تأخذك إلى أعماق الفكر

هل يعاني النرجسيون مشاكل في الذاكرة أم أنهم مجرد كاذبين؟

يوجد تفسير منطقي وراء تحريف النرجسيون للحقيقة

إذا كُنتَ على علاقة بشخصٍ يعاني اضطرابَ الشخصية النرجسية، فقد تبدأ في التساؤل عما إذا كان رفيقُك النرجسيُّ يعاني مشاكلَ في الذاكرة، فقد يعدك بأمر ما، ثم يدَّعي أنه لم يقل شيئًا مما أنت متأكد أنك سمعته، أو أنكما تصلان -بعد الكثير من النقاش- إلى اتفاقٍ حول مكانٍ تذهبان إليه لتناول العشاء، ثم تكتشف أن رفيقَك قد حجز في مطعمٍ مختلفٍ كنت قد أخبرته سابقًا أنك تكرهه، وعندما تشكو يكون الرد: “كان من المفترض أن تكون أكثر وضوحًا، لم أسمع منك قطُّ أنك تفضل المطعم الآخر”.

وبعد عددٍ من هذه التجارب، من المرجح أن تشعر بالقلق، فهل رفيقك كاذب؟ وهل يتجاهل كل ما تقوله لأن رأيك لا يعنيه؟ أم أنه يعاني نوعًا من أنواع الخرف المُبكر مما يؤثر على ذاكرته؟

الحقيقة أن الغالبيةَ ممن يعانون اضطراب الشخصية النرجسية يتمتعون بذاكرةٍ قويةٍ جدًا، إلا أنها انتقائيةٌ للغاية وتركز فقط على ما يريدونه هم أن يكون حقيقيًا، فيتخذون موقف راي جونز ألا وهو: “الحقيقة هي ما نحددها نحن، أثبت لي أن هذا المكتب ليس بقرة!”، أو كما قال ونستون تشرشل: “يتعثر الرجال أحيانًا بالحقيقة، إلا أن معظمهم سُرعان ما ينتشل نفسه وكأن شيئًا لم يكن”.

يميل معظم النرجسيين إلى التركيز بشدة على ما يريدونه في التوِّ واللحظة، فلا يهتمون كثيرًا بما تريده أنت أو بأي وعود سابقة قطعوها لك، كما أن الحقيقة الفعلية ليست ذات أهميةٍ كبرى لمعظم الأشخاص الذين يعانون اضطراب الشخصية النرجسية، وإذا كان الاعتراف بالحقيقة يتعارض مع مآربهم في الوقت الحالي، فإن معظمهم إما يتجاهلها ببساطة أو يبحث عن مسوغٍ آخر لها.

ولكن كيف يفعلون ذلك؟ ولِمَ تبدو علاقتهم بالحقيقة وما يتذكرونه مختلفًا جدًا عن علاقة الشخص العادي؟

إعلان

ملاحظة: أستخدم في هذا المقال مصطلحات “النرجسيين” و”نرجسي” و”اضطراب الشخصية النرجسية (NPD)” للإشارة إلى الشخص الذي يمكن تشخيصه باضطراب الشخصية النرجسية.

افتقار النرجسيِّين إلى العلاقة بالموضوع الكامل

إن العلاقة بالموضوع الكامل تعني القدرة على رؤية الناس بطريقةٍ ثابتةٍ ومُتكاملةٍ وواقعية، باعتبارها تحمل سماتٍ محبوبةً وغيرَ محبوبة، أي إذا كُنت تفتقر للعلاقة بالموضوع الكامل (WOR) فلن تتمكن من تكوين صورة متكاملة، بل ترى نفسك والأشخاص الآخرين إما أخيارًا أو أشرارًا.

أما في حالة الأشخاص الذين يعانون اضطراب الشخصية النرجسية، هناك فئتان أساسيتان فقط:

 مميز= خير

 عديم القيمة = شرير

كيف يؤثر عدم وجود العلاقة بالموضوع الكامل على الذاكرة؟

هناك فائضٌ من البيانات الشخصية لا تتمكن حواسُّنا وعقولنا من معالجتها جميعها، ونتيجةً لهذا يميل كلٌٌ منا إلى إعطاء الأولوية تلقائيًا لِما هو الأهم بالنسبة له، ومن المرجح أن نُلاحظ أمورًا ترتبط برغباتنا الحالية، أو مخاوفنا، أو صدمات الماضي، أو الاحتياجات غير المُلباة من الماضي والتي ما تزال نشطةً في الوقت الحاضر، وهذا يعني أنه عندما يرى النرجسيون أنك شخص مميز -أي من الأخيار- فهم لا يلاحظون ولا يتذكرون حرفيًا سوى تلك الأمور عنك التي تناسب وجهة النظر هذه، فلا يلاحظ جميع البيانات المُحتملة الأخرى التي قد تُناقض هذا المنظور، بما في ذلك أي ماضٍ قديمٍ قد يُعارِض وجهة النظر هذه والتي تُعتبر غير متوازنةٍ على الإطلاق، وكذلك الأمر عندما يرونك عديم القيمة -أي شريرًا- فهم لا يلاحظون ولا يتذكرون إلا الأمور التي تدعم وجهة النظر هذه.

يمكنك اعتبار هذه العملية شكلًا من أشكال التحيزِ التأكيديِّ اللاواعي، أي الميل لمُلاحظة ما يدعم افتراضك الحالي، وتجاهل أي بيانات من شأنها أن تتعارض مع افتراضك الحالي بما في ذلك الذكريات أو السياق.

افتقار النرجسيون لمفهوم الثبات الداخلي للآخر

إن المقصود بالثبات الداخلي للآخر (Object Constancy) القدرة على الحفاظ على الصورة الكاملة لعلاقتك بشكل عام، وخاصةً الجوانب الجيدة والمشاعر الجيدة تجاه شخص ما، عندما تشعر بالغضب أو الإساءة أو الإحباط أو خيبة الأمل بسبب ذلك الشخص، أما إذا كُنت تفتقر للعلاقة بالموضوع الكامل، فبالتالي ستفتقر لمفهوم الثبات الداخلي للآخر؛ وذلك حيث أن الثبات الداخلي للآخر يعتمد على القدرة على رؤية كِلا جانبي الشخص في نفس الوقت.

كيف يؤثر افتقار الثبات الداخلي للآخر على الذاكرة؟

في حال وقع شجار بينك وبين شخصٍ يعاني اضطراب الشخصية النرجسية، فإنه وبمجرد أن يشعر بالغضب منك، فإنه سيراك شخصًا شريرًا، وسينسى تمامًا مشاعره الإيجابية السابقة تجاهك، أو سيفسرها بأنها كانت أخطاءً في محاولةٍ لحل التناقض بين مشاعره الحالية تجاهك وأي مشاعر إيجابية سابقة.

إنك إنسان فظيع، وإن سبق لي أن قلت خلاف ذلك، فذلك كان نتيجة انخداعي بتظاهرك “باللطف”.

قد يصدر عنهم قولٌ لا معنى له كالمذكور أعلاه؛ لأنهم لا يدركون عدم قدرتهم على تكوين صورةٍ متكاملةٍ عن الناس، وهو أمر يتعلمه معظم الأشخاص في سن السادسة، لذلك يجدون أنفسهم مضطرين إلى تبرير التناقض بين وجهة نظرهم الحالية عنك، ووجهة نظرهم السابقة؛ لأنهم غير قادرين سوى على التناوب بين رؤيتك على أنك إما شخص خيِّرٌ أو شرير.

