تأخذك إلى أعماق الفكر

إدوارد سعيد “الاستشراق”

Edward Said, Palestinian writer, Modena, Italy, 18th September 2001. (Photo by Leonardo Cendamo/Getty Images)
0

حياة الكاتب إدوارد سعيد [1]

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003)، فلسطينيّ/أمريكيّ، ولد في فلسطين المُنتَدَبة وأصبح مواطنًا أمريكيًّا بوساطة أبيه الجنديّ في الجيش الأمريكيّ. كان دكتورًا في الأدب في جامعة كولومبيا، مُفكِّرًا اجتماعيًّا، ومُؤسِّسًا للميدان الأكاديميّ لدراسات ما بعد الاستعمار.

تعلّم من نخبة النّتاج الثّقافيّ الغربيّ في مدارس إنجليزيّة وأمريكيّة، فوظّف ما اكتسبه ومنظوره الثّقافيّ المزدوِج، لإضاءة الفجوات الثّقافيّة والسّياسيّة بين الغرب والشّرق، بخاصّة الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ في الشّرق الأوسط. تأثّر بشكلٍ رئيسيٍّ بأنطونيو رامسي، فرانتس فانون، إيمّيه سيزير، ميشال فوكو، وثيودور أدورنو.

كونه ناقدًا ثقافيًّا، عرف إدوارد سعيد من خلال كتابه “الاستشراق” عام 1978، وهو نقدٌ للتّجلّيات الثّقافيّة المُؤسِّسة للاستشراق، بمعنى كيفيّة نظر العالم الغربيّ إلى الشّرق. أمّا النّماذج النّصّيّة التّحليليّة لسعيد، فقد بدّلت وجه الحوار الأكاديميّ للباحثين في النّظريّات الأدبيّة، والدّراسات الشّرق أوسطيّة، أي كيفيّة تفحُّص الأكاديميّون الثّقافات المدروسة، ووصفهم وتحديدهم لها.

ولأنّ “الاستشراق” كان نصًّا مُؤسِّسًا، أثار جدلًا مهمًّا في صفوف طلّاب الدّراسات الشّرقيّة، والفلسفة، والأدب. تبعًا لذلك، سنبيّن في بحثنا النّظريّات العامّة لهذا النّاقد حول الموضوع المطروح من دون التّطرُّق إلى النّماذج المُحَلَّلة. إذًا، ما هو الاستشراق، ما دوافعه، وما جدليّة كينونته، من وجهة نظر إدوارد سعيد ؟

إعلان

تعريف الاستشراق

الاستشراق أسلوب تفكيرٍ مرتكزٍ على التّمييز الوجوديّ والمعرفيّ القائم بين الشّرق وفي غالبيّة الأحيان الغرب. وبالتّالي، حشد ضخم جدًّا من الكتّاب، في ما بينهم شعراء، روائيّين، فلاسفة، واضعي النّظريّات السّياسيّة، الاقتصاديّين، والمدراء الإمبراطوريّين أو الاستبداديّين، قد تقبّلوا التّمييز الأساسيّ بين الشّرق والغرب كنقطة انطلاقٍ لنظريّاتٍ مفصّلةٍ موسّعةٍ متطوّرةٍ، لملاحمَ، ورواياتٍ، ووصفٍ أو تصويرٍ اجتماعيٍّ، ولدوافعَ سياسيّةٍ متعلّقةٍ بالشّرق (أي شعبه، عاداته، عقليّته، مصيره)، وهكذا دواليك.

باتّخاذ أواخر القرن الثّامن عشر كنقطة انطلاقٍ فظّة التّحديد، يمكن للاستشراق أن يناقَش ويحلَّل كمؤسّسةٍ متّحدةٍ للتّعامل مع الشّرق كأسلوبٍ غربيٍّ للهيمنة، وإعادة تركيب، وامتلاك السّلطة على الشّرق. لقد وجد إدوارد سعيد من المفيد هنا توظيف نظريّة ميشال فوكو للحوار، كما وصفها في The Archaeology of Knowledge وفي Discipline and Punish، للتّعريف بالاستشراق، وهي باختصار: بسبب الاستشراق لم يكنْ ولن يكون الشّرق موضوع فكرٍ أو فعلٍ حُرٍّ.

