الإمبراطورية البيزنطية.. فنون ألف عام

حين أسّس قسطنطين الأول مدينة القسطنطينية (مدينة قسطنطين باليونانية) في 324 ميلادية، اكتسب شرعيًا لقب حاكم الإمبراطورية الرومانية الموحّدة. ولكن بوفاة ثيودسيوس الأول في 395 ميلادية، تقسّمت الإمبراطورية بين أبنائه، فأصبح ابنه الأكبر أركاديوس إمبراطور الشرق، وهونوريوس إمبراطور الغرب. حكم أركاديوس الإمبراطورية من القسطنطينية، أما هونوريوس فقد نقل عاصمة الغرب إلى ميلانو، ولاحقًا إلى رافينا، بعد نهب روما في 410 ميلادية. وعلى الرغم من أن تقسيم الإمبراطورية لشرقٍ وغرب لم يكن رسميًا، إلا أن تقسيم ثيودوسيوس للإمبراطورية أصبح تقسيمًا دائمًا.

في الغرب، تفكّكت الحكومة المركزية لتفسحَ الطريقَ لممالكٍ متحاربة. أمّا النصف الشرقي للإمبراطورية الرومانية، والذي ارتبط ارتباطًا دينيًا ضعيفًا فقط بالشرق، فقد استكمل تاريخا خاصًا به. استمرت الإمبراطورية المسيحية الشرقية من عاصمتها القسطنطينية (أو روما الجديدة كما سُميت) كيانًا ثقافيًا وسياسيًا بعدها لألف عام، حتى مات آخر الأباطرة الشرقيين قسطنطين الحادي عشر في 1453 في محاولةٍ مضنية للدفاع عن المدينة ضد الأتراك.

الإمبراطورية البيزنطية
الإمبراطورية البيزنطية في أقصى اتساع لها في عهد جستنيان

يشيرُ المؤرّخون إلى الإمبراطورية الرومانية الشرقية ببيزنطة أو الإمبراطورية البيزنطية، إشارةً لمدينة بيزنطة التي بُنيت عليها القسطنطينية. غير أن الأباطرة البيزنطيين لم يستخدموا هذا المصطلح أبدًا ليعبّروا عن أنفسهم، بل أطلقوا على إمبراطوريتهم الرومانية وعلى أنفسهم رومانيين، وعلى الرغم من أنهم تحدّثوا اللغةَ اليونانية لا اللاتينية، إلا أنهم لم يتخلوا أبدًا عن اعتبار أنفسهم الورثة الشرعيين للإمبراطورية الرومانية القديمة.

طوال تاريخها الطويل، عملت بيزنطة كعازلٍ مسيحيّ ضد التوسعات الإسلامية إلى منتصف وشمال أوروبا، كما استشعرت أوروبا كاملةً تأثير بيزنطة الثقافي طوال العصور الوسطى. نَصّرت بيزنطة الشعوبَ السلافية في البلقان وروسيا، ليحملوا أرثوذكسية بيزنطة وأبجدية بيزنطة وثقافتها الأدبية وفنها وعمارتها. بسقوط بيزنطة في 1453، وصل العثمانيّون في أوروبا حتى نهر الدانوب، لكن سقوطها كان له تأثير أعمق على الغرب؛ إذ أدّى هروب العلماء البيزنطيين من روما الشرق إلى بدء دراسة الأعمال الكلاسيكية اليونانية في إيطاليا، وساعد على إحياء الروح الكلاسيكية التي يسمّيها المؤرخون “عصر النهضة”.

يقسِّم المؤرخون تاريخ بيزنطة إلى ثلاثِ فتراتٍ فنيّة: الأولى بيزنطة المبكرة والتي تمتد من تأسيس القسطنطينية في 324 إلى تدمير الأيقونية (تدمير الصور المستخدمة في العبادة المسيحية) في 726 في عصر ليو الثالث. تبدأ الفترة البيزنطية الوسطى باستعادة الأيقونية في 843 وتنتهي بمحاولة الصليبيين الغربيين احتلال القسطنطينية في 1024 ميلادية. بينما تشير الفترة البيزنطية المتأخرة إلى القرنين بعد استعادة البيزنطيين القسطنطينية في 1261 حتى سقوطها بأيدي الأتراك وتحويل الكثير من كنائسها إلى مساجد.

إعلان

الفن البيزنطي المبكر

يعتبر المؤرخون عهد الإمبراطور جستنيان (527-565م) أول عصر ذهبي لبيزنطة؛ إذ في عهده نافست الإمبراطوريةُ الرومانية المسيحية لفترةٍ قصيرة الإمبراطوريةَ الرومانية القديمة في القوّة والتوسع. تمكن جنرالات جستنيان بليساريوس ونارسس من طرد القوطيين خارج إيطاليا، ومطاردة الوندال خارج مقاطعات أفريقيا، وهزموا البلغاريين على الحدود الشمالية، كما أوقفوا الساسانيين على الحدود الشرقية. داخل الإمبراطورية تمكن الإمبراطور من إخماد ثورات خطيرة لجماعاتٍ سياسية ودينية في المدينة، كما أشرف على وضع القانون الروماني في عملٍ عظيم يسمى “Corpus juris civilis” أو “كود القانون المدني”، والذي أصبح أساسًا لأنظمة القوانين للعديد من الدول الأوروبية الحديثة. كان منطقيًا تمامًا أن يرى جستنيان أنه قد أعاد مجد روما القديمة في روما الجديدة.

