تأخذك إلى أعماق الفكر

نظرة مُحَلِّقَة فوق المُعَلَّقَات الجاهلية عبر العُصُور المُتَتَابِعَة

تمهيد

لفظُ “المعلقات” من أقدم المصطلحات التي عرفها تاريخ الأدب العربي، وقد أُطلِقَ على مجموعة مشهورة من القصائد التي أُثِرَتْ عن فحولِ الشِّعْر في الجاهليَّة[1]. ويختلف الشراح والنُّقَّادُ في عدد المعلقات وعدد أصحابها؛ فبعضهم يجعلها ثمانيًا، وبعضهم يجعلها عشرًا. والقول المشهور أنها سبع وأنَّ أصحابها هم امرؤ القيس وزهير وطَرَفَة ولبيد وعنترة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزَة[2]. أما من جعلها ثمانيًا؛ فيضيف إلى أصحابها النابغة، ومن جعلها عشرًا؛ فإنه يضيف إليهم الأعشى وعبيد بن الأبرص[3].

اعتلت هذه القصائد عرشَ الذاكرة العربية، فشغلت الناس منذ صَدْر الحضارة العربية حتى يوم الناس هذا.

أحاول في هذا المقال أن أمرَّ مرورًا على تلك الكتب التي تناولتْها بالدارسة والبحث عبر العصور المختلفة حتى العصر الحديث، وما قد يميز هذه الدراسات بعضها عن بعض.

قضية التعليق وما دار حولها من خلاف

ترد قصة التعليق قائلة إن العرب اختاروا من شعر فحولهم قصائد، وذَهَّبُوها على الحرير، وناطوها بالكعبة تشريفًا لها، وتعظيمًا لمقامها، واعترافًا بحسن سَبْكِها، حتى أصبحت العرب تترنَّم بها في أنديتها[4].

وردتْ أقدمُ إشارة إلى هذه القصة على لسان ابن الكلبي (ت 204هـ)؛ إذ يقول:

إعلان

وأول ما عُلِق في الجاهلية شعر امرئ القيس..

صمت المهتمون بالأدب بعد ذلك عن هذه القضية مدة تزيد على قرن من الزمان لتعودَ مرة ثانية على لسان ابن عبد ربه (ت 328هـ) مقرِّرًا لها، ومرة أخرى على لسان ابن النحاس (ت 338 هـ) منكرًا للقصة من أساسها. ويتتابع العلماء من بعدهما؛ فريقٌ يقبل قصة التعليق، وفريق ينكرها ويردها، والذي يمكن قوله هنا دون شك أن هذا الاسم (المعلقات) قد اطّرد عَلَمًا على هذه القصائد، حاجبًا ما عداها من أسماء.

جاء المعاصرون بعد ذلك وحركتهم أسطورة التعليق وداعبت خيالهم؛ فدار حولها جدل كبير ما بين مؤيد ومعارض.

نُفَاة

من أهم النافين لقصة التعليق نولدكه الذي يرى أن اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات المعلقات دليل على عدم صحة التعليق، وأن قصة التعليق نشأت تفسيرًا لظاهر التسمية لا سببًا لها. ويأتي كريمير مشيرًا إلى الاستعمال اللغوي للفعل “عَلَّقَ” الذي يعني النسخ والنقل والتدوين، وأن كلمة التعليق جاءت؛ لأن هذه القصائد دُوِّنَت بعد فترة طويلة من النقل الشفهي. أما أهلورد فيرى أن كلمة التعليق جاءت من تعليق البيت أو الأبيات بما سبقها. ويرى تشالزليال أن التعليق اشتُقَّ من “العِلْق”، وهو الشيء الثمين.

يرى الرافعي أن قصة التعليق على الكعبة خبر موضوع خَفِيَ أصلُه حتى وثق به المتأخرون. وأحسن وجه في تسميتها بهذا الاسم -في رأي محمد الخضر حسين– علوقها بأذهان صغارهم وكبارهم لشدة عنايتهم بها. أما شوقي ضيف؛ فيرى أن قصة التعليق من قبيل الخرافات والأساطير.