عندما يُستثار النرجسيون عاطفيًا فإنهم يركزون فقط على ما يشعرون به في تلك اللحظة 

عادةً ما يركز الأشخاص الذين يعانون اضطراب الشخصية النرجسية على أفكارهم ومشاعرهم الحالية، ولا يأبهون لشعورهم قبل عشرين دقيقة أو كيف قد يشعرون في المستقبل، فبمجرد أن يثير شيءٌ ما ردة فعلٍ سلبيةً أو إيجابيةً قوية، فإنها تحتل مركز الصدارة، ويتصرف الأشخاص الذين يعانون اضطراب الشخصية النرجسية كما لو أن حالتهم العاطفية الحالية وطريقة تفكيرهم هي كل ما هو موجودٌ وستستمر إلى الأبد.

وبالتالي إن كنت تواعد شخصًا يُعاني اضطراب الشخصية النرجسية، فعندما يشعر بالرضا عنك فقد يشرع في التخطيط لمُستقبلهِ معك، رغم أنكما لا تعرفان بعضكما جيدًا، فمثلًا قد يقول لك: “لنذهب إلى روما معًا، إنني متشوق لأُريك مطعمي المفضل”، وبمجرد قيامك بأمرٍ ما يثير ردة فعلٍ سلبية، تُصبح كلُّ خططهِ هذه فجأة ماضيًا.

يهتم النرجسيون بشكلٍ مفرطٍ بإثبات وجهة نظرهم حالًا ولا يعنيهم السياق الأعم

مرةً أخرى، هذه هي الحالة التي يفقد فيها الشخص الذي يعاني اضطراب الشخصية النرجسية القدرة على وضع الأمور في منظورها؛ لأن ما يشعر به ويريده الآن هو كل ما يهمه.

كيف يؤثر هذا على الذاكرة؟

يُعطي النرجسيون الأولوية للذكريات التي تُشكل أهمية بالنسبة لهم، وحيث أنهم يفتقرون إلى التعاطف الانفعالي، فإن أية ذكرياتٍ حول ما تشعر به أقل أهميةً بالنسبة لهم مقارنةً بما يجول بخاطرهم في تلك اللحظة.

على سبيل المثال، عُدت من العمل إلى المنزل مُنهكًا قبل عشرين دقيقة، وأخبرت رفيقك النرجسيَّ أنك ذاهبٌ إلى غرفة النوم لأخذ قيلولة، لكنه يتصرف وكأنه لم يسمع شيئًا أبدًا، ويبدو أنه قد نسي أنك لم تنم جيدًا ليلة البارحة.

ما الذي يجري؟

لدى رفيقك أمرٌ يريد التحدث فيه الآن، فهو لم يفقد الذاكرة، وإنما لا يأبه في الحقيقة لكمِّ شعورك بالتعب، فكل ما يهمه هو إثبات وجهة نظره الآن، حتى لو كانت وجهةُ النظر هذه لا أهمية لها، مثل: ”علينا إيجاد محل تنظيفِ ملابسَ جديد” أو” لا تُعجبني الطريقة التي قمت بها لتحميل غسالة الصحون”.

بيت القصيد: قد يبدو أن الأشخاص الذين يعانون اضطراب الشخصية النرجسية لديهم مشاكل في الذاكرة، وقد يجدون صعوبةً في تذكُّر الماضي أو الصورة العامة عندما يشعرون بعواطفَ قويةٍ في الوقت الحاضر، وقد ينسون أنهم قالوا يومًا ما: “سأحبك إلى الأبد”، أو أنه وافق بفرحٍ شديدٍ على أن يرافقك إلى حفل زفاف ابن عمك؛ لأنه الآن غاضبٌ مِنك بسبب تأخرك على العشاء، وينسحب الأمر ذاته على الوضع العكسي، فلعله كان لئيمًا معك ليلة البارحة، إلا أنه استيقظ بمزاجٍ جيد، ويتوقع منك أن تكون مُبتهجًا بقدرِه.

مشاكل في الذاكرة؟ لا، بل هي مشاكل في التركيز على الذات.

نرشح لك: النرجسيون الذين يسعون إلى تخريب سعادتكم

*مقتبس من مقال Quora.
المصدر

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.