتهما منذ مهدها. تنسج “كليلة” خيوطًا من الصوف في حركةٍ آلية، تنسج الصوف صيفًا وشتاءً، ربيعًا وخريفًا، وكأن عالمها لم يعرف يومًا تتابع الفصول.

إعلان

-أنتِ تعرفين أنني لا أحب التمر يا أمي، دعيني منه ومن شفائه.

-التمر فيه شفاءٌ يابنيتي، هكذا قال النبي. ثم أنه ليس في حديقة زوجك سوى النخيل.

زوجها، ذلك الذي اختارته “كليلة” لابنتها ببساطةٍ أقرب إلى العفوية، طبقًا لمعايير قد رُسّخت في قلبها بشكلٍ مسبق، اختارته لها وكأنما تختار شيئًا من أدوات حياكتها، وشهدت على زواجهما في دعةٍ تباري دعةَ نسجها للصوف.

لاذت “غيداء” بالصمت وكأنها تزن الأمر، بيد أن التمر لم يشغل لها بالًا من أساسه. طالما كان في صمتها شرودٍ تافه، شرودٍ لا معنى له ولا مأرب، شرودٍ كوسيلة هروبٍ مسموحة. كانت تفك مرساة شرودها دون وجهة، ربما سأمًا بالبر، وربما ولعًا بالسفر.

مدت يدها فتناولت تمرة، ثم قربتها من ثغرها. على مر سنين، اعتادت أكل التمر كل صباح، اليوم فقط أدركت أنها لم تعشق يومًا ثمر نخيل زوجها، بل تشمئز منه. بيد أنه لا يمكن القول أنها كانت تتجرعه قسرًا، كانت فقط تأكله، ربما كان الأمر نابعًا عن لا مبالاة عميقةٍ بالوجود برمته، وربما كانت تنجح في إقناع نفسها بشكل لا واعٍ، أو لعلّ حضور أمها الطاغي لم يكن ليسمح لها أن تختار.

سمعت خشخشةٍ خفيتة، فأطرقت لترى الفأر لازال يروغ بين سيقان العشب بلا معنى، يقفز تارةً ويقف أخرى، يقرض أي شيءٍ تقع عليه يداه بغض النظر عن ماهيته.

أعادت التمرة إلى الصحن في تروٍ، أسندت جسدها الممشوق على مسند الكرسي، وأرسلت عينيها الضيقتين إلى السماء. قالت:

-أنا لا أحب التمر، ليس في الأمر سأم أو ما شابه، فوحدها الأشياء التي أحببناها قد نسأم منها.

-مسم! حكم! ستأكلينه عاجلًا أم آجلًا، فقد وضعت بعضًا منه في غرفتك، ثم أنه من الجيد أن يأكل المرء ثمارًا قُطفت لتوّها، وتعلمين أنه ليس في حديقة زوجكِ سوى النخيل. بالمناسبة، متى سيعود طيبُ الذكر من سفره؟

كانت وكأنما تتكلم من أنفها، صوتها حادٌ غير محببٍ للنفس، ووجهها المتغضن وكأنه مصنوعٌ من الشمع فإذا أصابته الشمس أذابت بعضه. تجلس على كرسيها، تنسج صوفها، تعقد خيوطه وتبسطها على هواها.

-تلفن إليّ بالأمس وأخبرني أنه سيمكث لثلاثة أيام أخرى. سأذهب إلى غرفتي، أحسبني أحتاج بعض الراحة.

قامت من مقعدها متوجهةً إلى باب البيت، شعرت في قلبها غصة، كتلك التي تصيب شغاف القلب الشاب إذ يخترقه شعور أنه سيفني عُمره دون أن يكون قد عاش. ودون أن تدري، داست على ذيل الفأر، فزعق بصوتٍ خفيت، ولمّا طأطأت برأسها ألفته يقرض تمرةً قد سقطت، فرمقته بازدراء. صاحت “كليلة” من الخلف:

-لقد قضيت حياتك كلّها في راحة، ثم تخبرينني أنك تحتاجين بعضها! لا تنسِ أن تأكلي بعض التمر، ولسوف يضخ الدم في عروقك.

دون أن تلتفت، قالت بصوتٍ يُصرّح بالغضب إلا أنه لا يزال يحتفظ بفتوره:

-أن حديقته لا تحوي سوى النخيل فذلك لا يعني أنني مُجبرةٌ على الأكل من ثمره، بوسعي أن آكل من ثمر غيره، وبوسعي أن أغرس أنا، بنفسي، شجرةً أخرى.

****

لمّا دلفت غرفتها، قصدت قفص العصفور الماكث بجوار النافذة، تأملت ريشه الأبيض، وعنقه الملطخ بسوادٍ يُمهد لسواد رأسه، كان منظره جميلًا. أصدر تغريدةً خافتة، فمدت أناملها من بين قضبان القفص لتداعبه، فوخزها بمنقاره القصير. باغتها صوت:

-تُعجبك الهدية، أليس كذلك؟

التفتت مرتاعة، قالت:

-حسام! أفزعتني! كيف دخلت إلى هنا؟

كان قميصه الحريري الأبيض يبث في المكان شبقًا لا لون له، ويطغي بحضوره على تنورتها القصيرة البنية. كشفت شفتاه عن ابتسامة سخرية، أطرق وقال:

-لم أكن أريد أن أفزعك، بالرغم من أن شوقي إليكِ يُفزعني كل ليلة.

-كيف دخلت إلى هنا؟

-رماني الشوق!

ابتسمت في استسلام، ثم توجهت باتجاه النافذة، قالت:

-من يوم أهديتني ذلك العصفور وهنالك أمورٌ غريبةٌ تحدث، أرى كل يومٍ أطلقه فيه من قفصه حيوانًا مُخوزقًا على إحدى الأغصان.

ضحك ملء أشداقه، لم تكن ضحكةً تشي بالسعادة، كانت ضحكةً مُفعمةً بالازدراء. لم يكن “حسام” يضحك ليزدري “غيداء” نفسها، وإنما كان يضحك ازدراءً للوجود بأكمله. في كل صباحٍ حينما يستيقظ، يجتاحه ازدراءٌ عميق، ويشعر برغبةٍ جامحة في أن يبصق، إلا أنه لم يكن من المناسب لكائن في كماله أن يبصق، فكان يضحك عوضًا عن ذلك.

قاطعته:

-ستسمع أمي أيها المجنون!

اقترب منها بدعة، مدّ إليها ذراعه المفتول وطوّق جيدها، حاصرها بعينيه العسليتين مُبتسمًا، قال:

-وكيف لعصفورٍ في مثل هذا الجمال أن “يخوزق”؟

-أنا التي أسألك. من أين أحضرته على أي حال؟

-من أمريكا الشمالية، ليس من المسموح الإتجار بهذا النوع من العصافير فهو يقترب من الانقراض، ولكنه راقني.

-ولماذا هذا العصفور بالذات؟

ابتسم كمن سيصرّح بسر قضية:

-عصفور الصرد الرمادي، عصفور مغرد، ذو صوتٍ عذب، ومنظرٍ خلّاب.. يا إلهي! انظري إلى ريشه الأشهب، أنصتي إلى ألحانه المُفعمة بالشجن! من يظن أن كائنًا بمثل هذا الجمال لديه هو أيضًا سره الوحشي؟

أراحت رأسها على صدره، كان من عادتها أن تقتنص أي لحظةٍ لتعيش فيها فيلمها الخاص، كانت تُحاكي كل ما تراه على الشاشة. لم تكن ترى أنه ينبغي على الأفلام أن تُحاكي الواقع، بل نحن من علينا أن نُحاكي السينما، فالواقع، في نظرها، أبشع من أن يُحتمل بلا خيال. سألت في صوتٍ رومانتيكي سارح:

-وما هو هذا السر؟

أحست بصدره ينتفض إثر ضحكةٍ خفيتة، قال:

-إنه هو من “يُخوزق”.

رفعت رأسها باتجاهه مبتسمة، فتراءى لها رافعًا هامته، مُرسلًا بصره باتجاه الأغصان وما تخترقه من حيوانات، انسلت من بين يديه مُسرعة:

-أنت مجنون!

-وما العالم إلا ضربٌ من جنونٍ ياعزيزتي! وما العالم إلا ضربٌ من جنون!