انقسم النافون إذن إلى قسمين؛ الأول: يرفض القصة دون أن يعيرها أي اهتمام كما فعل ابن النحاس قديمًا والرافعي حديثًا، والثاني: يرفض القصة مع قبول الاسم؛ فيشغل نفسه في إيجاد تعليل لهذا الاسم.

مؤيدون

وإذا انتقلنا إلى أصحاب الرأي القائل بصحة التعليق نجد جرجي زيدان يرى أن تسليم هذا العدد الكبير من الباحثين مُرَجِّح قوي لصحة التعليق، ويتساءل: وأي غرابة في تعليقها وتعظيمها بعد ما علمنا من تأثير الشعر في نفوس العرب وتعظيمهم أصحابَه؟ والتعليق عند أحمد حسن الزيات سنة جاهلية بقِي أثرها في الإسلام، ومن ذلك تعليق قريش للصحيفة مقاطعةً لبني هاشم وبني عبد المطلب؛ فلم لا يكون الأمر كذلك في هذه القصائد؟! والعقل -في رأي محمد هاشم عطية– لا يرى مانعًا من القول بصحة التعليق، ولا يوجد سبب معقول يدعو إلى تكذيب الروايات التي تَوارَد عليها الرواة في مختلف العصور كما يقول بدوي طبانة. يرى سليمان الشطي أن عدم منافاة التعليق للعقل والعادة وانسجامه مع بعض الأحداث المُسَجَّلَة لا يعني ضرورةَ وجوده. [5]

إطلالة على شروح المعلقات

بدأت العناية بهذه النصوص الشعرية مبكرًا؛ فسعى الساعون إلى فكِّ مغاليقها أمام القارئ. وتنهض أقدمُ إشارة إلى أول هذه الشروح عند ابن النديم في الفهرست ناسبة إلى الأصمعي (ت 216 هـ) كتابًا باسم “كتاب القصائد الست”. وليس من الثابت أن يكون شرحًا لقصائد ست من هذه السبع المشهورة؛ فقد يكون مختارات شعرية. والذي لا شك فيه أن للأصمعي جهودًا نراها في كتب الشروح المختلفة.

إن أقدم نص مشروح بين أيدينا هو تلك النسخة الفريدة الباقية من شرح أبي سعيد وأبي جابر، وتعود تلك النسخة في أصلها إلى أوائل القرن الثالث. يُرَجِّح سليمان الشطي أن هذا الشرح يعود في أصله إلى أبي سعيد الضرير، أحد ثلاثة اصطحبهم عبد الله بن طاهر حين ولاه المأمون خراسان، وكان مؤدِّبًا لأولاده. وواضح من الأخبار التي بين أيدينا أنه كان مهتمًّا اهتمامًا خاصًّا برواية الشعر وتفسيره، ولم يذكر المترجمون له سنة وفاته، إلا أن صاحب معجم المؤلفين يذكر أنه كان حيًّا سنة 217 هـ.

أما أبو جابر هذا الذي قاسم أبا سعيد الضرير شرحه فإنه لم يُتَوَصَّلْ إلى شخصه وهُويته، وهو يشاطر أبا سعيد الشرح كله، ويمكن فصل كلام كل واحد عن الآخر بسهولة.

تبرز في هذه النسخة شخصية جامعها من خلال بعض الملاحظات المنثورة في ثنايا الشرح؛ فليس ناسخُها ناسخًا عاديًا، ويرجح الشطي إمكان أن يكون كاتب هذا الشرح أحد تلاميذ هذين الشارحين أو أحدهما.

نأتي إلى طريقة أبي سعيد في شرحه، وهي نفسها ذات الطريقة التي سار عليها قسيمُه أبو جابر وكثير من الشراح بعدهما.