بناءً عليه، الحديث عن الاستشراق يعني الحديث بالدّرجة الأولى، إنّما غير الحصريّة، عن مؤسّسةٍ ثقافيّةٍ إنكليزيّةٍ وفرنسيّةٍ، تتّخذ في مشروعها: الهند بأكملها والشّرق، النّصوص والأراضي الدّينيّة، تجارة البهارات، جيوش المستعمرات، وتقليدًا طويلًا من المدراء المستعمرين، مجموعةً تعليميّةً كاملةً رائعةً، عددًا لا يحصى من الخبراء والعمّال الشّرقيّين، هيئة أساتذة شرقيّين، كِساءً معقّدًا من الأفكار الشّرقيّة (الاستبداد الشّرقيّ، العظمة الشّرقيّة، الوحشيّة، الشّهوات الحسّيّة)، الكثير من الطّوائف الشّرقيّة، الفلسفات، والحِكَم المُدَجَّنة للاستخدام الأوروبّيّ- كما تطول وتقصر هذه القائمة بشكلٍ مبهم.

لكن ظاهرة الاستشراق كما يدرسها إدوارد سعيد في كتابه، تتعامل بشكلٍ أساسيٍّ، ليس مع توافُق الاستشراق والشّرق، لكن مع متانة الاستشراق الدّاخليّة وأفكاره حول الشّرق. كما يؤمن أنّ الاستشراق أكثر قيمةً، عند اتّخاذه إشارةً إلى القوّة الأوروبّيّة- الأطلسيّة على الشّرق.

دوافع أو أهداف الاستشراق

لا يملك مصطلح الشّرق ولا مبدأ الغرب استقرارًا وجوديًّا؛ كلٌّ منهما صُنِع بمجهودٍ بشريٍّ، بعضه تأكيدًا وبعضه تعريفًا بالآخر. سهولة التّلاعب بهذه الخرافات وتنظيم الشّغف الجماعيّ لها، لم يكن جليًّا أبدًا بقدر ما هو في وقتنا هذا، حين أصبح تحريك الخوف والكره والاشمئزاز وطفرة الاعتزاز بالنّفس والغطرسة، شركاتٍ أو مشاريعَ واسعة النّطاق.

سيطرت فرنسا وبريطانيا على الشّرق والاستشراق منذ بداية القرن التّاسع عشر حتّى نهاية الحرب العالميّة الثّانية، ومنذ ذلك الحين استلمت أميركا تلك المُهمّة. فكرة الهويّة الأوروبّيّة بكونها الأعلى شأنًا بالمقارنة مع باقي الشّعوب والثّقافات اللّا-أوروبّيّة، هو ما جعل هذه الثّقافة مهيمنة في وخارج أوروبّا. إضافةً إلى ذلك، تهيمن الأفكار الأوروبّيّة حول الشّرق، وتخترعه، جاعلةً إيّاه مكانًا للرّومنسيّة، والمخلوقات الغريبة، والذّكريات والمناظر الطّبيعيّة المُلازمة، والخُبُرات الاستثنائيّة، مكرّرةً تفوّقها على الرّجعيّة الشّرقيّة، مُلغيةً احتمال وجود مفكّرٍ أكثر استقلاليّةً وشكًّا، وامتلاكه لوجهات نظرٍ مختلفةٍ حول الموضوع. يعطي إدوارد سعيد شاهدًا على هذا التّصريح، قائلًا: كتب صحفيٌّ فرنسيٌّ بتأسُّفٍ عن قلب المدينة التّجاريّ، المُتْلفة أحشاؤه، “تراءى في يومٍ ما أنّها تنتمي إلى… شرق Chateau-Brian وNerval”. كان محقًّا بشأن المكان، طبعًا، بقدر ما يمكن لأوروبّيٍّ أن يكون معنيًّا.

