تأخذك إلى أعماق الفكر

عصر المعلومات وثقافة العناوين

في تجربة لشبكة NBR الإعلامية الأمريكية قامت في أبريل 2014 بنشر مقال بعنوان (لماذا لا يقرأ الأمريكيون)، ذلك المقال حظي آنذاك بآلاف المشاركات والتعليقات وإعادة النشر. لكن المفاجأة كانت أنه يحتوي على سطرين فقط كُتب فيهما: “لقد لاحظنا أن الكثيرين هنا يُعجبون بالمقالات دون قراءتها ويكتفون بعنوانها، فإذا كنت تقرأ هذا فنرجو ألّا تعلق على المقال وألّا تشاركه!”

بعد التطور الكبير والثورة المعلوماتية الجديدة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في العقد الأخير تبدل معنى كلمة ثقافة وأصبح فضفاضًا مميعًا بشكل كبير، فبعد أن كانت الكلمة تدل على نخبة المجتمع بات من الصعب اليوم أن نستخدمها مع أيِِّ كان. ذلك أن الانفتاح المعلوماتي الكبير بكل عظمته وروعته وإيجابياته انطوى -ولا بد- على مخاطر عديدة أبرزها -ربما- إمكانية الاختفاء تحت الأقنعة. وأقصد في هذا المقال بالتحديد قناع الثقافة والعلوم.

إن إتاحة الوصول للمعلومات بسرعة وسهولة -لم يسبقها مثيل في التاريخ- كانت كفيلةً بنفور الناس من الطريقة الكلاسيكية في التعلم، إذ كيف لشخص في هذا العصر أن يجابه تدفق المعلومات المتجددة يوميًا والقضايا المطروحة والاقتراحات الاجتماعية دون أن يلتفت لها؟ كيف له أن يرى الناس في العالم الافتراضي تناقش قضايا لا يعرفها دون أن يجره الفضول نحوها؟

قد يبدو هذا الفضول إيجابيًا، وهو كذلك فعلًا لو كان يتم باتّباع الطريقة الصحيحة. لكن الاطلاع على تفاصيل ملايين الأخبار والقضايا والمحاضرات والحوارات التي تطرح بشكل يومي أمر مستحيل، ناهيك عن الصعوبات التي يواجهها القارئ متدني الثقافة في فهم ما يقدم له، وأيضًا استحالة أن يخاطب الناشرون جميع العقول والأعمار والثقافات. وهذا ما يقود الناس غالبًا نحو الخيار الأسهل، قراءة العناوين. ومن ثم نحو الأسوأ، الاعتماد عليها!

إن آلاف العناوين التي تُنشر يوميًا من مختلف الصفحات والشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي، كفيلةٌ بجعلك مثقفًا وهميًا، فـنعم أنت سمعت عن كل شيء بخطوطه العريضة، لكنك بنفس الوقت لم تعرف أي شيء حقيقةً! هذه المعلومات ومع مرور الأيام ستتراكم في ذاكرتك دون اختبار ولن تستطيع أن تميز مدى صحتها.

وفي المقابل يستطيع الناشرون في مختلف المجالات استغلال هذه الظاهرة، فمن خلال العناوين فقط صار بإمكانهم توجيه جمهورهم فيما لو أحسنوا صياغة الخبر العريض وذلك -غالبًا- بغض النظر عن محتوى الخبر أو المقال.

إعلان

وتبدو آثار هذه الظاهرة واضحةً جليًا في تركيبة مجتمعاتنا خلال العقد الأخير (والمقصود مجتمعات العالم ككل وليس العربية فحسب) إذ نستطيع بوضوح تمييز ظاهرتين تميّزان مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام:

الأولى هي سرعة تبني المواقف والآراء والانجراف مع التيار ومن ثم سهولة الاصطفاف والقَولبة تحت مظلة الجماعات الاجتماعية والدينية والسياسية.

أما الثانية فتتبع الأولى وهي الانقسام الحاد في صفوف المجتمع، فبعدما سرّعت تكنولوجيا العصر تبني المواقف وتبديل الصفوف فإنها قسمت المجتمعات لجماعات ووحدات منفردة، ولكل فرد فيها قضيته الاجتماعية ورأيه الديني ومنهجه السياسي المتبَنّى -عادةً- من دون دراسة وتحت تأثير العواطف.
فالمشكلة إذًا ليست بالتنوع بين أفراد المجتمع -بل هي ظاهرة صحية حقيقةً- وإنما بكمية المعلومات التي يملكها الأفراد حاملو القضايا عن قضاياهم!
ومن غير المُستبعَد إطلاقًا انجراف المراهقين مثلًا نحو الإرهاب أو الجريمة بناءً على مجموعة مغالطات تراكمت عبر السنين خلال تصفحهم اليومي لمواقع التواصل الاجتماعي.

ومما “يزيد الطين بلةً” أن تلك المواقع تعمل على زيادة هذا الشرخ الحاصل، فمن منطلق أنها تعمل على إرضاء زوّارها وإبقائهم يتصفحون لأطول فترة ممكنة، تقوم خوارزمياتها بدراسة صفحاتك المفضلة ومواضيعك المحببة ومتابعاتك ومجتمعاتك و…، وذلك كي تظهر لك فقط ما تهتم به دائمًا، وبالتالي فمن النادر أن تشاهد في العالم الافتراضي خصومك “لو صح التعبير” أي أصحاب الفكر المغاير في أي من المجالات ما لم تقُم بطلب ذلك.

نهايةً إنه من السذاجة إنكار دور وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، وليس المقصود هنا اتهامها، ولكن المشكلة هي طريقة استخدام هاته الوسائل خاصةً فيما يخص الصعيدين العلمي والثقافي، والانتباه إلى ما ننشره ونشاركه وما نتبناه من أفكار وما نحصله من معلومات يوميًا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: بشار منصور

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.