موتسارت والنقلة الموتسارتية في السيمفونيّات الكلاسيكية

لا أستطيع أن أكتب الشعر؛ فأنا لست شاعرًا، ولا أستطيع أن أقسّم عباراتي كتقسيم النور والظل؛ أنا لست رسامًا، ولا أستطيع حتى أن أُعطي انطباعًا حول أفكاري ومشاعري، بالإشارات والتمثيل؛ أنا لست راقصًا، لكن أستطيع أن أرقص مع النغمات، أنا موسيقيّ، أتمنى أن تعيشوا إلى حين لا يكون ثمة شيء يمكن أن يُقال بعد في الموسيقى.

لا يسعني بدأ المقال بغير هذه العبارة، فمن يستطيع وصف وتقديم “موتسارت” إلا موتسارت نفسه!
“موتسارت” و”موزارت” و أيضًا “موتزارت”, تباينت طرق كتابة اسمه إلا أن الاتفاق على كونه أعظم فنان موسيقي، وعبقري الموسيقي بلا منافسة لقب لم يتنزعه منه أي موسيقار آخر عبر تاريخ البشرية وحتى الآن.

ميلاد العبقري

في 27 يناير 1756 في “سالزبورغ” بالنمسا وُلد “هوفولفغانغ أماديوس موتسارت” والده “يوبارد” وكان مؤلفًا موسيقيًا وعازف كمان أيضًا، بالإضافة إلى كونه مساعد قائد الحفلات الموسيقية في بلاط سالزبورغ، أما والدته “آنا ماريا بيرتل” فقد وُلدت لعائلة من قادة المجتمع المحلي والتي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وكان له شقيقة وحيدة تكبره بـأربعة أعوام وهي “ماريا آن”.

تاريخ النشأة

لقد كان لتاريخ والده وحبه واشتغاله بالموسيقى تأثير كبير على نشأته، هو و”ماريا آن” – لقبت أيضًا “نانيرل” , فكانت أسرته كاثوليكية منغمسة في التدين وحب الموسيقى بالتوازي فبدأ “موتسارت” في العزف وهو في الرابعة من العمر، وحاول في هذا السن أن يصوغ لحنه الأول بهيئة “كونشيرتو” .

السمات الشخصية

كان “موتسارت” ضئيل الحجم ونحيل، شاحب البشرة مع شعر أشقر كثيف، اشتهر بكونه رجلًا  طيبًا يحب إسداء الخدمات للآخرين، سخيًا في مدح من يستحق المدح، يحب الرقص، لكن لم يتألف مع المتغطرسين وبالرغم من ذلك كان شديدًا للغاية عندما يقوم بالعزف.

أولى ألحانِه

كان “موتسارت” من التفوق والنبوغ إلى حد أن كان أول مقطوعة موسيقية قام بتأليفها وهو في الخامسة من العمر فانتبه والده “ليوبولد” إلى عبقرية ابنه المبكرة فحرص على تعليمه أصول العزف وساعده على المشاركة في الحفلات الموسيقية التي شارك في أولها وهو في السادسة من للعمر.

إعلان

بداية الرحلة

علي الرغم من أن معاناة “موتسارت” بدأت في مرحلة الطفولة المبكرة مع مرض الفشل الكلوي، وأيضًا على الرغم من الفقر الشديد الذي عانت منه أسرته، فقد كانت طفولة “موتسارت” مليئة بالحرمان والألم إلا أن هذا لم يمنع أسرته من الذهاب في رحلة طويلة في كبرى المدن الأوروبية وهو في السابعة من العمر برفقة أخته “نانيرل” , ولاقى الطفل “موتسارت” اهتمام ونجاح كبير جدًا في “باريس” و “لندن” و “لاهاي” و “زيوريخ” , وجمعته هذه الرحلة بالعديد من الموسيقيين لكن أكثرهم تأثيرًا على “موتسارت” كان “يوهان كريستيان باخ” والذي التقى به في لندن سنة 1765.

إيطاليا ونقطة التحول

عندما بلغ “موتسارت” الثالثة عشر ربيعًا اصطحبه والده في رحلة إلي “إيطاليا “تاركين وراءهم أخته ووالدته ونظرًا لما تمثله “إيطاليا”للموسيقى والفن فطال بقاؤهم هناك، أثناء ذلك كتب “موتسارت” أوبرا Ascanio in Alba عام 1771، وLucio Silla عام 1772.

وفاة والدته

أثناء رحلته إلى إيطاليا علم بوفاة والدته، وأثار هذا حزنه الشديد وتسبب عذا في قطع رحلته والعودة إلى “سالزبورغ” وحصل على عمل كموسيقي في قصر البطريرك وكانت تقاليد القصر في هذا الوقت تضع الموسيقيين في مرتبة الخدم، مما أثار حفيظته وجعل الحياة في القصر مستحيلة، فقدم إستقالته ورفضها رئيس الأساقفة، لكنه صرفه بطريقة مهينة في نهاية الأمر.