يبدأ أبو سعيد شرحه بإثبات المعنى العام مع إيراد الإعراب واللغة والأحداث التاريخية بنوع من التوازن والاختصار في المعلومات وعدم الإسراف في بسط آراء الآخرين، كما أنه وازن بشكل مُعْجِب بين الاهتمام اللغوي والإحساس بالمعنى، ويأتي أبو جابر بعده يؤازره في تقديم معنى متكامل للبيت المشروح. ومما يمتاز به هذا الشرحُ قدرته على التحرر من الأقوال المأثورة والمشهورة، فتُحس فيه بحضور شخصية الشارح.

لم تكن مساهمة أبي سعيد وأبي جابر هذه المساهمة الوحيدة في القرن الثالث الهجري، إنما كان لابن السكيت (ت 244 هـ) مساهمة واضحة في هذا المجال؛ فقد ذكرت بعضُ المصادر أنَّ له شرحًا لهذه القصائد السبع. لعله مما لا شك فيه أن كان لابن السكيت عناية بهذه القصائد؛ فقد تردد اسمُه في شروحها ترددًا واضحًا ومطردًا مما يؤيد وجهة النظر التي تقول أن قد كان لهذا العالم نص مكتوب أو أَمَالٌ ودروس وعاها من نقل عنه. وقبل أن نودع القرن الثالث الهجري نشير إشارة إلى ابن كيسان (ت 299 هـ) الذي أقام شرحًا متكاملًا بقيت آثاره عند بعض الشراح.

تستوي الشروح نشاطًا متكاملًا في القرن الرابع بعد أن توافرت صورة واضحة للشعر الموثق الذي يسره الرواة والعلماء وصُنَّاع الدواوين. ولعلَّ أهمَّ شرحَين بقيا من هذا القرن شرح ابن الأنباري (ت 328 هـ)شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات“، أما الآخر فشرح أبي جعفر النحاس (ت 338 هـ). ضاعت شروح كثيرة في هذا القرن ومنها شرح ابن درستويه (ت 347 هـ) المُسَمَّى “تفسير السبع الطوال“، ومن أبرزها شرح أبي علي القالي (ت 356 هـ)، وغيرهما.

تتوالى الشُّروح بعد القرن الرابع، ومن أهم الشروح المُتَمَيِّزَة في هذا العصر شرح الأعلم الشَّنْتَمَرَي (ت 476 هـ)، وأبي بكر البطليوسي (ت 494 هـ)، ومن الشخصيات المتميزة حقا الزُّوزَنِي (ت 486 هـ) في شرحه المشهور. ومن جاء من بعد هؤلاء فهم نقلة وملخصون من مثل التبريزي (ت 502 هـ)، وتلميذه الجواليقي (ت 540 هـ). وتتوالى بعد ذلك الشروح العديدة التي تعتمد في أغلبها الأعم وكثرتها على الأصول الأولى.

وإذا ما وصلنا إلى القرن العشرين نجد أن شروحها قد تكاثرت بصورة يصعب حصرها، ولكن يمكن القول إن النهج القديم في شرح المعلقات قد وجد صداه عند أصحاب الاتجاه الإحيائي للتراث العربي ومن ذلك شرح الشنقيطي (ت 1913 م)  المسمى “شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها”. أما أصحاب الاتجاه الحديث؛ فحاولوا الاعتماد على الثقافة الحديثة والدراسات المعاصرة في تناول هذه الأشعار، نذكر من هذه الدراسات مثلًا كتاب عبد الملك مرتاض المسمى: “المعلقات: مقاربة سيمائية/ أنثروبولوجية لنصوصها“.[6]

الاتجاهات التعليمية في تَنَاوُل المعلقات

رسخ في الأذهان أنَّ الشعر الجاهلي هو الأساس الأول للثقافة اللغوية والأدبية، ولما تراكم الزمان وبعدت الأجيال عن هذا الأصل احتيجَ إلى شروح وتعليقات تُقَرِّبُ هذا الشعر للأجيال الجديدة.

كانت شروح الشعر الجاهلي قبل ظهور هذه الحاجة التعليمية الملحة تنحصر مهمتها في إيراد كل ما يتعلق بالنص من معلومات لغوية وتاريخية وبلاغية مع إيراد الخلافات حول رواية النص وتفسيره وفق كل رواية مع الإطالة في عرض الخلافات الدقيقة في النحو والصرف والبلاغة وغير ذلك. أما الطريقة التعليمية فقد اتجهت إلى شرح النص مع أقل قدر ممكن من المعلومات المفيدة المتصلة بالبيت تسهيلًا على طلبة العلم وعموم المثقفين.

يمكن النظر إلى الشروح التعليمية ضمن ثلاث اتجاهات رئيسة، وهي: المنهج التعليمي اللغوي، والمنهج التعليمي الفني، والمنهج التعليمي التلفيقي.

أما أصحاب المنهج التعليمي اللغوي، فهم يهتمون اهتمامًا بالغًا بالعلوم اللغوية أثناء شرحهم، ويعتمدون على من سبقهم مع عناية بالاختيار وعدم تحرج من الحذف وإعادة الصياغة. أما أصحاب المنهج التعليمي الفني؛ فالنص عند هؤلاء هو الأصل الذي يدور حوله الكلام، مع إيراد كل ما يخدم النص الأصل ويقرب روحه إلى المتلقي. وعن أصحاب المنهج التلفيقي؛ فهم ينطلقون من نفس الأصل الذي ينطلق منه أصحاب المنهج اللغوي لكنهم يكتفون باختيار الشروح القديمة التي يعتمدون عليها؛ فيختصرونها ويوفقون فيما بينها مع خضوع تام لهذه المراجع.

البطليوسي (ت 494 هـ) ممثلًا للمنهج التعليمي اللغوي

يدخل الشارح غمار النص اللغوي واضعًا نصب عينيه كشف الجانب اللغوي قصد إفادة المتعلم في شقها اللغوي؛ فالنص الشعري عند هؤلاء نص لغوي أولًا وأدبي في مرحلة تالية.

يأتي البطليوسي شارحًا نصوص الجاهليين وهدفه كشف النقاب عن الجانب اللغوي منها؛ فيتضاءل إحساسه بالمعنى بدرجة واضحة. والخط الأساسي الذي يمثله البطليوسي كما وضحنا اهتمامه اللغوي بالنص وغريبه وإعرابه وخلافاته متَّكئًا في ذلك على من سبقه من العلماء من دون إضافة تُذْكَر اللهم إلا في عملية الاختصار والتنسيق والاختيار.

الأعلم الشنتمري (ت 476 هـ) ممثلًا للمنهج التعليمي الفني

من أهم الشراح الذين مثَّلوا المنهج التعليمي الفني الأعلم الشنتمري. يضع الأعلم أمامنا ستة ملامح رئيسة ينتظم فيها شرحُه؛ أولها: اهتمام بجلاء وتوضيع معنى اللفظ الغامض، وثانيها: إدراك جوانب المعنى وفهمه، وثالثها: الاهتمام بالغامض من الإعراب، ورابعها: الإيجاز من دون إخلال أو إملال في النقاط السالفة، وخامسها: التناسب بين اللفظ والمعنى، وسادسها: الوفاء بحاجة الطالب المبتدئ. مما تميز به هذا الشرح: التناسب والتوازن؛ فلا هو مثل ابن الأنباري يستطرد ويوسع دائرة الأقوال، ولا هو مثل ابن النحاس يركز على القضايا اللغوية للنص كما سيأتي بيانه.

التبريزي (ت 502 هـ) والجواليقي (ت 540 هـ) مُمَثِّلَيْنِ للمنهج التلفيقي

قلنا إن الشارح في هذا الاتجاه يؤلف بين شروح سابقة ويجمع فيما بينها دون أن يكون له ثمة تدخل ما؛ فلا نكاد نرى أي بروز لشخصية المؤلف؛ لأنه ينقل من الآخرين نقلًا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالعاطي طُلْبَة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

الصورة: https://www.artstation.com/artwork/B2Ny9

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.