تأخذك إلى أعماق الفكر

نظرية تبرير النظام المستخدمة في السياسة

الفكرة من نظرية تبرير النظام هي أن البشر يميلون إلى تبرير أفعالهم وفقًا لأهداف اجتماعية، أو بشكل أكثر تحديدًا، هناك توتر بين المصالح الشخصية والاجتماعية وبين الدقة في كيفية تطوير سرد الناس للمبررات، وكيفية حديثهم عن ماهيتها وما يفترض بها أن تكون.
تنقل لنا السياسة مثال حيّ على عملية تبرير النظام، فالمحاميون السياسيون مثلًا يمتلكون أهداف واضحة، حيث أنهم يتوقون للحصول على نفوذ اجتماعية، فيقومون بوضع سياسات تمكن فريقهم والمانحين عليه وأصدقائهم من تحقيق هذه المكاسب والنفوذ حتى يستمروا بالحصول على المال والاهتمام وجذب الأنظار والتأثير عليهم.
فالرئيس الأمريكي السابق ترامب أدى هذا الدور جيدًا، ولو أمكننا أن نجعلها كخوارزمية بسيطة، فهو لن يؤيد إلا الأمور التي تدعم نفوذه الاجتماعية، لذا فعندما قامت وكالة أسوسيتد برس Associated Press بالاتصال بشأن الانتخابات، رفضها وحاول تقديم كل الادعاءات لإبطالها، وبالطبع ترامب ليس الوحيد الذي يتصرف هكذا، بل يوجد الكثير من الشخصيات تتصرف التصرف ذاته في السياسة، لكن ترامب كان واضح بشكل كبير حيال ذلك؛ نظرًا لكونه واضحًا وصريحًا جدًا، فقد سمح لنا هو وفريقه برؤية كيف يمكن أن تتشكل الحجج والادعاءات التي تثير الجدل تبعًا لدوافع الفرد ورغباته، خذ في عين الاعتبار وعلى سبيل المثال، أنه عندما قامت ألاسكا من وكالة اسوسيتد برس Associated Press بالإتصال بترامب، قامت ابنته إيفانكا بالتغريد على التوتير بفخر بأن والدها قد فاز بولاية، بالطبع كان هذا التصريح يتعارض بالكامل مع نظرية تبرير النظام، والذي بينه فريق ترامب عند شرحهم سبب عدم اعتبار جو بايدن رئيس منتخب، كما غرد ترامب قبل بضعة أيام فقط: “منذ متى تتصل قنوات الإعلام بمن سيكون رئيسنا القادم؟”.
تعد ميزة التحيز هذه جزءًا من التركيب الأساسي للآنا البشرية وفقًا لـ جست JUST، والتي يمكن اعتبارها العضو العقلي للتبرير، فعلى سبيل المثال فكرت في قصة تتعلق بأولادي، كانت ابنتي سيدني في الرابعة من عمرها وكانت تلعب مع ابني جون الذي يبلغ من العمر سنتين، وصدفت أن راقبتهم من الغرفة المجاورة، فجأة تحولت عملية لعبهم إلى جدال حيث قام جون بدفعها، ولكونها أكبر وأقوى منه دفعته سيدني بقوة، فسقط على الأرض وهمّ بالبكاء، ظهرتُ بعدها في المشهد وقلت: ماذا حدث؟ قالت سيدني دون أي تردد: لقد سقط.
في الواقع هذه إجابة محنكة للغاية، لاحظ أنها دقيقة من حيث المبدأ، حيث كان جون على الأرض وكان يبكي لأنه سقط بالطبع، وسبب سقوطه على الأرض هو أنها دفعته، لكنها تجاهلت الحقيقة ولم تعترف لأنها لم ترغب في مواجهة العواقب الاجتماعية، لاحظ أن هذا ليس شيئًا كان عليها تسويته أو حتى التفكير به، فبدلًا من ذلك حاولت الآنا عندها على الفور إنشاء سرد للأحداث لكي تحافظ على نفوذها الاجتماعية.
وعندما قلت لها: رأيتك تدفعينه، كان ردها الفوري: لكنه دفعني أولًا، فهي لم تهتم لكونها أذنبت، ولم تلقِ على عاتقها مسؤولية سقوطه، لكن بالأحرى كان هناك رد فعل محفز لديها للدفاع فيه عن الآنا بغض النظر عن الحقائق الفعلية، وهذا تصرف طبيعي جدًا من طفل يبلغ الرابعة من عمره، ولحسن الحظ تعلمت سيدني على مر السنين أهمية الصدق والنزاهة، فقبل أيام أخبرتني عن الفرضة التي انتهزها الطلاب للغش في امتحاناتهم الإلكترونية في ظل انتشار وباء كورونا، حيث ذكرت أنها لن تفعل ذلك لأنه من المهم أن نكون صادقين.
كما يوحي هذا السرد، أنه يمكن لنظرية تبرير النظام أن تتطور بطرق مختلفة في أشخاص مختلفين وسياقات وبيئات مختلفة، ويبدو أن الكثير من أنظمتنا السياسية التي تستند إلى التبرير تدور حول التصرف الذي قامت به سيدني عندما كانت في الرابعة من عمرها.

نرشح لك: كيف تجعلنا السياسة أغبياء

المصدر

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: فرح أحمد سلمان

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.