تأخذك إلى أعماق الفكر

لأول مرة في العالم: ولادة أطفال معدلين وراثيًّا

أعلن أحد الباحثين الصينيين عن نجاحه في استخدام أداة تحرير الجينات “كريسبر-كاس 9” لقصّ الجينات غير المرغوب فيها من أجنة بشرية؛ وأن تلك الأجنة قد نمت بصورة جيدة في رحم الأم، مما أسفر في النهاية عن ولادة أول أطفال معدلين وراثيًّا في العالم وذلك في أحد المستشفيات الصينية، الأسبوع الماضي. خطوة غير مسبوقة، أثارت الكثير من القلق في الأوساط العلمية حول العالم، خوفًا من عواقبها الصحية الكارثية، ناهيك عن الجانب الأخلاقي الذي يشهد جدلًا واسعًا حول الصلاحيات المتاحة للعلماء في التلاعب بالصفات الوراثية للبشر.

توأم يقاوم فيروس الإيدز

ادّعى العالم جيان كوي، في شريط فيديو نُشر علي الإنترنت، في الخامس والعشرين من نوفمبر الحالي، أنه استخدم تقنية كريسبر-كاس 9 “CRISPR-Cas9” لتحرير الجينات، التي أحدثت ثورةً في مجال علم الوراثة في العقد الماضي، لحذف أحد الجينات من الحمض النووي للأجنة البشرية، بغرض الحصول على أطفال قادرين على مقاومة فيروس نقص المناعة “الإيدز”. وأضاف أن هذه الأجنة قد تطورت إلى طفلين توأمٍ صحيحين: لولو ونانا، خرجا إلي العالم منذ أسابيع قليلة، بصحة جيدة ككل الأطفال الطبيعيين”.

ورغم أنه لم يتم التحقق من صحة ادعاءات الباحث الصيني، إلا أن المستشفى الذي ذكره العالم الصيني في وثائق الموافقة الأخلاقية على تجاربه، نفي أي مشاركه في هذا الإجراء، وذكرت شبكة CNN أن الأوساط العلمية تجاوبت مع ادعاءات العالم الصيني بمزيج من الغضب والقلق، وفقًا للتقارير الإخبارية.

إعلان

ماهي تقنية كريسبر-كاس 9

تقنية كريسبر-كاس 9 هي تقنية لتعديل الجينات، عن طريق قطع الحمض النووي باستخدام أحد الإنزيمات، المسمى كاس 9؛ وتستخدم البكتريا تلك التقنية للدفاع عن نفسها ضد الفيروسات المهاجمة منذ ملايين السنين، إلا أنه في عام 1987 أكدت مجموعة من العلماء اليابانيين إمكانية تطبيق تلك التكنولوجيا على الحمض النووي البشري؛ وحاليًا يستخدم العلماء حول العالم تلك التقنية في عمليات البحث عن الجينات داخل الحمض النووي للخلايا البشرية، وإزالة الجينات المعطوبة واستبدال أخرى سليمةٍ بها، إن أمكن. ويمكنك التعرف على المزيد حول تلك التقنية في الفيديو التالي:

اعتراضات بالجملة

الواقع أنه حتى إذا نحينا الجانب الأخلاقي لاستخدام هذه التكنولوجيا في التلاعب بالجينات البشرية، فإن العديد من  العلماء يرون أن هذه التعديلات يمكن أن تكون لها مشاكل صحية بعيدة المدى وغير متوقعة؛ ظهرت أولى الاعتراضات على لسان البروفيسور مظهر عدلي، اختصاصي الوراثة في كلية الطب بجامعة فيرجينيا، الذي قال في تصريحه لموقع live science: “المشكلة هي أن الجينات المحذوفة، التي تسمى CCR5، لديها من الوظائف أكثرُ من مجرد مساعدة عدوى فيروس العوز المناعي “الإيدز”، بما في ذلك مساعدة خلايا الدم البيضاء على العمل بشكل صحيح”. وأضاف البروفسير عدلي: “إن حذف مورثة واحدة قد لا يغير -فقط- كيف ستعمل الجينات الأخرى، ولكنه قد يغير -أيضًا- السلوك العام للخلية والنمط الظاهري للكائن الحي.”

ومن جهة أخرى، قال البروفيسور فنغ تشانغ، أحد رواد استخدام تكنولوجيا التحرير الجيني في معهد “Broad Institute”: “إن الجينات التي يدعي الباحث الصيني أنه قد قام بإزالتها، تلعب -أيضًا- دورًا في المساعدة على منع الإصابة بفيروس غرب النيل، ولذلك فإنه من المحتمل أن يكون الشخص أكثر قابليةً للمرض، كما أنه من الثابت علميًّا أن الجينات لا توجد في عزلة، وأنها تتفاعل باستمرار مع الجينات الأخرى، وبالتالي فإن إزالة جين واحد ربما تؤدي إلى آثار لا يمكن التكهن بها.”

هل هي تكنولوجيا دقيقة

وتأتي الاعتراضات السابقة في سياق المخاوف التي تنتاب العلماء حول مدى دقة تكنولوجيا التحرير الجيني كريسبر-كاس 9؛ تلك المخاوف التي أكدها تقرير أعدته مجموعة من العلماء، ونُشر في دورية نيتشر للتكنولوجيا الحيوية في يوليو الماضي. أوضح التقرير أن استخدام تكنولوجيا كريسبر-كاس قد يُحدث أضرارًا غير متوقعة، وربما يتسبب في إزالة قطع كبيرة من الجينوم البشري دون قصد. كما قال الدكتور افنر هيرشلاق، رئيس وحدة نورث ويل للخصوبة في نيويورك، في حديثه مع live science:

“على المرء أن يستخدم هذه التقنية بطريقة حكيمة جدًّا، لتلافي الآثار الضارة. فإن إزالة جين ما يمكن أن تكون لها آثار غير مقصودة، في مناطق أخرى من الجينوم. وتبقى المشكلة الكبيرة، وهي أن هذه التغيرات التي حدثت خارج الهدف قد لا تتضح حتى يولد الطفل، أو قد تظهر في مرحلة لاحقة من عمر الشخص، فهناك العديد من الجينات التي يظهر تأثيرها مع تقدم العمر. والأدهى من ذلك أن هذه التغيرات الجينية يمكن أن تنتقل إلى الأجيال المقبلة.”

الحكومة الصينية تستجيب لمخاوف العلماء

أثناء إعداد المقال للنشر، جاء على موقع NBC news أن الحكومة الصينية أعلنت يوم الخميس، التاسع والعشرين من نوفمبر الحالي، عن وقف مؤقت لأنشطة البحث للأشخاص الذين يشاركون في تجارب تحرير الجينات البشرية؛ وذكرت وكالة أنباء شينخوا، نقلًا عن وزارة الصحة ووزارة العلوم والتكنولوجيا، أن “طبيعة هذا الحادث سيئة للغاية، وأمرت الهيئات المعنية بوقف أنشطة البحث العلمي للموظفين المعنيين مؤقتًا”. وأفادت اللجنة المنظمة للقمة الدولية الثانية لتحرير الجينوم البشري، التي تعقد في هونج كونج هذا الأسبوع: “حتى إذا تم التحقق من التعديلات، فإن الإجراءات كانت غير مسؤولة ولم تتوافق مع المعايير الدولية”. ودعت اللجنة إلى إجراء تقييم مستقل لادعاءات الباحث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر 1 مصدر 2
تعليقات
جاري التحميل...