إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ (2/4): رمسيس الثاني بين ادعاءات المتأسلمين ورد التاريخ

في مقالي السابق قارنت قصة رمسيس الثاني بين التوارة والتاريخ المُعتدى عليه وعرضت عليكم مصادري التي اعتمدت على ترجمتها لكي أنقل لكم الصورة بشكل جليّ، وهي الرجوع لتاريخنا وإخضاعه للتحليل والاستقصاء لاستنتاج الحقيقة الأكثر قربًا للعقل والمنطق، أما في مقالي الذي هو بين أيديكم الآن لن ألجأ فيه للنفي، بل سأستمر في طريق الإثباتات والدلائل التي أنهيت بها الجزء الأول وسأستشهد بالطرح القرآني لذلك.

فرعون موسى من خلال المنظور القرآني:

لقد ذكر القرآن اسم فرعون 74 مرة في 27 سورة، ليقص علينا بذلك أساطير الآولين الخاصة بموسى النبي وفرعونهُ لكن في الحقيقة لقد لفتت انتباهي آية محددة وفاصلة في ذلك الأمر رغم بساطتها، فقال تعالى في كتابه:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)سورة القصص”

الآية توضح لنا عدم قدرة فرعون وامرأته السيدة “آسيا” على الإنجاب وذلك لقولها “لي ولكَ” فهي لم تقل (لي) والتزمت الصمت، بل أرادت تبنّي موسى الطفل حتى يكون ابنًا لها هي وزوجها، تلك الآية بالنسبة لي كانت بداية لأبحاث مُكثَّفة حتى أصل لردّ منطقي لكل هرطقات المُدّعين من الدُعاة الذين ساعدوا في نشر أكاذيب من ظلموا تاريخنا في محاولة منهم لإثبات إعجاز القرآن كما لو أنه لا يزال في حاجة لإعجاز! غير مدركين في محاولتهم تلك أنهم يساهمون في أبشع جرائم الإنسانية ألا وهي محو الهوية.

التأويل في ظل غياب التفسير:

الآية السابق ذكرها لم تعطِ لها كتب التفسير الأهمية اللازمة ولم يُفرد لها الصفحات الطوال لا لشيء أكثر من وضوحها كالشمس، إلا أن المُدّعين أعجبتهم الهرطقات المتداوَلة لاعتبارهم أن حضارة مصر القديمة ما هي إلا كفر بَيّن، ومع جهلهم بحقيقة تاريخنا بالإضافة إلى عدم انتباههم لتلك الآية ظلوا يبثون سمومهم في العقل الجَمعي من خلال خُطب الجمعة والدروس الدينية في الزوايا الصغيرة التي تشكل كارثةً لخضوعها لأهواء أصحابها، والتي تحولت تدريجيًا لثوابت راكدة متوارثة يأبى أفراد المجتمع المساس بها أو حتى إعمال ذلك العقل الذي صار الخوف مسيطرًا عليه.

لا أنكر أني كنت في مرحلة ما أشارك في ذلك الركود بسبب تعليمنا الذي يُصدر لأبنائه كل ما ليس له علاقة بالحقائق أو المنطقية، ولكن بعد انفتاحي على عالم الكتب والدراسة التاريخية التي مكنتني من الفهم فأدركت أنه من اللازم أن يكون لي عقلي الخاص وأن أرفض كل الأكاذيب التي تدّعي أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى، و أنا لا أرفض لمجرد الرفض أو التعنيف أن أرفض بالدلائل التاريخية المثبتة بالفعل.