في بداية القرن الرابع، اعترف قسطنطين بالمسيحية، وأصبح راعيها الإمبراطوري الأول. عند نهاية القرن، كان ثيودسيوس قد أكّد على المسيحية كونها دينًا رسميًا للإمبراطورية الرومانية. إلا أن جستنيان كان هو من أعلن المسيحية الديانة القانونية الوحيدة في الإمبراطورية، وتحديدًا المسيحية الأرثوذوكسية. في المسيحية الأرثوذكسية، يكمن صلب العقيدة في المساواة بين الجوانب الثلاثة لثلاثيّة الأب والابن والروح القدس، وكل الطوائف الأخرى مهرطقون. لذا اعتبر جستنيان أن دوره الأول ليس فقط إنهاء وجود العبادات الوثنية القليلة المتبقية، بل إنهاء كل الطوائف المسيحية غير الأرثوذكسية.

عاج بربيريني

الإمبراطورية البيزنطية
عاج بربيريني

كان الفنُّ في عهد جستنيان مثل سابقه فنًا دينيًا ومدنيًا. القطعة التي نعرفها اليوم باسم “عاج بربيريني” هي عملٌ فنيّ من عهد جستنيان، ولكنّها سميت على اسم الكاردينال فرانشيسكو بربيريني؛ إذ كانت جزءًا من مجموعته الفنية. تُظهر القطعة في المنتصف جستنيان إمبراطورًا راكبًا منتصرًا على حصان، بينما يسير بربري في رعبٍ خلفه. الهيئة الديناميكية للحصان والفارس والرمح المصوّب من الإمبراطور الفارس، وكذلك تشخيص الأرض في صورة امرأة خاضعة، وتصوير النصر كذلك يُسرِع لتتويج الإمبراطور، كلها تصويرات رومانيّة شائعة.

استعار الفنان كذلك من روما القديمة البربر في الأسفل يقدّمون الهدايا ويطلبون الصفح، ويصحبهم أسد وفيل ونمر كحيواناتٍ من أفريقيا وآسيا التي غزاها الإمبراطور. في اليسار، يحمل جندي بيزنطي تمثيلًا للنصر مؤكدًا على رسالة القطعة المركزية. غير أن مصدر قوة الإمبراطور ليس من جيوشه الأرضية وإنما من الله. في الأعلى نرى ملكين يحملان صورة شابة ليسوع يحمل صليبًا بيده اليسرى. يبارك يسوع جستنيان بإشارة من يده اليمنى ما يشير لقبوله حكم الإمبراطور.

آيا صوفيا

آيا صوفيا من الداخل، القسطنطينية.

كان جستنيان طموحًا في البناء تمامًا كأباطرة روما القديمة. في القسطنطينية وحدها شيّد أو رمَّمَ أكثر من ثلاثين كنيسة أرثوذكسية. أقرَّ بروكوبيوس مؤرخ الدولة في عهد جستنيان أن برنامج الإمبراطور في التشييد أثقلَ كاهلَ الإمبراطورية في الضرائب. غير أن معالم جستنيان رسمت أسلوب العمارة البيزنطية لألف عام.

كان أهم مشاريع الإمبراطور تشييد آيا صوفيا، كنيسة الحكمة المقدسة في القسطنطينية. صمَّم الكنيسة إزيدور الملاطي وأنتيموس الترالسي بين عامي 532 و537، واللذان لم يكن أيًا منهما مهندسًا بالمعنى الحالي للكلمة. بدأ العملُ فورًا بعد أن دمَّرَ حريقٌ كنيسةً سابقةً أثناء ثورات نيقا في يناير 532. أراد جستنيان أن تنافس الكنيسة الجديدة كل كنائس العالم، بل أن تتجاوز في الحجم والعظمة حتى معبد سليمان في أورشليم. كانت النتيجة البناء الأعظم في الإمبراطورية البيزنطية وأحد أعظم إنجازات الهندسة في التاريخ.

تعتبر أبعاد آيا صوفيا هائلة لأي بناء غير حديدي: 270 قدمًا طولا و240 قدمًا عرضًا. وقطر القبة 108 قدمًا وترتفع 180 قدمًا على سطح الأرض. في الحجم، تنافس آيا صوفيا عجائب روما الهندسية: البانثيون وحمامات كاركالا وكاتدرائية قسطنطين. خارجيًا تهيمن القبة العظيمة على المبنى، ولكن الهيئة الخارجية تغيرت عن المبنى الأصلي. الدعامات الضخمة أضيفت لاحقا، وبعد غزو الأتراك في 1453 حولوها لمسجد وأضافوا المآذن الأربعة في زوايا المبنى.

