تأخذك إلى أعماق الفكر

ناسا تعود إلى القمر

في ديسمبر 2017 وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوم “توجيه سياسة الفضاء” Space Policy Directive. الذي يتضمن توجيهات لناسا بالبدء في برنامج للانطلاق بالبشر إلى الفضاء، عبر النظام الشمسي، بالتعاون مع الشركاء التجاريين والدوليين لإعادة تركيز الجهود الاستكشافية على القمر. ثم الانطلاق إلى المريخ وما بعده.

لماذا العودة إلى القمر؟

بعد ما يقرب من خمسين عامًا منذ هبوط رواد أبولو على سطح القمر، لماذا نعود إليه؟
يقول جيم برايدنستين، مدير ناسا، أن القمر سيساعدنا في الاستعداد للذهاب للمريخ، وأن المهمتين نحو القمر والمريخ تدعم إحداهما الأخرى.

لم يعد القمر كما كنا نعتقد قبل عقود، ذلك المكان القاحل الجاف. فقد تبين وجود ماء في هيئة ثلج في بعض المناطق القطبية دائمة الظل. مما يعني أن رواد الفضاء لن يحتاجوا لحمل الماء معهم. كما تبين وجود قنوات تحت سطحه، وهي عبارة عن مسارات قديمة للحمم البركانية، تصلح كملاجئ من الأشعة الكونية التي تضرب سطح القمر.

ولافتقار القمر إلى عوامل التعرية الموجودة على الأرض (كالماء الجاري والرياح والهزات الأرضيّة)، فإن سطحه، بما يحمله من علامات وحفر الاصطدامات، يمثل سجلًا لأحداث نظامنا الشمسي. كما تساعدنا دراسة القمر على فهم نشأة الأرض. إضافة إلى أن القرب النسبي للقمر يجعله مناسبًا كمنصة اختبار، فيما يتعلق بسلامة رواد الفضاء، قبل الذهاب لما هو أبعد منه. فرواد رحلات أبولو تمكنوا من الوصول بعد يومين من انطلاقهم من الأرض، وعندما انفجر خزان الأكسجين أثناء رحلة أبولو 13 عام 1970، ما كان على ناسا إلا أن جعلتهم يدورون حول القمر راجعين للأرض الأم. كذلك يمكن إجراء اختبار للتقنيات التي سيستفاد منها في رحلة المريخ، مثل كيفية بناء مساكن ملائمة لسلامة وعمل رواد الفضاء، وتجربة بدلات فضاء يمكن إعادة استخدامها في ظل وجود الغبار القمري الذي يحدث تآكلًا  في طبقات الحماية فيها، واختبار أدوات الحفر والاستكشاف، وجميع التقنيات الأخرى اللازمة.

صحيح أن القمر لا يشبه كثيرًا المريخ. وأن الأخير يشكل تحديًا أكبر بسبب بعده عنا، وكذلك بسبب طبيعته الجوية ذات العواصف الرملية. إلا أن التدرب على العيش خارج الأرض سيكون مفيدًا في رحلتنا إلى المريخ.

إعلان

لكن من ناحية أخرى، وبسبب محدودية ميزانية وكالة الفضاء الأمريكية، هناك تخوف لدى البعض من أن التركيز على الذهاب إلى القمر سيؤخر مهمة المريخ. والتي أعلنت ناسا أنها تتوقع إنجازها في ثلاثينات هذا القرن.

لنعد قليلًا  إلى تاريخ الرحلات المأهولة إلى الفضاء الخارجي

في خمسينات القرن الماضي، كانت الحرب الباردة بين قطبي القوى العالمية آنذاك، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، على أشدها. وانتقل التنافس بينهما إلى الفضاء، فيما عرف وقتها باسم «سباق الفضاء»، والذي استمر حتى بداية السبعينات. أدى ذلك التنافس الشديد إلى زيادة الاستثمار في البحث والتطوير العلميين. ما قاد الى حدوث تقدم عظيم في فهم الفضاء.

حفظ التاريخ اسم رائد الفضاء السوفييتي يوري جاجارين كأول إنسان انطلق إلى الفضاء الخارجي. ففي 12 إبريل 1961، أتمت مركبته الفضائية ڤوستوك Vostok دورتها حول الأرض.

كما كان الاتحاد السوفييتي سابقًا في أول مشي لإنسان في الفضاء. ففي مارس 1965 قام رائد الفضاء السوفييتي أليكسي ليونوڤ بأول مشي فضائي لمدة عشر دقائق خارج مركبته ڤوسخود2 Voskhod 2، مستبقًا منافسه الأمريكي إد وايت بحوالي ثلاثة شهور.

في مايو 1961 أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جون كندي أن أمريكا ستضع أول إنسان على سطح القمر بنهاية الستينات. وبالفعل كان هذا ما حصل في رحلة أبولو 11 في 20 يوليو 1969، عندما وطأت قدما نيل آرمسترونج سطح جارنا الرمادي وتبعه زميله بز آلدرين في «قفزة عملاقة للبشرية».

كان السوفييت يسعون لإنزال إنسان على سطح القمر. لكن مع نجاح مهمة أبولو 11 ألغوا برنامجهم الفضائي نحو القمر، وصبوا اهتمامهم على بناء محطة فضاء. وفي إبريل 1971، نجح السوفييت في إطلاق أول محطة فضاء أطلقوا عليها اسم «ساليوت»، والتي شكلت أساسًا لمحطة «مير» الفضائية بعد ذلك.

حتى يومنا هذا، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة التي قامت برحلات مأهولة نحو القمر، وكان ذلك ضمن برنامج أبولو الذي استمر بين العامين 1961 و1972. وقد أرسلت ناسا فيه إحدى عشرة رحلة. كانت الأربعة الأولى لفحص معدات الطيران، وحملت ستة من السبعة الباقين اثني عشر رائد فضاء أمريكيين إلى سطح القمر بين العامين 1969-1972، وبعد ذلك انتهى برنامج أبولو برحلة أبولو 17 ولم يعد بعدها أي إنسان إلى سطح القمر.

لماذا لم يتكرر هبوط الإنسان على سطح القمر؟

كان رواد رحلة أبولو 17، في ديسمبر 1972، آخر من وطأت أقدامهم سطح القمر. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتكرر التجربة، رغم أن هناك دوافع قوية للذهاب إلى القمر، لا للزيارة وإجراء بعض التجارب فحسب، كما في رحلات أبولو، بل للتواجد البشري المستمر هناك.

ليس هذا الأمر السهولة بمكان، إذ أن التضاريس الوعرة لسطحه، بما يحمله من صخور ومن حفر اصطدام النيازك عبر ملايين السنين، تشكل تحديًا كبيرًا لهبوط المركبات الفضائية. ففي الستينات من القرن الماضي، تكبدت الحكومة الأمريكية ما قيمته اليوم مليارات الدولارات لتطوير وإطلاق وإيصال أقمار صناعية إلى القمر. عملت على مسح سطحه للبحث عن أماكن مناسبة لهبوط مركبة أبولو.

أما الصعوبة الأكبر فتتمثل في الثرى القمري. (lunar regolith)وهو طبقة من البودرة الناعمة تغطي كل سطح القمرتقريباً. تكونت بفعل ارتطامات النيازك عبر مليارات السنين بسطحه. ويقدر العلماء سمكها بحوالي 4-5 أمتار. وقد تصل في بعض المناطق إلى 15 مترًا. وهذا الثرى أو الغبار، كما قد يطلق عليه، شديد العلوق. وقد اشتكى رواد رحلاتأبولو من أنه سبب احمرار في أعينهم وكذلك تسرب الى داخل رئاتهم. كما أنه كاشط قوي، يسبب اهتراء بدلات الفضاء وكذلك المركبات والاجهزة الالكترونية الفضائية ولا بد من إيجاد حل للتعامل مع هذه المشكلة.

نرشح لك: سبع مرات غير فيها كسوف الشمس من تاريخ البشر

من الصعوبات الأخرى على القمر، تعرض سطحه لأشعة الشمس لحوالي أربعة عشر يومًا متواصله. فدوران القمر حول محوره يستغرق ما يقرب من 27 يومًا أرضيًا. ولافتقار القمر للغلاف الجوي، فإن الحرارة ترتفع وقت النهار الى 127 درجة مئوية. بينما تنخفض خلال ليله الطويل الذي يستمر أربعة عشر يومًا أخرى، إلى 173درجة تحت الصفر. وقد طورت ناسا مفاعلًا  نوويًا صغيرًا يدعىkilopower، بغرض تزويد رواد الفضاء بالطاقة الكهربائية أثناء الليل القمريالبارد.

لكن ومع كل تلك الصعوبات يبقى السبب الحقيقي لعدم تجدد رحلات ناسا المأهولة للقمر متعلقًا بالميزانية والسياسة.

في مارس 2017 وقع الرئيس الامريكي دونالد ترامب قانون منح ناسا 19,5 مليار دولار من الميزانية الفدرالية السنوية. هذا المبلغ الذي قد يبدو كبيرًا يتوزع على عدة أقسام ومشاريع داخل الوكالة الفضائية: التلسكوب الفضائي جيمس ويب، نظام إطلاق الصاروخ العملاق SLS، المهمات الفضائية نحو الشمس، المشتري، المريخ، حزام الكويكبات، حزام كويبر وأطراف النظام الشمسي. ولكي نأخذ فكرة أوضح، فإن الميزانية العسكرية السنوية للجيش الأمريكي تصل لحوالي 600 مليار دولار.

قد يعجبك أيضًا: جسم الإنسان في الفضاء

انخفضت ميزانية ناسا منذ انتهاء برنامج أبولوبشكل كبير. يقول والتر كانينجام، أحد روادالفضاء في رحلة أبولو7، في شهادته أمام الكونجرس 2015 ” وصلت ميزانية ناسا ذروتها في 1965 مع برنامج أبولو. حيث بلغت 4% من الميزانية الفدرالية وقتها. ولأربعين عامًا انخفضت الى ما دون 1%. بينما وصلت في الخمس عشرة سنةً الماضية إلى0,4٪.

في تقرير أعدته ناسا في 2005 قدرت أن العودة للقمر ستكلف خلال 13 سنة104 مليار دول133)مليار بقيمة الدولار اليوم حسب موقع (Business insider. في حينكلّفبرنامج أبولو 120 مليار دولار بقيمة الدولار الحالية.

رائد الفضاء سكوت كيلي، الذي قضى عامًا في الفضاء على محطة الفضاء الدولية، كتب على Reddit في 2016، وقبل تولي الرئيس الامريكي دونالد ترامب ” أتمنى من الرئيس القادم أن يدعم ميزانية تمكننا من القيام بالمهمة الموكلة إلينا أياً كانت تلك المهمة”.

لكن يبدو أن هذا الأمر لا يعني كثيرًا الرؤساء والمشرعين الأمريكيين. فمثلًا  في 2004 طلب الرئيس جورج بوش الابن من ناسا العودة الى القمر. وأعدت الوكالة الفضائية برنامج Constellation program للهبوط برواد الفضاء على سطح القمر والانطلاق باستخدام صاروخ يدعى آري Ares ومركبة فضائية سُميت أوريون Orion.وتكلفت الوكالة على مدى خمس سنوات 9 مليار دولار في تصميم وبناء واختبار المعدات لذلك البرنامج. وبعد تولي الرئيس باراك أوباما الرئاسة ألغى برنامج Constellation ووقع بدلًا  منه على برنامج نظام الصواريخSSL.

وعندما تولى الرئيس ترامب لم يلغ SLS،لكنه وجه بتغيير الهدف الذي كان أقره سلفه أوباما بإنزال رائد فضاء على كويكب. وقام بتحويله نحو القمر والمريخ.

تغيير أولويات الصرف لدى ناسا كلّف، عبر إلغاء لمشاريع، 20 مليار دولار. وسنوات من الوقت والجهد الضائعين.

كيف ستذهب ناسا إلى القمر؟

استجابة لتوجيه الرئيس دونالد ترامب، قدمت الإدارة الوطنية الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء “ناسا” NASA إلى الكونجرس الأمريكي تقريراً يحمل اسم “الحملة الوطنية لاستكشاف الفضاء” The National Space Exploration Campaign”. يدعو للقيام ببعثات استكشافية بشرية وآلية لتوسيع آفاق التجربة الإنسانية والاكتشافات العلمية حول الظواهر الطبيعية في الأرض والكون.

ستبنى الحملة الوطنية لاكتشاف الفضاء على 18 عاماً من التعاون بين الأمريكيين وشركائهم الدوليين في محطة الفضاء الدولية ISS.كما أنها ستعزز التطور في القطاع التجاري للفضاء وعلم الروبوتيكس وكثير من التقنيات الأخرى. وسوف يتسارع العمل في السنوات القليلة القادمة مع أطلاق ناسا مركبتها الفضائية أوريون Orion والانتهاء من إعداد نظام الإطلاق الفضائي(Space Launch System)SLS.ويركز مشروع الحملة الوطنية على مجالات أساسية ثلاثة:

⁃مدار الأرض المنخفض.

⁃مدار وسطح القمر.

⁃المريخ والأجسام الأبعد.

وهذه هي الأهداف الاستراتيجية الخمسة التي قدمتها ناسا ضمن مشروع الحملة الوطنية لاستكشاف الفضاء:

1- تحويل رحلات الفضاء الأمريكيه المأهولة في النطاق المداري المنخفض Low-Earth Orbit (أقل من 2000 كيلومتر) إلى عمليات تجارية تدعم ناسا والحاجة إلى سوق القطاع الخاص.

-2الشروع في تأسيس الإمكانيات الأساسية على سطح القمر التي ستهيئ للعمليات عليه وتستسهل المهمات لأبعد منه.

3- تعزيز الكشوفات العلمية عن الموارد على سطح القمر من خلال سلسلة من البعثات الروبوتية لسطحه.

4- إعادة إرسال رواد الفضاء الأمريكيين الى سطح القمر بهدف إقامة حملات مستمرة للاكتشاف والاستخدام.

5-بيان القدرات اللازمة من أجل إرسال مهمات بشرية إلى ما بعد القمر كالمريخ وغيره من الأجرام.

محطة الفضاء القمرية Lunar Orbital Platform Gateway

Lunar Orbital Platform Gateway

فِي سبيل إنجاز المهمة نحو القمر، بدأت ناسا مشروع بناء محطة فضاء دائمة في مدار حول القمر Lunar Orbital Platform Gateway. ويطلق عليها اختصارًا LOP-G.ستشكل هذه المحطة منصة للأمريكيين وشركائهم العالميين للانطلاق الى الفضاء الأبعد. وسيتم فيها فحص التقنيات والأنظمة الجديدة، وبناء القواعد التي ستهيئ للمهمات على سطح القمر وكذلك نحو المريخ. كما سيتم فيها إجراء التجارب لدراسة تأثير بيئة الفضاء على الكائنات الحية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائده فضه

تدقيق لغوي: مريم زهرا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.