إعلان

بماذا يخبرنا التاريخ؟

كما وضحت لكم سلفًا بالدليل القرآني أنّ فرعون لم ينجب ولم يكن له سوى زوجة واحدة أيضًا، إلا أن تاريخنا له رأي مخالف فيما يخص “رمسيس الثاني”، فقد كان رمسيس متعدد الزيجات ويُنسب له ما يقارب المائتين زوجة منهن الشرعيات الملكيات، ومنهن الثانويات غير الشرعيات (المحظيات)، وعلى حسب وصف المؤرخ والباحث البريطاني (كينيث كيتشن) لهُ فإن حياته كانت تتمحور حول الصيد والرماية والسيدات، و تؤكد لنا المصادر التاريخية أن زيجاته المتعددة تلك نتج عنها عدد هائل من الأبناء، لكنها لم تكن دقيقةً في عددهم بشكل كافي، فمصادر تخبرنا أن له 100 ابن منهم 52 معروفين، ومصادر ترجّح أنهم كانوا 162، منهم 96 ابن و60 ابنة، ووفقًا لمصادر أخرى فيُنسب إليه 111 ابن و51 ابنة.

أشهر زيجات “رمسيس الثاني”:-

  • أول زوجة ملكية:-

كانت أولى زيجات رمسيس الثاني في أثناء مشاركته للحكم مع والده “سيتي الأول”، حيث تزوج من الملكة “نفرتاري” في بدايات عهده لتصبح بذلك الزوجة الرئيسية.

كانت “نفرتاري” بالغة الجمال وأحبَّها “رمسيس” بشكل كبير حيث رافقته في معظم المهام الدبلوماسية، وكان يحب استشارتها فيما يخص أمور الحكم و البلاد، وكان يظهرها بشكل دائم إلى جانبه ويفتخر بها كما رأينا في معبد “الرامسيوم”، وقد وصف “رمسيس” محبوبته الجميلة قائلًا: “نفرتاري التي تسطع الشمس لأجلها.”

رسم جداري يبرز لنا مدى تناسق و جمال ملامح “نفرتاري”

انتقلت نفرتاري إلى عالم الموتى في وقت مبكر من عمرها، فقد توفيت في العام الرابع والعشرين من حكم زوجها أي في عام 1255ق.م، ومقبرتها في وادي الملكات من أعظم وأهم المزارات السياحية في مصر على الإطلاق وذلك لنقلها لنا أعظم مظاهر الفخامة الدينية المُستقاة من العقيدة المصرية القديمة في عصر الدولة الحديثة.

رسم جداري من مقبرة “نفرتاري” يصور لنا الربة “حتحور” وهي تصطحبها للعالم السفلي.

وقد أنجبت “نفرتاري” ما يقارب السبعة أولاد، منهم الأميرتين “ميريت آمون” و”نبت تاوي” اللاتي تزوجهن رمسيس فيما بعد ليصبحن زوجات ملكيات ولكي يضمن استمرار الدماء الملكية كما هو متعارف عليه في حضارة مصر القديمة، بالإضافة إلى وريث شرعي يدعى “آمون حور خبشف” والذي مات في سن صغير.

  • ثاني زوجة ملكية:-

اتخذ رمسيس زوجة ملكية ثانية له وهي “إيزيس نفرت” أو”إست نفرت”، التي لم تكن بنفس جمال “نفرتاري” ولكنها كانت على قدر عالِِ من الدهاء والحيلة.

تمثال نصفي للملكة “إيزيس نفرت”.

حيث تحكمت بكل مقاليد الأمور في مصر القديمة، وأبناؤها كان لهم النصيب الأكبر من النفوذ، فمن أشهر أبنائها الأميرة “بنت عنتا” التي تزوجها رمسيس لكي ترتقي لمستوى الزوجة الملكية، وأنجبت ايضًا وريثًا للعرش يدعى “خعمواس” الذي اهتم بترميم المعابد ودراستها واهتم بالكتابة والنقوش الهيروغليفية ووضع تصميم معبد “السيرابيوم” في صحراء سقارة. أما أشهر أبنائها على الإطلاق هو “مرنبتاح” الذي خلف أباه على العرش مع أن ترتيبه كان الرابع عشر إلا أنه قُدر له الحكم بعد رمسيس لموت أشقائه.

 العثور على المقبرة المفقودة لأبناء “رمسيس الثاني”:-

صورة للمقبرة الخامسة بوادي الملوك الخاصة بأبناء “رمسيس الثاني”، وكما هو واضحٌ المدخل على اليمين.

