تأخذك إلى أعماق الفكر

إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ (4/1): رمسيس الثاني بين افتراء التوراة وردّ التاريخ

رمسيس الثاني وسط الآلهة في معبد الرامسيوم
0

لقد تناسينا تاريخنا فنسينا أصولنا في مقابل الأساطير والأوهام التي روّج لها ذوو المصالح الكُبرى، الذين استغلوا جمودنا وكسلنا الفكري وخوفنا من البحث والتدبر لكشف الحقائق، فبسبب الوهن الحضاري الذي صرنا غارقين فيه، تمكّن اليهود من بث تلك الفكرة عن كون الفرعون العظيم “رمسيس الثاني” هو فرعون الخروج، فقد تم التلاعب بالنص القرآني في غفلةٍ منّا ودهاءٍ منهم رغم وضوحه حول تلك النقطة وعدم ذكره لاسم رمسيس أو لأي فرعون آخر، وإن كان هو بالفعل فرعون موسى كما صدق العوام وجعلوا من تلك الأكذوبة إحدى الثوابت فلمَ كل هذا الفخر بتماثيله وبمعابده!

– وهكذا ظلّ الكيان اليهودي يروج لمزاعمه العقيمة تلك على أوسع نطاق، لتُكلل بفيلمهم الآخير “خروج؛ الآلهة والملوك” حيث تناول الرؤية التوراتية لقصة “موسى” النبي، والذي إذا قارناه بتاريخنا الحقيقي -الذي لا وجود فيه لليهود من الأساس- سندرك أن المراد منه تشويه حضارتنا العريقة لصالح من لا هوية لهم.

فرعون موسى من خلال المنظور التوراتي:

مثلما يستند اليهود على القرآن في مزاعمهم بدون وجه حق وبدون دلائل كافية معتمدين فقط على أن نقطة ضعفنا هي تأويل الدين والتدين به، سأعتمد أنا أيضًا على الطرح التوراتي كجزء من ردي.

استنادًا إلى التوراة، فإن الأمر يبدأ بـ”حديث العليقة”، حينما كشف “يهوه” الرب عن نفسه متحدثًا إلى موسى على جبل “حوريب”، وأمره بأن يطلب من فرعون السماح له هو وكل العبرانيين من الشعب بالخروج إلى الجبل للتعبد، وأخبر الرب موسى بأنه قد أغلظ من قلب فرعون وأتباعه لكي يضرب بمعجزاته بينهم ليكونوا عبرة للأجيال العبرية القادمة عن نسل موسى، فيدركوا حقيقة الرب وما فعله من أجلهم، وكما طلب الرب فعل موسى وفصح لفرعون عن مبتغاه، فرفض فرعون خروج العبرانيين لمدة ثلاثة أيام ليتعبدوا عند جبل “حوريب”، بل ضاعف من أعمالهم الشاقة لكونهم عبيد، ومن هنا بدأت معجزات الرب المتمثلة في الضربات العشر، والتي أدت إلى سوء وتدهور أحوال مصر بحسب ما تم ذكره في العهد القديم.

إعلان

ضربات مصر التوراتية:

عندما استمر الفرعون التوراتي في عناده وأبى الاستماع لتحذيرات موسى وهارون، انهالت عليه هو وشعبه اللعنات، ففي البداية ضرب موسى النيل بعصاه فتحولت مياهه المقدسة إلى دماء كريهة الرائحة أدت إلى موت كل أسماك النيل، وانتشرت اللعنة وشملت كل مياهٍ عذبةٍ بأرض مصر، وسُميت تلك الضربة بلعنة الدماء.

ثم تلتها لعنة الضفادع؛ حيث أخبرتنا التوراة بأن الضفادع أخذت في الاندفاع من مياه النيل بأعدادٍ مهولة، لدرجة أنها غطت كل جزء في مصر ودخلت البيوت واستوطنتها.

أما اللعنة الثالثة فتُعرف بلعنة البق؛ حيث خرجت ملايين الحشرات من البق من رمال أرض مصر وغطت الأرض بأكملها، وعلى الرغم من المعاناة الشديدة التي تعرض لها كل كائن حي بسبب تلك اللعنة، إلا أن فرعون موسى لم يهتم واختار أن يبقى على عناده، وصمم على إبقاء بني إسرائيل مستعبدين.

– في الضربة الرابعة قامت الحيوانات البرية باكتساح البلاد، وكانت في حالة من الهياج وتدمير كل ما يعترض طريقها.

ثم تأتي لعنة الطاعون، وهي اللعنة الخامسة؛ حيث أرسل “يهوه” طاعونًا أهلك كل حيوانات المصريين المستأنسة وحيوانات الحقل، لكن الأمر الذي أشعل الحسرة في قلوبهم هو عندما شهدوا اللعنة وهي تقضي على حيواناتهم المقدسة أيضًا.

كانت اللعنة السادسة مروعة بحق؛ حيث أمر الرب موسى بأن يتناول السُخام من الأفران وينثره لأعلى نحو السماوات، وهكذا فعل موسى، فانتشرت الدمامل على جلود كلٍ من البشر والحيوانات بكل أرض مصر.

الضربة السابعة هي لعنة إنزال البرد والنار

حيث اجتاحت مصر عاصفة من البرد، وبحسب المعتقد التوراتي لم يكن في عنفها مثيل، فاقتُلعت الأشجار من جذورها وكان صوت الرعد يصم الآذان، أما البرق لم يشعل السماوات فحسب بل تمادى وضرب الأراضي، فاشتعلت بالنيران وأصبح كل ما عليها خراب.

في الضربة الثامنة هبّت على مصر رياح شرقية حملت معها أسرابًا من الجراد، وتخبرنا التوراة أن أعدادها كانت كبيرة لدرجة أن الشمس حُجبت، وأخذ الجراد يلتهم كل ما هو أخضر كان قد تبقى ونجا من اللعنة السابقة.

ووقعت الضربة قبل الأخيرة، وهي لعنة الظلام؛ حيث اجتاح الظلام مصر وظلت هكذا في العتمة لمدة ثلاثة أيام.

ثم ضرب “يهوه” مصر باللعنة العاشرة والأخيرة “موت البكور من المواليد”

حيث مات كل أول مولود في البلاد ابتداءً من فرعون موسى وحتى العبيد، وهنا سمح فرعون لبنى إسرائيل وعلى رأسهم موسى بالخروج تمامًا من مصر.

بين كل لعنة وأخرى كان فرعون أحيانًا يهرع لموسى وهارون ليطلب منهما أن يُصليا لربهما ليرفع بلاءه في مقابل أن يسمح لكل العبرانيين بالخروج، وعندما تنزاح اللعنة كان ينكث عهده في كل مرة، حتى قامت اللعنة الأخيرة بكسر شوكته، وسمح لليهود بالرحيل النهائي، والذين كانوا قابعين في أرض “جوشن” -التي لا وجود لها في التاريخ المصري القديم-، ومحصنين من كل اللعنات التي ضربت أرض مصر، حتى خرجوا منها بعد أن عاشوا بها ما يقرب من 430 عامًا.

هكذا هي التوارة؛ لا تزيد عن كونها قصص مسلية لا علاقة بها بالمنطق أو بالدلائل التاريخية، فهي تخبرنا أن اليهود خرجوا من مصر في عام 2448 ق.م، لكن ماذا يخبرنا التاريخ عن الفرعون “رمسيس الثاني” وما هو الدليل الثاني الذي اعتمدتُ عليه في ردي؟

بماذا يخبرنا التاريخ؟

“رمسيس الثاني” هو ثالث ملوك الرعامسة (الأسرة التاسعة عشر)، استمر عهده لمدة 66 عام، وبهذا يكون صاحب ثاني أطول فترة حكم في التاريخ المصري القديم.

-تولى رمسيس حكم مصر من 1279 إلى 1213ق.م، وهو التاريخ الذي إذا قارناه بتاريخ خروج العبرانين الذي ذكرته سابقًا سنجد أن الفارق بينهما واضح كفاية ولا يحتاج لأي تفسير، ويعتبر دليل قوي للرد على كافة الادعاءات، أما الدليل الثاني وهو الإنجازات التي وصلتنا عن فترة حكمه والمتمثلة في الآثار، فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أردنا معرفة مدى ازدهار حقبة زمنية معينة يجب أن نعود لآثارها كمصدر، وهذا ما أجمع عليه علماء الآثار بشكل عام والمصريات بشكل خاص، فإذا قمنا بتسليط الضوء على آثار “رمسيس الثاني” نجده يتمتع بقدر كبير من الرخاء، فإلى جانب أنه كان محاربًا عظيمًا له فتوحات وانتصارات حربية عديدة إلا أن عددًا كبيرًا من الآثار تُنسب له.

مظاهر الرخاء والازدهار في عصر “رمسيس الثاني”:

١- أتم معبد والده “سيتي الأول” القائم بأبيدوس

يعتبر معبد “سيتي الأول” أحد أهم المصادر عن الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في مصر القديمة، بالإضافة إلى أن الطريقة التي نُفذت بها نصوصه تُعبر عن أزهى مراحل الفن الفرعوني، والرسومات المنقوشة على جدرانه لا تزال تنبض بالحياة حتى يومنا هذا، وينتمي للمعبد واحدة من أهم قوائم الملوك المعروفة بـ”قائمة أبيدوس”، ومن أهم المناظر التي تميزه هو رسم يُتوج فيه الرب “أوزوريس” ومن حوله يقفنَ كلٌ من: ماعت وإيزيس ونفتيس ورنيت، كما أن الطريقة التي وُضع بها تصميم المعبد فريدة من نوعها، فقد صمم على شكل حرف (L)، ويضم المعبد ستة مقاصير: واحدة للملك سيتي الأول والستة الباقين للآلهة: إيزيس- أوزوريس- آمون- حورس- رع- بتاح- رع حور آختي.

٢- استكمل بناء معبد الكرنك الذي بدأه جده “رمسيس الأول” في الأقصر

أضاف “رمسيس الثاني” للمعبد بهو الأعمدة الشهير، حيث تصل مساحة البهو إلى 5.000م2، ويضم 16 صف من الأعمدة الحجرية الهائلة التي يصل عددها إلى 134 عمود، فضلًا عن صفّي الأعمدة المركزية والتي تتميز بكونها الأعمدة الأكبر حجمًا في القاعة، فيصل ارتفاع كل عمود بهما إلى 24 مترًا.

٣- إنشائه لمعبد “الرامسيوم”

في النوبة بالقرب من السودان قام “رمسيس الثاني” ببناء أعظم إنجازاته البنائية وهو معبد “أبوسمبل”، ويعد “الرامسيوم” تحفة فنية يندهش لها العالم حتى يومنا هذا، لأنه نُحت بالكامل في الجبل على ارتفاع هائل يصل إلى 20 متر، ويحرس ذلك المعبد الجنائزي 6 تماثيل ضخمة، يصل طول كل تمثال منهم إلى عشرة أمتار ونصف المتر، اثنين من تلك التماثيل يمثلون زوجته الجميلة الملكة “نفرتاري” وأربعة منهم يمثلون “رمسيس الثاني”.

و عندما كان المعبد قائمًا في مكانه الأصلي وقبل أن يتم نقله بواسطة هيئة اليونسكو كانت الشمس تتعامد على وجه رمسيسنا مرتين في العام، فعلى حسب التصميم الهندسي الدقيق والمميز الذي بُني عليه الرامسيوم ليتناسب مع حركة الأفلاك، كانت أشعة الشمس تنير وجهه في يوم مولده 21 فبراير، ويوم جلوسه على العرش 21 أكتوبر، أما الآن بعد عملية نقله، أصبحت الشمس تتعامد على وجهه في يوم 22 لكلٍ من فبراير وأكتوبر.

٤- مسلة رمسيس الثاني في باريس

لكن أشهرهم هو زوجين من المسلات ينتميان إلى الصرح الأول من معبده في الأقصر، وتم نقل إحداهما إلى باريس في 10 مايو 1833م، لتتوسط ساحة الكونكورد في 25 أكتوبر من نفس العام، ليشاهدها الملك لويس الأول ولتضيف إلى باريس بهاءً على بهائها، فالمسلة من الجرانيت الأحمر وطولها 22.5 مترًا وتزن 227 طنًّا.

٥- عاصمة جديدة لمصر القديمة

أنشأ رمسيس في عهده عاصمة جديدة للبلاد وهي مدينة “بر-رمسيس” والتي تقع داخل منطقة الدلتا الشرقية، لتصبح ثالث عاصمة تشهدها مصر القديمة منذ توحيد القُطرين.

وتميزت “بر-رمسيس” بزخارفها المبهرة والفخمة من أحجار الفيروز واللازورد، وكيف أنها تناسبت مع الطبقتين الملكية والبيروقراطية، همَّ رمسيس ببنائها في عامه الثاني من الحكم وانتهى منها في عامه العشرين، واهتم كثيرًا بأن تضم معابد الآلهة المصرية، كمعبد الإله “آمون” والإله “بتاح”، واستمرت العاصمة في ازدهارها من بعد وفاة رمسيس الثاني لمدة عشر سنوات.

وذلك كان عرضًا بسيطًا لأشكال الازدهار في عصر الفرعون العظيم “رمسيس الثاني”، فإن كان هو الفرعون التوراتي، وإن كان عهده لا يميزه سوى اللعنات المميتة والغضب الإلهي كما تزعم التوراة، فمن المستحيل أن يكون عصره بتلك العظمة التي لم تشهدها أي حضارة أخرى، لم ينتهِ ما في جُعبتي من دلائل ومقارنات، وكذلك حديثي، فللحديث بقية.

مصدر حديث العليقة طبقاً للتوراة

مصدر الضربات العشر التوراتية 

تاريخ خروج اليهود من مصر بحسب التوراة
آثار رمسيس الثاني

معبد أبيدوس
معبد الكرنك

الرامسيوم

مسلة رمسيس في باريس

بر_رمسيس
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...