ليس الشّرق فقط مُجاورًا لأوروبّا؛ لكنّه أيضًا: أعظم وأغنى وأقدم استعماراتها، مصدر حضاراتها ولغاتها، منافسها الثّقافيّ، وواحدًا من أعمق صور الآخر وأكثرها ورودًا. زيادةً على ذلك، ساعد الشّرق على تحديد أوروبّا (أو الغرب) لتباينه عنها صورةً، وفكرةً، وشخصيّةً، وخبرةً، بذلك يكون الشّرق جزءً مُتمِّمًا من وللحضارة والثّقافة الأوروبّيّة المادّيّتين. أمّا الاستشراق فيصبح طريقة تقبُّل الغرب الأوروبّيّ للشّرق، مُرتكِزًا على اختباره الاستثنائيّ له، كما يعبّر عن ويقدّم هذا الجزء (أي الشّرق) ثقافيًّا وحتّى إيديولوجيًّا كأسلوب محادثةٍ، بوساطة مؤسّساتٍ داعمةٍ، مصطلحاتٍ، مِنحٍ، مَجازٍ، عقائدٍ، حتّى من خلال تبيين الدّواوينيّة أو البيروقراطيّة الاستعماريّة والأساليب الاستعماريّة الّتي استخدمتها أوروبّا. بالمقابل، التّفهّم الأميريكيّ للشّرق سيبدو أقلّ دسامةً إلى حدٍّ بعيدٍ، مع أنّ مغامرات اليابان، كوريا، والبلدان الهندو-صينيّة الحديثة يفترض أن تخلق الآن وعيًا شرقيًّا أكثر وقارًا وواقعيّةً.

علاوةً على ذلك، الانتشار الواسع للدّور السّياسيّ والاقتصاديّ الأميركيّ في الشّرق الأوسط يقوم بادّعاءات عظيمة حول فهم هذا الشّرق؛ فقد عَرّفَه من خلال قوّته السّياسيّة العظمى، اقتصاده النّفطيّ، انقسام قليلي العقل المحبّين للحرّيّة، إسرائيل الدّيمقراطيّة، وشرّ الدّيكتاتوريّين والإرهابيّين العرب؛ بذلك ضَؤُلَت فرص وجود رؤية واضحة عن الشّرق الأوسط حدّ الإحباط. من يعيش في الغرب منذ الخمسينات، بخاصّةٍ في الولايات المتّحدة، يكون قد شهد فترة اضطرابٍ استثنائيّةً في العلاقات بين الشّرق والغرب، ولاحظ كيف عنى الشّرق دائمًا الخطر والتّهديد خلال هذه الفترة. حياة العربيّ الفلسطينيّ في الغرب مثلًا، بخاصّة في أميركا، يثبِّط الهِمّة، إذ يؤيّد الجميع تقريبًا أنّه غير موجودٍ سياسيًّا، وإن سُمِح له بالوجود، يكون إمّا كأذًى وإزعاجًا وإمّا كشرقيٍّ. فالشّبكة العرقيّة، المُقولبات الثّقافيّة، الإمبراطوريّة السّياسيّة، والإديولوجيّة المُجرِّدة للإنسانيّة المكبِّلة للعرب بخاصّةٍ المُسْلِم، قويّةٌ جدًّا يشعر بها الفلسطينيّ كأنّها عقابه المصيريّ الفريد.

نتوصّل إلى القول، إنّ الاستشراق إدراك علم السّياسة الطّبيعيّة وتوزيعه على النّصوص الجماليّة، الدّراسيّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة، وعلم فقه اللّغة؛ لا يهدف فقط إلى تفصيلٍ وتمييزٍ جغرافيٍّ قاعِديٍّ، إنّما له أيضًا سلسلة كاملة من المصالح الّتي تشكّل نوعًا من إرادة أو نيّة فهمٍ، في سبيل التّحكّم والتّلاعب، حتّى الدّمج بين الغرب وعالمٍ جليّ الاختلاف عنه. إذ هناك فرقٌ عميقٌ بين إرادة الفهم بغرض التّعايش وتوسُّع آفاق الإنسانيّة، وإرادة الهيمنة بغرض التّحكّم والسّيادة الخارجيّة. واحدة من الكوارث الفكريّة عبر التّاريخ أن تختار مجموعةٌ صغيرةٌ من موظّفين رسميّين أميريكيّين غير مُنتخَبين (كانوا يسمّون “صقر الدّجاج” لأنّهم لم يخدموا في الجيش) مُؤيِّدًا للاستعمار مشهورًا بنيّته الحَسَنة، ويستخدمونه ضدّ ديكتاتوريّة عالمٍ ثالثٍ مُدَمَّرٍ، على أسسٍ إيديولوجيّةٍ مُتمكّنةٍ لها علاقة بالهيمنة العالميّة، والتّحكّم الأمنيّ، وندرة الموارد. ثمّ يأتي المستشرقون، فيستعجلون ويبرّرون تلك الأفعال، خائنين بذلك دعوتهم كطلّاب عِلم.

نميّز الشّرق الألمانيّ، الّذي كان محصورًا تقريبًا بشرقٍ تعليميٍّ أو على الأقلّ كلاسيكيٍّ، اتُّخِذ موضوعًا للقصائد، للتّخيّلات، وحتّى للرّوايات، لكن لم يكن أبدًا فعليًّا واقعيًّا، كما كانت مصر وسورية فعليّتين لـِChateau-Brian, Nerval, Disraeli, Lamartine, Burton, Lane. مع ذلك ما كان مشتركًا بين الاستشراق الألمانيّ، والاستشراق الإنجليزيّ-الفرنسيّ، وفي وقتٍ لاحقٍ الاستشراق الأميريكيّ، هو نوعٌ من السّلطة الفكريّة على الشّرق ضمن الثّقافة الغربيّة. ما من شيءٍ غامضٍ أو طبيعيٍّ حول السّلطة؛ هي مُكوّنة، مَنشورة، مَنثورة، هي غرضيّة، مُقنعة، يتعذّر تمييزها فعليًّا عن بعض الأفكار الّتي تُبجِّلها كحقيقيّةٍ، وعن التّقاليد والملاحظات والأحكام الّتي تُشكِّلها، تَنقلها، وتُعيد إنتاجها، وكلّ هذه الصّفات للسّلطة تنطبق على الاستشراق.

تِبعًا لذلك، يشكّل الاستشراق، فوق كلّ شيء، حوارًا مُنتَجًا وموجودًا في تبادلٍ متفاوتٍ مع القوّة السّياسيّة (كما مع المنشآت الاستعماريّة أو الإمبراطوريّة)، القوّة العقليّة (كما مع العلوم الحاكمة مثل المقارنة اللّغويّة أو علم التّشريح، أو أيّ من العلوم السّياسيّة الحديثة)، القوّة الثّقافيّة (كما مع المعتقدات التّقليديّة وشرائع الذّوق، والنّصوص، والقيم)، والقوّة الأخلاقيّة (كما مع الأفكار عمّا يفعله الغرب “نحن” وما لا يمكن للشّرق “لهم” أن يفعله أو يفهمه كما يفعل الغرب “نحن”). يؤكّد إدوارد سعيد مصداقيّة فكرته بتحليله دراسة نايوم تشومسكي للصّلة الذّرائعيّة بين حرب فييتنام ونظريّة الدّراسة الموضوعيّة، موضحًا أنّ سبب تطبيقها، تغطية الأبحاث العسكريّة المُموَّلة من قبل الدّولة.

يبدو أنّ ما يعجز الزّعماء وخدّامهم المفكّرين عن فهمه، هو أنّه لا يمكن محو التّاريخ الشّرقيّ كلّيًّا كي يحفر عليه الغرب مستقبله، ويفرض أشكال عيشه، فيتبعها النّاس الأقلّ شأنًا. ومن الشّائع سماع المسؤولين في واشنطن وأماكن أخرى يتكلّمون عن تغيير خريطة الشّرق الأوسط، كأنّ المجتمعات القديمة والعدد الضّخم من النّاس يمكن خلطهم كالكثير من الفول السّوداني في إناءٍ.

جدليّة الاستشراق الكيانيّة

خلال الفترة اللّاحقة لنهاية القرن الثّامن عشر، بزغ شرقٌ معقّدٌ مناسبٌ للدّراسة الأكاديميّة، للعرض في المتحف، لإعادة بناء المكتب المستعمريّ، لتصويرٍ نظريّ في الأطاريح الأنثروبولوجيّة (علم الإنسان)، البيولوجيّة، اللّغويّة، العرقيّة، والتّاريخيّة المعنيّة بالبشريّة والكون، للنّظريّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للتّطوّر، للثّورة، للهويّة الثّقافيّة، وللشّخصيّة الوطنيّة أو الدّينيّة. وعندما قال Disraeli في روايته Tancred أنّ الشّرق وظيفة، عنى أنّ نخبة الشّباب الغربيّين سيجدون الاهتمام بالشّرق شغفًا مُستغرِقًا للطّاقة.

يعبّر إدوارد سعيد عن شعوره بمسؤوليّةٍ فكريّةٍ وأخلاقيّةٍ تجاه وظيفته كطالب ومفكّر.كما يعتقد أنّ تعقيد أو تفكيك نوع التّفكير المجرّد لكن المُقنِع الّذي يسوق العقل بعيدًا عن تاريخ الإنسانيّة وخبراتها المحسوسة إلى عالم الإيديولوجية الخرافيّة، والمواجهة الماورائيّة والشّغف الجماعيّ، عائد إلى المستشرقين. ويضيف وجوب الحديث عن الظّلم والعذاب، لكن دائمًا ضمن سياقٍ واقعٍ بإسهاب في التّاريخ، والثّقافة والحقيقة الاجتماعيّة الاقتصاديّة. دور العالم أو المُفكِّر أو المستشرق في رأيه، توسيع حقل النّقاش، لا حدّه ليلائم السّلطة السّائدة.

لكن وللأسف، استبدل التّفكير، والنّقاش، والحجّة المنطقيّة، والمبدأ الأخلاقيّ، المبنيّة جميعها على نظريّة دنيويّة أو مدنيّة تقول إنّ على الإنسان خلق تاريخه الخاصّ، بأفكارٍ مجرّدةٍ تحتفل باستثنائيّة أميركا والغرب، وتنظر إلى الحضارات الأخرى بازدراءٍ ساخرٍ، مُشوِّهةً سمعة الصّلة الوثيقة للنّتاج الأدبيّ بالسّياق. هكذا انكفأ العالم الثّقافيّ، ببساطةٍ، من جانبٍ إلى الاستشراقٍ المُحدَث المُقاتِل، ومن جانبٍ آخر إلى تغطية النَّبِذ أو الرّفض. أكثريّة طلّاب الحركة الإنسانيّة، على ما يظنّ إدوارد سعيد، فرحون تمامًا بنظريّة محدوديّة الإبداع النّاتجة عن وجود النّصوص ضمن سياق الكلام، ووجود ما يسمّى التّناصّ، وضغوطات التّقاليد، والأسلاف، والأساليب البيانيّة. كذلك، الفلاسفة، سيجرون نقاشاتهم عن Locke, Hume, والتّجريبيّة من دون الأخذ بالاعتبار وجود صلة واضحة لدى الكتّاب الكلاسيكيّين بين تعاليمهم الفلسفيّة ونظريّاتهم العرقيّة. هكذا يساهم تَحجُّج المستشرقين بهذه النّظريّة في تبرير الاستعباد والاستغلال الاستعماريّ.

أخيرًا، هذا الاصطدام الحاصل حول أكثريّة المعرفة المُنتَجة في الغرب الحديث (الولايات المتّحدة بشكلٍ خاصّ) هو لوجوب كونها غير سياسيّة، أي تعليميّة، أكاديميّة، غير مُنحازة، فوق المُحازب أو المعتقد المذهبيّ الضّيّق التّفكير. لا يمكن لأحد أن يُعيب نظريّةً بهذا الطّموح، لكن في التّطبيق الحقيقة أكثر جدليّةً. فلم يتوصّل أحدٌ أبدًا إلى ابتكار طريقةٍ لفصل الطّالب أو المُفكّر أو المُستشرق عن ظروف الحياة، عن واقع تَوَرُّطِه (الواعي أو غير الواعي) مع طبقة اجتماعيّة، ومجموعة معتقداتٍ، ومكانةٍ اجتماعيّةٍ، أو عن بساطة كونه عضوًا من المجتمع. تستمرّ هذه المسائل بالتّثاقل على حياته المهنيّة، فتُفقده موضوعيّته وفرديّته، مهما حاولت طبيعة بحثه الوصول إلى مرتبة نسبيّة من التّحرّر من ممنوعات وقيود الحقيقة اليوميّة البهيميّة