الاستقلال

عندما صُرف “موتسارت” الشاب ذو الواحد وعشرون عامًا من عمله قرر أن يستقل، ويعمل كمؤدٍ ومؤلف لحسابه الخاص في “فيينا” وعاش لفترة من العمر مع أصدقاء له، و بالفعل حصل على عمل كمعلم لطلاب وعزف العديد من الحفلات الموسيقية وبدأ بكتابة أوبرا “Entführung aus dem Serail” .

التميّز الموسيقي

لم يهتم موتسارت بالميلودي كالإيطاليين وكان هواه ألماني النزعة, و كل سعيه لإنتاج موسيقى رفيعة المستوى، وخفف كثيرًا من حدة وتراجيديا الأوبرا وأعطاها انطباع هزلي, وكان غزير الإنتاج طيلة سنوات عمره القصيرة, فألف جميع أنواع السيمفونيات والأوبرات والسوناتات والكونشرتات للبيانو وأيضًا القداسات, ويعتبر موتسارت أول مؤلف كونشرتو للبيانو, وأخرج الموسيقى الكلاسيكية من القوالب التي حُصرت بها لفترة طويلة.

كيف تأثر موتسارت بالموسيقيين وكيف أثر بهم؟

تأثر “موتسارت” تأثرًا شديدًا باثنين من عظماء الموسيقيين وهما “جوهان سيباستيان باخ” و “جورج فريدريك هاندل” كما أصبح صديق شخصي لهاندل وأدى الاثنان سويًا حفلات موسيقية مرتجلة مع رباعيات متسلسلة. وكتب موتزارت بين عامي 1782 و1785 ستة رباعيات مهداة إلى هايدن, كما أثر “موتسارت” كثيرًا في “بيتهوفين” الذي أبدى أيضًا نبوغًا مبكرًا، وحصل على الدعم والتشجيع من “موتسارت” عندما التقى به بشكل شخصي.

العبقري و الماسونية

عندما بلغ “موتسارت” ثمانية وعشرون عامًا تعرف إلى “الماسونية” وانضم للأخوية “الماسونية” التي كانت نظام يعتمد على الأعمال الخيرية والاستقامة ومساعدة الغير، وحظي “موتسارت” بتقدير المجتمع الماسوني واحترامه، واشترك في أعمال محتلفة لصالح “الماسونية” وظهر تأثير ذلك على موسيقاه بالغًا.

الوضع الإجتماعي والمادي

سعى “موتسارت” لأن يكون واحد من أبناء الطبقة الأرستقراطية وربط نفسه بالطبقة الأرستقرطية الأوروبية وحيا كواحد منهم بالفعل، وكان يعلم أن ضمان هذا يكمن في التحاقه بالبلاط، الذي كان يميل للموسيقيين الإيطاليين، وكانت المنافسة شديدة لم يستطع أن يخوض بها، ومع مشكلة تبذيره وإنفاقه للنقود باندفاع بدأ في اقتراض المال من الأصدقاء وتكاثرت ديونه، ولم يستطع حتى وفاته أن يحقق الرخاء المادي الذي حلم به له ولأسرته.

الجانب الشخصي لموتسارت

عندما انتقلت عائلة “موتسارت” عام 1777م إلى مدينة “مانهايم” لتقديم عروضهم، التقوا بعائلة “فريدولن قيب” عازف الكمان، وخلال هذه الزيارة التقى للمرة الأولى بالآنسة “كونستانزي قيبر” , وشعر بانجذاب فوري لها، لكنه أضطر للرحيل لاستكمال رحلاته إلى أوروبا، لكن إلتقى بها مرة أخرى في “فيننا” عام 1781م وصارحها بطبيعة مشاعره واتضح أنها تبادله نفس المشاعر، وتزوجا في 1782م رغم اعتراض والدها عليه، وأنجب منها ستة أبناء لم يعيش منهم سوي “كارل توماس” و “فرانز كزافير” .

وفاته

عانى “موتسارت” من وهن صحي منذ كان طفلًا  لكن اشتد به المرض في عام 1791م, وبلغ أشده في شهر ديسمبر من هذا العام عندما أصابته الحمى التي توفي أثرها في الخامس من ديسمبر عام 1791م, وسجلت رسميًا بالحمى الدخنية, لكن أُشيع بعد وفاته أنها الحمى الروماتزمية لأنه كان يعاني منها كثيرًا أثناء حياته, وشهدت جنازته عدد قليل من المشيعين, فلم يحضر إلى الجنازة سوى خمسة أشخاص فقط من بينهم تلميذه سوسماير, ودفن في مقبرة جماعية, في ضواحي فيينا تسمى مقبرة “سانت ماركس”.

نرشح لك: هل الموسيقى طبقية؟

المراجع:
كتاب موتسارت ل محمد حنانا
موقع تسعة بايوغرافي
موقع اراچيك بايوغرافي

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هند عزت

تدقيق لغوي: مريم زهرا

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا