تأخذك إلى أعماق الفكر

هل النحل كائنات واعية؟

هل الحشرات "كائنات زومبية" لا حياة داخلية بها؟ إن النظر بكثب إلى سلوكياتهم وحالاتهم المزاجية يوحي بخلاف ذلك

اعتاد كلب رينيه ديكارت مرافقة الفيلسوف الفرنسي في مسيرته التأملية، وكان الكلب محل اهتمامه الشديد. ومع ذلك، فإن ديكارت لم يفكر في الجزء الأكبر من الحياة الداخلية للحيوانات وكتب ديكارت رسالة في عام 1646 قائلًا “إن السبب الذي يجعل الحيوانات لا تتحدث كما نفعل هو ليس أنها تفتقر إلى الأعضاء ولكن لأنها ليس لديها أفكار”.

جادل أتباع ديكارت بأن الوعي هو خاصية إنسانية فريدة، خاصية ربما تيسرها اللغة، وتسمح لنا بالتواصل وبتنسيق ذكرياتنا وأحاسيسنا وخططنا مع مرور الوقت. من وجهة النظر هذه التي لا تزال إصداراتها مستمرة في بعض الأوساط اليوم والتي تقول إنّ الحيوانات لا تكون أكثر من مجرد آليات تلقائية بارعة مع وجود مجموعة أدوات من السلوكيات المبرمجة مسبقًا التي تستجيب لمحفزات محددة.

الحشرات مثل النحل والنمل غالبًا ما يتم أخذها كمثال على الطريقة الآلية والميكانيكية المتعلقة بطبيعة الحيوان. ولقد عرف العلماء منذ فترة طويلة أن هذه المخلوقات لا بدّ من أنها تمتلك ذخيرة سلوكية كبيرة من أجل بناء منازلهم المتقنة والدفاع عنهم ضد المتسللين وتزويد أطفالهم بالغذاء. ومع ذلك لا يزال الكثيرون يرون أنه من المعقول أن ينظروا إلى النحل والنمل أكثر من مجرد “آلات لا إرادية” أو أنها تفتقر إلى تمثيل داخلي للعالم أو القدرة على التنبؤ حتى بالمستقبل القريب. وفي غياب المحفزات الخارجية أو المحفزات الداخلية مثل الجوع، يُعتقد أن عقل الحشرة مظلم ودماغها مغلق. أي أنهم حشرات قريبة من مفهوم “الزومبي الفلسفي”: أي هم كائنات افتراضية تعتمد بشكل كلي على الروتين وردود الفعل دون وجود أي وعي.

ولكن ربما لا تكمن المشكلة في أن الحشرات تفتقر إلى الحياة الداخلية، ولكنها تكمن في أنها ليس لديها طريقة للتواصل بلغة يمكننا أن نفهمها. ومن الصعب علينا أن نفتح نافذة إلى أذهانهم. لذا ربما نخطئ في تشخيص أدمغة الحيوانات على أنها تمتلك خصائص شبيهة بالآلات لمجرد فهمنا للكيفية التي تعمل بها الماكينات، في حين أننا حتى الآن لدينا فقط نظرة متفاوتة وغير كاملة عن كيفية قيام أبسط العقول بمعالجة وتخزين واسترجاع المعلومات.

ومع ذلك، هناك الآن العديد من الإشارات على أن الظواهر الشبيهة بالوعي قد لا توجد فقط بين البشر أو حتى القردة العليا ولكن قد تمتلك الحشرات أيضًا وعيًا. ولم تنبع جميع خطوط الأدلة هذه من تجارب مصممة خصيصًا لاستكشاف الوعي. ففي الواقع، بقي البعض مدفونًا في خضم الأدب لعقود بل وحتى قرون دون أن يعترف أحد بأهميتها الخفية.

إعلان

واستنادًا إلى مثل هذه الأدلة، فإن العديد من علماء الأحياء (خاصة إيفا جابلونكا في تل أبيب وأندرو بارون في سيدني)، والفلاسفة (بيتر جودفري سميث في سيدني وكولين كلاين في كانبيرا) يشيرون الآن إلى أن الظواهر الشبيهة بالوعي لم تكن قد تطورت متأخرة في تاريخنا كما كنا نظن سابقًا. بدلًا من ذلك، يمكن أن تكون تلك الظواهر الشبيهة بالوعي قديمة من الناحية التطورية إذ أنها نشأت في العصر الكامبري قبل حوالي 500 مليون سنة.

نعتقد أن الوعي في جذوره التطورية هو التكيف الذي ساعد على حل مشكلة كيفية استخراج الكائنات الحية المتحركة معلومات ذات مغزى من أجهزة الإحساس لديها. في بيئة دائمة التغير وغير قابلة للتنبؤ، يمكن للوعي أن يحل هذه المشكلة بشكل أكثر فاعلية من الآليات اللاواعية. إنه يتضمن خصائص متعددة لكن بعضها يشمل: فهم الوقت والفضاء والقدرة على الوعي الذاتي والحكمة والعواطف والمعالجات التنازلية. وكما كتب عالم الحيوان الأمريكي دونالد جريفين في كتابه عقول الحيوانات (1992) “تتفاوت الظروف البيئية بشكل كبير لدرجة يجعل دماغ حيوان يملك مواصفات مبرمجة لسلوك مثالي في جميع الحالات، من شأن هذه المواصفات أن تتطلب سجل تعليمات مطول ومستحيل.”

خذ نحل العسل مثلًا -وهو نوع من أنواع النحل- يملك “لغة” رمزية يمكنه من خلالها التواصل بشأن الترتيبات الدقيقة لمصادر الطعام في الزهور. في هذه “اللغة الراقصة” تقوم النحلة الرائدة الناجحة والعائدة من حقل زهور غني بإجراء تسلسل متكرر للحركات في الخلية الداكنة الموجودة على قرص العسل بشكل عمودي. تسترعي هذه الحركات انتباه نحلات أخريات فيتحرك النحل الباحث عن الطعام للأمام في خط مستقيم لبضع سنتيمترات. ثم ينتقل في دائرة نصفها إلى اليسار، ثم يعود إلى نقطة البداية، ويؤدي دورًا آخر مستقيمًا على طول مسارها الأول ثم يدور إلى اليمين. تخبر مدة الدورة المستقيمة هذه النحلَ الآخر المسافةَ إلى مصدر الغذاء (حوالي ثانية واحدة من مسافة المشي راقصين ما يعادل رحلة كيلومتر نحو الهدف). مقارنة بالجاذبية، يشفر اتجاه هذا الجري الاتجاه النسبي للشمس، على سبيل المثال، إذا كان الجري نحو الخلية مستقيمًا، فهذا يخبر النحل الآخر أن يطير في اتجاه الشمس -في حين إذا كان الاتجاه نحو “الأسفل” فهذا يعني التحليق في الاتجاه المعاكس للشمس-.

حصل هذا الاكتشاف في عام 1945 على جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب للنمساوي كارل فون فريش العالم في سلوك الحيوان. ومثل هذا التواصل في حد ذاته لا يشير ولا يتطلب وجود وعي. بعد مرور عقد من الزمن، قام أحد طلاب فون فريش وهو مارتن لينداور بإلقاء نظرة على خلية نحل أثناء الليل واكتشف أن بعض النحل قد أعلن عن مواقع للعديد من مناجم البحث عن الأطعمة التي اكتشفوها في اليوم السابق. قبل منتصف الليل، تحدثوا عن المواقع التي تمت زيارتها في المساء السابق، وفي الساعات التي تسبق شروق الشمس ناقشوا المواقع التي زاروها في الصباح السابق.

إذًا لقد استعاد هذا النحل ذكرياته المكانية بالكامل خارج السياق، في وقت لم يكن فيه أي إمكانية للتعلم، وبالتالي لم تكن هناك حاجة فورية للاتصال. ربما يكون لديهم “مجرد فكرة” حول هذه المواقع بشكل عفوي أثناء الليل. أو ربما يكون التواصل هو استراتيجية لتوحيد الذاكرة المكانية. ومنذ ذلك الحين وجد العلماء أن ذكريات النحل في اليوم السابق تُعزَّز عندما يتعرض لعناصر من هذه الذكريات أثناء النوم العميق. ربما لا يمتلك النحل ميزة التفكير والكلام فقط، ولكن ماذا عن الأحلام؟

إن التأثير الأساسي لاكتشاف لينداور هو أن النحل قادر على “التفكير غير المباشر” حول المواقع المكانية وربط هذه المواقع بوقت ما من اليوم في حال عدم وجود أي سبب خارجي. هذا ليس ما ينبغي أن يحدث إذا كانت ذكريات النحل مجرد محفزات بيئية مقترنة بمحفزات داخلية مثل الجوع. يبدو أن النحل لديه واحدة على الأقل من السمات الرئيسية للوعي وهي: تمثيلات الزمان والمكان.

ميزة أساسية أخرى للوعي البيولوجي هي الوعي الذاتي. إن القدرة على التعرف على الذات هي أصل القدرة على تمييز الذات عن كيان آخر وكذلك التخطيط والانتباه وتذكر ذكريات أحداث معينة واتخاذ وجهة نظر مخلوق آخر. تمتلك العديد من الحيوانات مثل القرود وفصيلة الغرابيَّات هذه القدرات.

وبدون شكل أولي من أشكال الوعي الذاتي لن يكون للحيوانات القدرة على حل المدخلات الحسية الناجمة عن العالم الخارجي عن تلك الناتجة عن الإجراءات الطوعية. إذا كانت الصورة الموجودة على شبكية العين الخاصة بك تميل فجأة بمقدار 45 درجة فأنت تعلم أن هذا أمر جيد طالما أن هذا كان نتيجة لتعمّدك إمالة رأسك. ولكن إذا لم يكن هناك تعمد لتحريك رأسك فقد تكون في وسط زلزال الآن ومن الأفضل لك أن تركض.

يُعتقد أن الحيوانات تستطيع التفريق بين هذه السيناريوهات عبر ما يُعرف باسم “النسخة الناقلة”: وهي إشارة داخلية تنقل عواقب إجراءات الحيوان نفسها بحيث يمكن التمييز بين التغيرات الحسية التي تسببها تحركاتها من التغيرات التي تسببها القوى الخارجية. وفي الظروف العادية تتوقع الحيوانات أن ما يحدث في البيئة بطريقة يمكن التنبؤ بها عندما تحرّك رأسها عمدًا. وهذا يسمح لها بتوقع ما سيحدث بعد ذلك كنتيجة لأفعالهم أو نواياهم.

كان هناك اقتراحات مبكرة من مصطلح “النسخ الناقلة” في القرن التاسع عشر على الرغم من أن هذا المصطلح قد تمت صياغته لأول مرة من قبل علماء الأحياء الألمان إريك فون هولست وهورست ميتيلشتيدت الذين بدأوا دراسة الذباب. في واحدة من تجاربهم في عام 1950، قاموا بقلب المدخلات في دماغ الذبابة من العين اليسرى واليمنى وذلك باستخدام تقنية بدائية (وقاسية): حيث تُلوى رقبة الذبابة الرقيقة بمقدار 180 درجة، ثم يُلصق رأسها بعدئذ رأسًا على عقب (وكانت النتيجة أنه عندما تحوّل الذبابة عينها إلى اليسار أو اليمين، فإنّ الإشارات الحسية تغدو عكس تلك التي توقعتها. (لم تكن تلك الإشارات الحسية مقلوبة رأسًا على عقب لأن البيئة التجريبية كانت تتكون من خطوط عمودية). وبسبب حرمانها من قدرتها على توقع ما تراه، فإن الذبابة تصرفت بطريقة عشوائية. وخلص الباحثون إلى أن النتيجة هي بوضوح نتيجة كارثية، ويبدو أن الحشرات، مع رأسها في الوضع الطبيعي، لديها مكون من المكونات الرئيسية للوعي: وهو القدرة على التنبؤ بما سيحدث في المستقبل نتيجة للذات وأيضًا الحركات المولدة ذاتيًا والتي تسمح لهم بالتحرك والتصرف بفعالية.

هناك أيضًا دليل على أن الحشرات لديها أكثر من مجرد “كتاب تعليمات” داخلي بسيط. لقد اختبر المجربون هذه الفرضية من خلال مواجهة الحشرات بمهام لم يكن من المحتمل أن يصادفها أي من أسلافهم التطوريين. فمنذ أكثر من 200 عام، اقترح عالم الطبيعة السويسري الأعمى فرانسوا هوبر (يعمل مع زوجته ماري إيمي لولين والخادمة فرانسوا بيرنز) أن نحل العسل قد أظهروا نوعًا من الحكمة في بناء قرص العسل.

فبينما كان نحل العسل منشغلًا في بناء قرص العسل (عادةً يكون قرصًا ثنائي الأبعاد)، وضع فريق هابر ألواح زجاجية في مسار البناء. (الزجاج هنا هو سطح ضعيف من أجل تركيب الشمع.) اتخذ نحل العسل إجراء تصحيحي بفترة طويلة قبل وصولهم إلى الزجاج إذ قاموا بتدوير التركيب الكامل بمقدار 90 درجة وذلك لتوصيل أقراص العسل إلى أقرب سطح خشبي. على ما يبدو أن النحل قدر المسافة من موقعه الحالي إلى المنطقة المستهدفة وحاول تجنب أي نتيجة غير مثالية.

في إحدى المرات، لاحظ فريق هابر أن أحد أقراص العسل العديدة قد كسرت سقف الخلية في فصل الشتاء. في الأشهر الباردة يكون النحل عادة في حالة هادئة؛ فيتوقف عن بناء الأقراص، وتقلل الحشرات نشاطها لضمان استمرار تخزين المواد الغذائية حتى الربيع. ومع ذلك وفي هذه المناسبة لم يصبح النحل نشطًا فقط لتحصين القرص المعزول مع عدد من الأعمدة والعوارض المتقاطعة المصنوعة من الشمع بل عززوا أيضًا مناطق التعلق من جميع الاقراص الأخرى على السقف الزجاجي – وذلك على ما يبدو لضمان عدم وقوع كارثة مرة أخرى. هذه الحكمة، إذا تأكدت تجريبيًا بالطرق الحديثة وحجم العينات، هي واحدة من السمات المميزة للوعي. ويبدو بشكل ملحوظ – وفي هذه الحالة- أنها تمتد إلى ما هو أبعد من المستقبل القريب.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

ترجمة: عبدالرحمن بلال

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تدقيق علمي: عمر العجيمي

الصورة: pixabay

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.