تأخذك إلى أعماق الفكر

هل نقتل أنفسنا بطيبة القلب؟

تحتاج أحيانًا أن تقول "لا" للآخرين و"نعم" لنفسك.

ما الذَّي يعنيه أن تكون طيَّب القلب؟

لقد عَرَّف عالِمَا النَّفس الإيجابيّ كريس باترسون ومارتن سيليغمان (2004م) طيبة القلب “باعتبارها توجهًا غالبًا للذَّات نحو الآخر”، أيْ أنَّه عندما يكون الشَّخص طيّب القلب بالفعل فإنّه يكونُ مُتفانيًا وغير أنانيّ، ولا يتصرّف بطيبةٍ لحاجته لمبادلتِهِ بالمثْلِ أو للعمل بدافعٍ خفيّ.

وتعدُّ طيبة القلب وجهًا من أوجه القُوَّة الحقيقيَّةِ، حيثُ يعتمد نجاحُ الحضارات عليها، وعلى النَّاس الذّين يُغلّبون المصلحة العامّة على مصالحهم الشّخصيّةِ، فنعلِّمُ الأطفال منذ الصّغر أنْ “يلتزموا الطّيبة مع بعضهم البعض” وأنْ “يعاملوا الآخرين بالطّريقة التّي يحبّونَ أن يعاملوهم بها.”

فوائد طيبة القلب:

بل إنَّ طيب الحياة يستفيدُ من طيبة القلب، ووفقًا لِما صرّح به موقع مايو كلينك فإنّنا عندما نقوم بأعمالِ خيرٍ يتمُّ تنشيطُ مركزِ المُتعة في دماغنا، ممَّا يُطلِقُ هرمون الأوكسيتوسين الذّي يقلّل من الإجهاد، كما أنَّ الأفرادَ الذّين يتطوّعون بشكلٍ مُنتظمٍ يُعرِبون عن زيادةِ رضاهم عن الحياة (Van Willigen، 2000)، والأهمّ من ذلك هو أنَّ فعل الخيرِ نادرًا ما يتوقّف عند شخصٍ واحدٍ فقط، إذْ أنّ هذا الفعل قد يؤدّي إلى تأثير عدوى إيجابيّة؛ حيث يجد الآخرون أنفسهم يميلون إلى التّعامل بلطفٍ عندما يجدون أنفسهم يتلقّون فعلًا خيرًا غير متوقَّعٍ (ويطلقُ على هذا الفعل “السّداد مُقدّمًا”).

هل سبقَ لك من قبلُ أن قمت بفتح الباب لشخصٍ ما فقامَ بردّ الجميل بفتح بابٍ آخرَ؟ هل عرضت يومًا أن تدفعَ ثمن القهوة لشخص ما ثم قام بعدها بدفع ثمن القهوة للشّخص الذّي يليه في الطّابور؟

ومن الواضح أنَّ مثل هذه الأفعال غير المَقصودة من شأنها أن تعودَ بالفائدة على الجميع؛ من خلالِ زيادة الأُلفةِ والثِّقة والامتنان بين الناس.

إعلان

ولكنْ فلنتأمَّل السّؤال التّالي: هل يمكنُ اعتبار طيبة القلب مصدرَ أذًى لنا، على الرَّغم من الفوائِد الواضحة هذه؟

الإفراطُ في شيءٍ خيّر؟

لقد كرّس كريس بيترسون حياته المهنيَّة في علم النَّفس الإيجابيّ لفهمِ مواطن القُوَّةِ الأكثرِ شُيوعًا بين النّاس في مُختلف أنحاءِ العالَم، وفي بعضِ أعمال بيترسون (2006) كانت طيبةُ القلب والكرمِ من بين أهمّ أوجه القوّة لدى المَفحوصين في الولايات المتحدة، كما أضافَ بيترسون أنَّ كلّ وجهٍ من أوجه القُوّة يمكنُ أن يمتلكها شخصٌ ما يصاحبها أيضًا ما يطلَقُ عليه “الجانب المُظلِمُ”، ولعلَّنا عندما يظهرُ هذا الجانب المُظلم لقوّة ما فَمِنَ المُرجَّح أنّنا نُفرِطُ في استخدام هذه القُوّة.

دعنا نتأمَّل هذا من منظور مكان العمل أو المؤسّسة:

أنتَ موظفٌ مستّجدٌ في الفريق، وترغب بأن تكون محبوبًا وأن تحظى باحترامِ زملائك، وحيثُ أنَّك شخصٌ طيّب القلب للغاية، وحريصٌ على نجاح مؤسّستك، فإنّك تقول للزّملاء: “أخبروني كيف يمكنني مساعدتكم، فأنا دائمًا مستعدٌ للمساعدة”، وعلى الرّغم من أنّك على الأرجح صادقٌ في هذا، إلّا أنّ هناك للأسفِ أشخاصٌ في هذا العالم يمكنهم تفسيرُ هذه الطّيبة على أنّها ضعفٌ.

وكما توضّح جو ألين غزيب في كتابها “عامل الطّيبة: فنّ أن تقول لا” (The Nice Factor: The Art of Saying No) فعندما تكونُ شخصًا طيّب القلبِ حقًا فإنّك على الأرجحِ تسعى إلى حبّ النّاس، وقد تشعر بالقلق بأنّك قد تتسبّب في إهانةٍ للآخرين إذا رفضت لهم طلبًا، أو في حال طلبت أنت خدمةً في المقابل، وقد يؤدّي هذا السيناريو إلى استغلالِ البعضِ لك.

لذا دعنا نتخيَّل أنّه قد مرَّ عامٌ، أنتَ الآنَ في منصبك منذ عامٍ، وتعمل مع الفريق نفسِهِ، وتلاحظُ أنّ زملاءك يواظبون على طلب مساعدتك مرارًا وتكرارًا، بل وفي الواقع فإنَّ المرّة الوحيدة التّي يتفاعلون فيها معك هي عندما يحتاجونَ إلى شيءٍ منك، لقد كنت سندًا لزملائك، ونادرًا ما كان هناك أيُّ معاملةٍ بالمثل من طرفهم، وأنت تشعرُ بالخجلِ من طلب مساعدتهم.

تخيّل مستوى الإحباطِ الذّي تشعر به! فتتصرّفُ أنت دائمًا، دون طلبٍ، بطيبةٍ وسخاءٍ مع الآخرين، ولكنْ لا تتلقَّ أيّ طيبةٍ في المقابل، فمن الطّبيعيّ أن نرغب في رؤيةِ السُّلوكيّات والتّصرّفات التّي نقدّرها في أفعالِ الآخرين، وعندما لا نجد هذه التّصرُّفات فإنّ هذا يُولِّدُ شعورًا بالتّنافرِ وعدمِ الانسجامِ، فالعالَمُ من حولنا والنّاس الذّين يعيشونَ في هذا العالَمِ ليسوا كما نريدهم أنْ يكونوا، وقد يؤدّي هذا الصّراع الدّاخليّ إلى ضغوطٍ كبيرةٍ لأيّ فرد.

سلطة أن تقول “لا”

إجمالًا، فكونُ المرءِ طيّب القلب مع الآخرين يعدُّ ميزةً هائلًة، وإنْ كنت من النّوعِ الذّي لا يطيبُ لك إلّا الإيثار، فإنَّ إيماءاتك سوف تكونُ محلّ تقديرٍ، بل وربما تعدّ “سدادًا مُسبقًا”.

فلنعمل معًا لدحضِ الافتراضِ بأنّ الأشخاص الطّيبين هم بمثابةِ “مماسحٍ للأرجلِ” و”فريسةٌ من السَّهل اصطيادها”، ومن المُثيرِ للاهتمام أنّ هذه النّتيجة قد تتطلَّبُ منَّا أن نركّز على الذَّات قليلًا، أيْ أنَّه ينبغي أن نزيدَ من قدرتنا على قول “لا”.

عليك أن تدرك في بعض الأحيان أنّك مشغولٌ جدًا، أو أنّك ربّما مُنهكٌ جسديًا وذهنيًا، وعندما يَطلبُ الأشخاص منك معروفًا عليك بتقييمِ ما إذا كان لديك الوقتُ والطّاقةُ والاهتمامُ الضّروريّ لمنحهم إيّاها، ولكي تحافظ على إيثار الآخرين بفعاليّة تحتاجُ أحيانًا إلى أن تشعرَ براحة ٍأكثرَ عندما تقول “لا” للآخرين وتقول “نعم” لنفسك.

نرشح لك: هل القلب مكمن الشعور والروح ، أم أنه مجرد مضخة ؟

المصدر
https://www.psychologytoday.com/us/blog/darwins-subterranean-world/202006/are-we-killing-ourselves-kindness?utm_source=FacebookPost&utm_medium=FBPost&utm_campaign=FBPost

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.