أمسك بعضديها وضمّها إليه، أردف:

-أوليس حُبنا هو الآخر جنون؟

أطرقت. علّق سبابته في ذقنها رافعًا رأسها، واقترب منها معتزمًا تقبيلها، لكنها وجّهت رأسها في تأنٍ باتجاه النافذة، فوقعت عينيها على “كليلة”، كانت لا تزال تحيك خيوطها. تذكرت التمر في غرفتها، بيد أنها لم تلقِ له بالًا. بقر “حسام” الصمت قائلًا:

-عادةً ما يقضي الصرد معظم وقته مُحلقًا.

-وما الذي يجعله يعود إلى القفص؟

-أحيانًا يضيق المرء بالحرية ويحن إلى سجنه.

صمتت لوهلة، بينما كان يبسط كفه على رقبتها في رقة. قالت:

-هل نحن أحرارٌ ياعزيزي؟

-وبماذا تعيننا الحُرية إن كانوا قد أنشأونا فئرانًا ياعزيزتي؟ نحن نركض وراء الحرية لأننا نهابها، كطفلٍ أبله يجر كرته أمامه لئلا يمسكها. لن نعرف إذا ما كنّا أحرارًا إلّا أن نتوقف عن الخوف.

-كل شيءٍ يدفعنا إلى الخوف، لا أعرف كيف أقول لك كلمةً دون أن أخاف، أخاف تقلّبات القلوب، وانحرافات الأقدار، وانعكاسات الماضي. أخبرني كيف أنتزع من العالم ضمانًا واحدًا؟ أخبرني كيف يؤتمن العالم وكيف يُردّ شرّه! علمني كيف أطمئن.. علمني كيف أعيش!

-لم أتعلم ذلك في صغري ياعزيزتي، لا ولن أتعلمه. ما من شيءٍ في صفّك، أنتِ نفسك في صبوةٍ حارقةٍ إلى تدميرك. فقط لا تأخذي العالم على محمل الجد، ولن يكون الأمر استسلامًا أو ما شابه؛ وحتى إن كان استسلامًا، الا يكون المرء قويًا إذا ما صرّح بضعفه؟

-لا يوجد في هذا العالم من يستحق أن يرى ضعفي!

-الحقيقة أن العالم كلّه يؤمن بضعفك أشد الإيمان!

-إذًا فهو إيمان باطل!

-لا تهربي من نفسك ياعزيزتي، لا تفعلي ذلك، أرجوك!

دفنت رأسها في صدره وجاشت بالبكاء، أفلتها للحظة، وفتح القفص لعصفور الصرد، ثم أعاد ضمّها وشرع في تقبيلها.

انطلق الصرد في الهواء، رفرف بجناحيه، ملأ صدره الصغير بالرياح التي تلفحه، مشّط العُشب بعينيه حتى وقع بصره على فأر صغير، اتجه الصرد صوبه، فأخذ الفأر يركض، وما لبث أن غرس الصرد براثنه في ظهر الفأر فشلّه، ثم هشّم رأس الفأر بمنقاريه، وأخذه بهما فطار به، وخوزقه على إحدى الأغصان.

أرخت رأسها على السرير عارية، أشعلت سيجارة من سجائره، تبددت نشوتها كما يتبدد الدخان، ولم يتبقى سوى نار الذنب تُحيل روحها إلى رماد منثور. لمح الأسى على وجهها ففهم مغزاه، لم تكن أول مرة يرى في عينيها تبكيت الضمير، طأطأت رأسها وقالت:

-كنت أعرف أن نشوتي قصيرٌ عُمرها، ولا أعلم لماذا ألقي بنفسي في العذاب كل مرة.

-أحيانًا يُحلق المرء بلا وجهة، يُحلق فقط توقًا للسماء، فلا يكون إثمه تمردًا على قدره، بل استهزاءً به.

ضمّها إلى صدره العاري، بينما كانت تنظر من خلال النافذة إلى “كليلة” المستغرقة في خيوطها أشد استغراق. وظلّ التمر قابعًا في الغرفة، كتعويذةٍ يستحيل فكّ طلاسمها. تحسس شعرها، قال :

-ربما كانت ياعزيزتي قيمة العذاب في أنك تلقين بنفسك فيه.

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالرحمن خليفة

تدقيق لغوي: رنين السعدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.