خاتمة

الاستشراق، إذًا، ليس خيالًا أوروبّيًّا هوائيًّا عن الشّرق، إنّما هو جسمٌ من النّظريّات المُخترَعة والمُطبَّقة، تضمّنت، ولعدّة أجيال، استثمارًا مادّيًّا ضخمًا جديرًا بالاعتبار، جعلها استمراره نظامًا معرفيًّا عن الشّرق، ومصفاةً مقبولةً لتسريب الشّرق إلى الوعي الغربيّ. مرّة أخرى نؤكّد، أنّ معرفة عرق الموضوع (أي الشّرقيّين)، يجعل إدارتهم سهلة ومربحة؛ المعرفة تمنح القوّة، المزيد من القوّة يتطلّب المزيد من المعرفة، وهكذا دواليك في جدليّةٍ مربحةٍ متزايدةٍ من المعلومات والسّيطرة. تلك الجدليّة تولّد غضبًا يستوقف التّفكير، يسجننا في تصنيفاتٍ ونقاشٍ مخاصمٍ، هدفه هويّة جماعيّة مُحارِبة بدلًا من التّفهّم والتّبادل الفكريّ.

بعد تحليل الإنتاج الأدبيّ نكتشف، أنّ الشّرق الحقيقيّ غالِبًا ما حَثَّ رؤية الكاتب؛ ونادرًا ما وَجَّهَها. نتيجةً لذلك، كان هناك وما زال شرقًا لغويًّا، شرقًا فرويديًّا، شرقًا سبانغليريًّا، شرقًا داروينيًّا، شرقًا عرقيًّا… وإلى ما هنالك،من دون أن نَجِد شرقًا صافيًا أو من غير قيدٍ أو شرطٍ؛ كذلك لم نَجِد أبدًا شكلًا غير مادّيٍّ من الاستشراق.

أمّا في عصرنا هذا، نشهد وجهًا من أوجه العالم الإلكترونيّ الما بعد الحداثيّ، يُعزِّز الأفكار المُقولَبة الّتي يُنظَر من خلالها إلى الشّرق. فبوساطة التّلفاز والأفلام وكلّ موارد وسائل الإعلام، فُرِضَت المعلومات داخل قوالب موحّدة القياس، بدلًا من الانفتاح على الآخر وتعزيز مبادئ الإنسانيّة والمُساواة، وتخطّي العُرقيّة والمَذهبيّة وكلّ ما يفرّق البشر. نذهب أبعد من ذلك لنشبّه الاستشراق بالعولمة، فكما كان يُستخدَم ذريعةً للسّيطرة والاستعمار الحسّيّ العسكريّ، تَستعمِل الدّول المُهيمنة الآن (هي نفسها أوروبّا وأميركا)، العولمة غطاءً صافي النّيّة، لاكتشاف نقاط ضعف العالم الثّالث (الشّرق) فتَعمَل على مُضاعفتها وإلهاء النّاس بها، بُغْية الاحتلال غير المُباشر لتلك البلدان، احتلالًا ثقافيًّا، اجتماعيًّا، اقتصاديًّا، وسياسيًّا.

إلى متى يبقى الغشاء على عقولنا؟ إلى متى نَنْساق كالخراف إلى المَسلَخ؟ فالظّاهر أنّ التّاريخ لا يعيد نفسه، بل هو مُستنقعٌ جامدٌ مُسَمَّرٌ على خشبة الخضوع.

[1]لا كاتب، مقالة: إدوارد سعيد، 6/1/2018، https://en.wikipedia.org/wiki/Edward_Said
فريق الإعداد

إعداد: هبة يزبك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر Edward W. Said, Orientalism, London-England: Penguin Classics, 1978, 1995, 2003.
تعليقات
جاري التحميل...