كيف تم اكتشافها؟

تم اكتشافها في عام 1987 على يد عالم المصريات “كينيت ويكس”، والذي كان مسؤولًا آنذاك عن مشروع رسم خريطة الآثار في “طيبة” عاصمة مصر القديمة.

استمر التنقيب من وقتها حتى عام 1994، وكان فريق البحث غير مدرك لِما قد يكتشفه بسبب أطنان الركام الناتجة عن اكتشاف مقبرة “توت غنخ آمون” من قِبل العالم “هوارد كارتر” في سنة 1922 بوادي الملوك، فلأنه كان على شَفا اكتشاف عظيم؛ خدعهُ مدخل المقبرة الخامسة الصغير وظنّ أنها ليست بشيء كبير، وأمر بإزاحة ركام المقبرة المُكتشَفة إلى مدخل المقبرة الخامسة والتي تبعد عنها على نحو 70متر، بالإضافة أيضًا إلى الفيضانات والسيول التي تعرضت لها منطقة الجبانة الخامسة مما زاد من الركام ودُفنت المقبرة بالكامل.

صورة توضيحية لمدخل المقبرة الخامسة.

دخول الجبانة بعد أعوامِِ من البحث والتنقيب:-

– لكن في العام التالي أي في 1995، استطاع فريق البحث اختراق المدخل المؤدي إلى المقبرة وقاموا بالكشف عن الغرف الأولى لها التي احتوت على الآلاف من قطع الفخار والتماثيل والمجوهرات، وعندما كشفوا عن الجدران وما تحمله من رسوم ونقوش هيروغليفية، وجدوا أسماءً لأبناء “رمسيس الثاني”، وبذلك أصبح لديهم فكرة عن حجم الكشف الذي بين أيديهم.

أحد نقوش جدران المقبرة الخامسة.

ما السبب الذي جعلها مميزةً وفريدةً عن أي مقبرة أخرى؟:-

مسقط أفقي للجبانة الخامسة.

-على حسب وصف مُكتشفها الدكتور ويكس فتلك الجبانة لا تشبه أي جبانة أخرى حتى الآن، فمعظم الجبانات تتكون من عدد صغير من الغرف وتكون صغيرة الحجم، لكن الجبانة الخامسة البالغة من العمر ثلاثة آلاف عام تحتوي على 80 غرفة وتوجد سلالم تؤدي إلى قاعة مركزية تحتوي على 16 عمودًا.

مسقط جانبي للجبانة الخامسة.

وبعد عبور القاعة وجدوا سلالمَ أخرى لممرين يحتوي كل منهما على 20 غرفة أصغر وتمثال لرب العالم السفلي “أوزوريس”.

رسوم جدارية لأحد ممرات الجبانة الخامسة.

و بحلول عام 2006 تمكن فريق البحث بتحديد عدد الغرف حيث وصلوا إلى 130 غرفة، لكن البحث لن يتوقف عند ذلك الحد فلا يزال هناك العديد من الأسرار التي تخبئها لنا تلك المقبرة.

مسقط رأسي للجبانة الخامسة.

كشفت لنا المقبرة الخامسة عن 52 ابنًا وابنة من أبناء رمسيس مما يدل على أن هذا الضريح كان مخصصًا لعائلة فقط لا غير، وربما لم تكشف المقبرة عن ثروات هائلة مثلما هو الحال مع مقبرة “توت عنخ آمون” لكنها نقلت لنا معلومات وفيرة وكافية لدراسة نسل “رمسيس الثاني”، فإن جثة ابنه “آمون حور خبشف” لا تزال في حالة جيدة فكان من السهل دراسته، لكن الأبحاث عليها لا تزال مستمرةً حتى يومنا هذا.

ولا يزال حديثي أنا أيضًا مستمرًا، فللحديث بقية.

المصادر
زوجات رمـسيـس الـثاني 
أبناء رمـسيس الثاني
المقبرة الخامسة

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا