تأخذك إلى أعماق الفكر

أحلامٌ لم تعد على قائمة الانتظار

هل جربت قط أن تحلُم وأنت مستيقظ، أن تشاهد حلمك أمام عينيك وتعي كل ما يدور به، ترسم كل تفاصيله بأناملك كأنك رسام يرسم بريشته لوحته الفنية، تتحكم في مسار أحداثه وكأنك مُخرج يحدد بعصاه ملامح عمله الإبداعي، تضمه بقوة بين ذراعيك وكأنك لن تفلته أبدًا، تشعر به بكل حواسك وتلمسه بيديك كما لو كان حقيقيًا! تنسى معه كل مآسي حياتك وتهرب إليه من مصاعبها وكأنه ملاذك ومخبأك الوحيد!

يدعوها البعض أحلام اليقظة؛ لأنك تحلُم وأنت مفتوح العينين وتشعر بكل ما يدور حولك، أما الآخرون فيدعونها هلاوس وتهيؤات؛ لأنها في نظرهم مجرد سراب هلامي لا وجود له، ننخدع بها مثل التائه في الصحراء الذي يرى نبات الصبار وكأنه بئر ماء، ولكني أدعوها مسكنات الحياة التي نلجأ إليها هربًا من أحزاننا وأوجاعنا، فبها تطيب الحياة وتحلو وبدونها تغدو روتينية، مملة وكئيبة لا متعة فيها ولا “حياة”! البعض يكفيه القليل منها، هو فقط يلجأ إليها عندما تهاجمه أمواج اليأس ويحتاج لما يذكّره بأن في تلك الحياة ما يستحق أن يُحارب لأجله، أما الأخرون وأنا منهم يحتاجون إلى الكثير والكثير منها لتستمر حياتهم، فهي بالنسبة لهم بمثابة الوقود الذي يدفعهم إلى الأمام ويعينهم على الاستمرار والمضي قدمًا.

جميعنا نحلم، جميعنا نتخيل أشياءً نتمنى لو تحدث يومًا، للبعض قد تكون كثيرةً لا تُعد ولا تحصى، وللآخرين قليلةٌ قد تُعد على أصابع اليد الواحدة، عاديةٌ هي نتداولها علنًا أمام الجميع، أو محظورةٌ نخفيها سرًا عن أقرب الناس إلينا، متواضعةٌ قد تتحقق بين ليلةً وضحاها، أو مستحيلةٌ قد تنتظر عمرك بأكلمة لتراها تتحقق، وقد تموت وأنت تحاول. ليس المهم كم عدد أحلامنا أو طبيعتها، المهم أننا جميعًا نمتلك أحلامًا نسعى لتحقيقها، ونبذل الغالي والنفيس لنراها تكبر أمام أعيننا، ونصل إلى اللحظة التي نشعر أننا أدّينا الرسالة التي لطالما حاربنا لأجلها.

مثل الجميع امتلأت جعبتي بالكثير من الأحلام، كانت لدي قائمة كبيرة لا تُعد ولا تحصى منها، كنت وما زلت أقضي وقتي في تخيلها، وأبتسم تلقائيًا إذا فكرت ولو للحظة في كيف ستصبح حياتي إذا كنت سعيدة الحظ وتحقق أيٌ منها، أُفضل دومًا أن أحلُم وأنا مفتوحة العينين، وكأن ذلك يقربني من أحلامي أكثر وأكثر ويشعرني بواقعيتها وبكونها ممكنة الحدوث، وربما أيضًا لأنها تعوضني عن أحلامي وأنا نائمة، والتي لا أتذكر تفاصيل معظمها، وما أتذكره منها يدور حول رسوبي في مادة الرياضيات أو تأخري عن موعد لجنة الامتحان أو ركض حيوانات مفترسة ورائي دون سبب!

أحلامي لم تكن يومًا مستحيلةً ولا حتى صعبة الحدوث، أو هكذا كنت أظن! كنت أكرر كثيرًا جملة “عندما أكبر سوف أفعل كذا، وسوف أصير كذا …”، كنت أحلم أن أكون مراسلةً رياضية بسبب ولعي وشغفي بكرة القدم، كنت اتخيل نفسي دومًا وانا أُجري اللقاءات مع اللاعبين في أرضية الملعب، أطرح عليهم مئات الأسئلة التي يتمنى الجمهور أن يسمع أجوبتها، والتي ستكون بالطبع أعمق بكثير من تلك التي تدور حول شعورهم عند المكسب وهل حزن أيًا منهم لخسارة فريقه؟ وما على شاكلتها من تلك التساؤلات التي تثير الأعصاب، نعم سأكون الأولى في مجالي هذا وسأجعل الجميع يتحدث عن الفتاة التي تفوقت في مجالٍ تم تصنيفه بأنه للرجال فقط، وسأغير الفكرة التي لطالما روّجها البعض عن أن كرة القدم لا تصلح للبنات.

إعلان

كنت أُحلم أيضًا أن أعمل بالراديو، ففي فترات الثانوية العامة والحصار الأسري الذي تم فرضه من قبل الأهل كان الراديو رفيقي الوحيد، كنت أستمع إليه على الدوام وأتابع برامجه بشغف، ومن هنا لمعت الفكرة في عقلي، تمنيت أن أصبح مثلهم يومًا؛ لي برنامجي الخاص الذي ينتظره الجميع ويستمعون إليه من كل أنحاء الوطن، ومع طبيعتي البشرية الخجولة اعتبرت أنها ستكون الوظيفة المناسبة لي، ولشغفي بقراءة الكتب اخترت أن تكون فكرة برنامجي عن هوايتي تلك، حددت اسم البرنامج وتفاصيله، تخيلت نفسي وأنا أستلم الجوائز عن برنامجي الذي سيكون الأفضل وابتسمت للحظات.

أحببت الإعلانات أيضًا، كنت أمتلك “مفكرة” صغيرة أدوّن فيها دومًا أفكارًا لحملات إعلانية، وخصوصًا في مجال المرأة الذي أحب الكتابة فيه، كنت أتمنى أن أكبر لأراها تتحول من مجرد أفكار محبوسة داخل “الدرج” إلى حملات حقيقية واقعية يقرأ الجميع اسمي عليها لأشعر وقتها بلذة الزهو والفخر.

بدأت أولى خطواتي الفعلية في تحقيق أحلامي بدراسة مجال الإعلام باعتبارها البوابة التي سأعبر من خلالها نحو تحقيق الحلم الأكبر، ظننت أنني قطعت الشوط الأصعب، وأن القادم سيكون أسهل بكثير في تحقيق أيٍ من أحلامي تلك، ولكن هيهات!

كنت صغيرةً وقتها وأفكر بسطحيةٍ تامة، فقد كنت أظن أن العمر هو العائق الوحيد الذي يمنعني من تحقيق أحلامي، فبمجرد أن أكبر ستتحقق جميعها وسأجدها تنمو أمام عيني مثل الزهرة المتفتحة، كنت أتحدى الجميع أنه مهما قابلت من صعوبات واعترض طريقي آلاف الأشخاص ممن سيحاولون اغتيال أحلامي وإجهاضها فلن أستسلم أبدًا أو أتنازل عن أحلامي، وسأظل أحارب دفاعًا عنها حتى النفس الأخير. كنت أضحك على هولاء الذين تعتريهم نوبات اليأس ويفقدون صبرهم وينسون أحلامهم في غمرة الحياة، كنت أظن أنني لن أصبح مثلهم يومًا وسأتشبث بأحلامي مهما كان الثمن.

لكني كبرت بما يكفي لأفهم حقيقة الأشياء، كبرت لأفهم أن العمر وحده ليس العائق الذي يفصلني عن تحقيق أحلامي، ولكنه قد يفصلني عن معرفة صعوبة أو ربما استحاله تحقيقها، كبرت لأجد في طريقي مئات المعوقات التي أجهضت أحلامي وخنقتها بعد أن كانت تتنفس بحرية، ومئات الأيادي التي زرعت أشواكًا في حديقة أحلامي وسدَّدت مئات الطعنات الغائرة إليها لتوئد أي محاولة لتحريرها، تعلمت أنه ليس هكذا تدار الحياة؛ فلا يكفي أن تحلم وأنت مستلقٍ على ظهرك لتتحقق أحلامك، فنحن لا نمتلك مصباح علاء الدين الذي بمجرد ما يتم تحريكه يمينًا ويسارًا سيظهر جني الأمنيات ليحقق لنا أحلامنا على الفور، بل عليك أن تجتهد وتبذل الكثير لتراها تتحقق، وربما حتى وإن فعلت قد لا تكون سعيد الحظ كفايةً لتراها أمامك، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ومئات الأحلام تنكسر على صخرة الواقع الأليم كل يوم، فالحياة ليست دومًا عادلة، ولا تعطينا ما نظن أننا نستحقة بل ما تظن هي أننا نستحقة!

علمت أيضًا أن العمل في وظيفة أحلامي ليس أمرًا سهلاً على الإطلاق، بل في غاية الصعوبة لكثيرٍ من الأسباب، ربما لأنني لست مؤهلةً بالقدر الكافي لشغل الوظيفة، أو لأنها ستحتاج السفر خارج نطاق معيشتي والأهل سيعارضون ذلك بالتأكيد، أو لأن ما سأكسبه منها ربما لا يزيد عن بضع نقود قليلة لا تسمن ولا تغني، أو لأنني لا أمتلك “واسطة” قوية من النوع الذي قد يدفع بك إلى الوظيفة بغض النظر عن مؤهلاتك وخبرتك وغيره، ولكنني تعلمت التأقلم، وأن كل وظيفة أجد نفسي مرتاحةً بها حتمًا ستكون وظيفة أحلامي كما قال كونفوشيوس “اختر وظيفةً تحبها، وبعدها لن تضطر إلى العمل يومًا واحدًا طيلة حياتك”.

أخيرًا تعلمت أن من تخلى عن أحلامه ليس ببائسٍ أو متخاذل، إنما هو شخصٌ قرر النزول إلى أرض الواقع، وبدلاً من البكاء على اللبن المسكوب ولعن الحظ على أحلامٍ أرادها يومًا ولم يصل لها -بل وربما رأى غيره الذي لم يحلم بها قط يحققها- قرر جمع شتات أحلامه والبدء من جديد، فقد ترغمك الحياة على التخلي عن أحلامك أو استبدالها بأخرى “واقعية” تتناسب مع وضعك وظروفك وغيره، وهذا لا يعني أبدًا كونك ضعيفٌ أو متخاذل، فالقوي هو من يبني أحلامه من خلال واقعه، فليس عيبًا أن تبدأ من جديد بأحلامٍ جديدة حتى لو كانت صغيرة في نظر البعض، فمنها ستقودك إلى تلك الكبيرة المثيرة والفاتنة التي تشبه الوجبة الساخنة التي تستقبلك بعد يومٍ طويلٍ شاقٍ ومتعب.

لذلك صرت أتقبل على مضضٍ الواقع، وبقيت أكتب وأكتب، فربما هو الشيء الوحيد المتبقِ لي من أحلامي التي تلاشت ولم تعد على قائمة انتظاري.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.