ما يميِّز آيا صوفيا عن المباني الرومانية الهائلة الأخرى -كالبانثيون مثلًا- هو انغمار المبنى داخليًّا بالضوء. يتفاجأ زائرو آيا صوفيا من عهد جستنيان وحتى اليوم بالضوء داخل الكنيسة وبتأثيره على الزائر. تخلق الأربعون نافذةً في قاعدة القبة وهمًا كما لو كانت القبة ساكنة على ضوءٍ ينبع من تحتها.

كاتدرائية سان فيتالي

كاتدرائية سان فيتالي من الداخل، رافينا، شمال إيطاليا.

بدأ العمل على كاتدرائية سان فيتالي عندما كانت مدينة رافينا تحت حكم القوطيين الشرقيين، وانتهى العمل بعد عقدٍ من الزمان، بعدما سلّموا المدينةَ إلى الإمبراطور البيزنطي جستنيان. الكاتدرائية هي المبنى الأعظم في شمال إيطاليا، والتي نذرها الأسقف ماكسميانوس في 547 إلى القديس فيتالي شهيد القرن الثاني الذي قتله الرومان في رافينا.

الشكلُ الخماسيُّ الخارجيّ للمبنى لا يظهر داخليًا. الأقواس المتراكبة والقبة الخماسية من الداخل، والضوء المنساب من النوافذ، والرخام اللامع الذي يغطي سطوح المبنى، كل ذلك يقدم تجربةً فريدةً للزائرِ من عصر بنائها وحتى الآن. منمنماتُ سان فيتالي أيضًا يمكن اعتبارها أحد أهم المنجزات الفنية البيزنطية. منمنماتُ المحراب والهيكل تمثّلُ تتويجَ الإمبراطور جستنيان، بينما في قوس المحراب نجد مشهدًا يجلس يسوع على كرة العالم في قدومه الثاني. على جدار المحراب منمنمات تظهر جستنيان وكلاهما يتحدان بصريًا ورمزيًا من خلال الرداء الإمبراطوري الذي يلبسانه ومن خلال هالة الضوء حول رأسيهما. يرافق جستنيان 12 رجلا يمثلون الرسل الاثني عشر. على الجدار المقابل نرى الإمبراطورة ثيودورا. لم يزر أيًا من جستنيان أو ثيودورا ميدنة رافينا أبدًا في حياتهما، فكانت هذه المنمنمات بدلًا عن الأباطرة الغائبين.

منمنمة الإمبراطور جستنيان والرسل الاثني عشر، كاتدرائية القديس فيتالي، رافينا، شمال إيطاليا

جبل سيناء

في عهد جستنيان، استمر البناء ليس فقط في القسطنطينية ورافينا، وإنما في كافة أنحاء الإمبراطورية البيزنطية. فبينما كان البنّاؤون يضعون المنمنمات على جدران سان فيتالي في رافينا، كان بناؤو جستنيان يعملون على أولى الأديرة في جبل سيناء في مصر، حيث تلقى موسى الوصايا العشر من الله. الآن يُسمى الدير دير سانت كاترين والذي بُنى على سفح جبل سيناء حيث يقول الإنجيل أن الله تحدّث إلى موسى عند شجيرةٍ مشتعلة.

بدأت الرهبنة في مصر في القرن الثالث، وانتشرت سريعًا إلى فلسطين وسوريا في الشرق، ووصلت حتى أيرلندا في الغرب. بدأ الأمر كهروبٍ إلى البرية ممن يبحثون عن حياة أكثر روحانية، بعيدًا عن مشاغل ومعوقات الحياة في المدن. مع هروب الآلاف من المواطنين، فزعت السلطات مع التأثير على الضرائب وعلى التجنيد العسكري والأعمال عمومًا.

في محراب الكنيسة، منمنمة تجلي المسيح. تصور المنمنمات الأخرى موسى يتلقى الوصايا العشر ماثلا أمام الشجيرة المحترقة. يظهر موسى مجددًا أسفل يسوع مع الرسل يوحنا وبطرس ويعقوب ورسول آخر من العهد القديم إليا. تصور المنمنة يسوع في هالة زرقاء من الضوء. الحالة الساكنة ليسوع والحركية للرسل توحي بالدهشة التي انتابت الرسل، كفصل بين الحالة الأبدية للسماوي نقيض الحالة المشتتة للأرضي.­

منمنمة تجلي المسيح، دير سانت كاترين، سيناء، مصر

روما الثالثة

مع سقوط القسطنطينية في 1453، أصبحت روسيا وريثًا شرعيًا لبيزنطة في الدفاع عن المسيحية. أعلنت محكمة التسار الروسي قائلة:

بما أن روما القديمة قد سقطت، وبما أن روما الثانية – التي هي القسطنطينية-  قد أصبحت في أيدي منكري الرب من الترك، فإن مملكة تسار هي روما الثالثة.  سقطت روما مرتين، ولكن الثالثة صامدة، ولن يكون هناك روما من بعدها“.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد الله عرفة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا