تأخذك إلى أعماق الفكر

محمد رمضان: النمبر وان بين الكفاءة والفعالية

في مدرسة السعيدية الثانوية بالجيزة، كان الطالب محمد رمضان الأسمر البشرة النحيل البنية ذو الشعر الأكرت، يقلد مدرسيه في فصلٍ يحمل أكثر من مئة طالبٍ. يدخل مدرس فيفاجأ بتقليده، يعجب به ويأخذه إلى مسرح المدرسة. نجح الطالب باختياره أفضلَ ممثلٍ موهوب على مستوى الجمهورية لثلاثة أعوام متتالية.

محمد رمضان في عمر المراهقة في كاستينج يقلد شخصيات

في عمر السادسة عشر عامًا 2004، بدأ محمد رمضان يبحث عن مكاتب المخرجين في وسط البلد للدخول في عالم الاحتراف. يسأل في كل عمارة عن مكتب مخرج ليقابله حارسها بالنفي. يجد ذات يوم بوسترًا لمسرحية “قاعدين ليه؟” لسعيد صالح على مسرح المترو بول، يغافل الأمن ويتسلل إلى غرفة سعيد صالح، ليقول له “أنا ممثل وكل ما أروح لمخرج يقولي سيب صورتك وأنا يعني لا عينيا خضرا ولا شعري أصفر عشان لما أسيب صورتي أمثل”، فيرد سعيد “يعني عايز إيه ياروح أمك”. يستأذنه رمضان أن يُمثل أمامه شخصيات من الشارع المصري، فتلاحظ علامات الرضا والإعجاب على سعيد صالح وبعض فريق العمل الذين وقفوا يشاهدونه. يُفاجئه سعيد “عليا الطلاق الواد ده هيمثل معايا النهاردة”. لا يعرف رمضان كيف سيشارك في المسرحية وهو لا يعرف عنها أي شيء، فيطلب منه سعيد الارتجال على هذا النهج الذي شاهده وبالفعل يرتجل دور شاب صعيدي جاء للقاهرة للتقديم في معهد التمثيل.

يستكمل محمد رمضان هذه الرحلة ليواجه العديد من الإحباطات في البداية حيث يُقال له “سيب التمثيل لناسه“. لم يعمل رمضان في أيّ مهنة تشغله عن التمثيل، فهو يعرف وجهته ومؤمن بموهبته من البداية، يعرف أنه من “ناسه”. يطرده أحد المخرجين من الاستوديو فيرد “أنت ماتعرفش أنا هبقى إيه“. ويتم طرده من مسرحية “يمامة بيضاء” التي كان يؤدي بها دورًا صغيرًا (وهي القصة التي كذبها علي الحجار بطل العمل وجمال بخيت مؤلف العمل)

إعلان

موقف طرده من مسرحية علي الحجار

في السابعة عشر من عمره عام 2006 يقدم أول دورٍ دراميّ له في مسلسل “أولاد الشوراع” مع النجمة حنان ترك، وفي العام نفسه يذهب لمكتب المخرج سمير سيف لاختبار أداء دور أحمد زكي في مسلسل السندريلا، فيطلب منه المخرج الانصراف قبل أداء الاختبار بسبب ملامحه  الصغيرة  بينما من المفترض من يؤدي  الدور أن يكون أكبر في العمر. يتحداه رمضان ويجسد مشهدًا لأحمد زكي قبل وفاته ويقنعه بأنه المناسب للدور، ومن هنا يبدأ في لفت الأنظار إليه.

بعد عام يقوم بدورٍ في مسلسل “حنان وحنين” مع النجم العالمي عمر الشريف ليقول عنه في أحد اللقاءات “موهبة غريبة خالص عالية جدا وممكن يكون أحسن مني بكتير.. أنا مثلت معاه مشهدين اتجننت كأني قابلت واحد هيكون أحسن ممثل في مصر.. محمد رمضان ده إبني كممثل هو اللي أنا بعتبره اللي هياخد محلي بعد ما أنا الحمد لله أودع.. هو ده اللي أنا اخترته إن هو يكون ولي العهد” ويرشحه في أحد الأدوار في فيلم “حسن ومرقص” ولكن الزعيم عادل إمام يرفض. يستمر رمضان في لفت الأنظار من خلال أدوارٍ درامية ثانوية، مثل دور عسكري الأمن المركزي في فيلم “رامي الاعتصامي”.

إشادة عمر الشريف

 تجسيد أحمد زكي

 

انتقل رمضان لمرحلةٍ جديدةٍ من خلال شخصية سعيد الخفيف في فيلم “احكي يا شهرزاد” عام 2009، كما حصد جائزة أفضل ممثل صاعد في مهرجان الإسكندرية السينمائي. هذه الأعمال جعلت النقاد يثنون عليه، وأحبته الجماهير بأدائه  الفطريّ  وملامحه المصرية، وفي أسوأ الحالات اتُّهم بتقليد أحمد زكي. إلى جانب استمراره في الأعمال الدرامية فقد شارك عام 2011 في بطولة فيلم “الشوق”، وقام ببطولة فيلم “الخروج من القاهرة“. لقد نجحا بوصفهما فيلمي مهرجانات، وحصدا جوائز لكنهما لم ينجحا جماهيريًا، كما أن الأخير يُمنع من العرض بسبب مناقشته قصة حب بين مسلم ومسيحية.

ربما هذا الفيلم جيد فنيًا ولكن لم ينجح، ما جعله يتجه عام 2012 إلى الاهتمام أولًا بتكوين قاعدة جماهيرية شعبية، من خلال أفلام يغلب عليها الابتذال وهي أفلامه الأكثر إثارة للجدل منذ ظهوره “الألماني وعبده موته وقلب الأسد” والتي يرتدي بها ثوب البلطجي الذي يرتكب جرائم عديدة، ويعاقب في النهاية على جريمة لم يفعلها ومن ثم يذكر أنه ضحية المجتمع، بقصص وشخصيات مستهلكة ورديئة فنيًا، ثم بدأت موجة الهجوم، وُجهت له إتهامات ليس على المستوى الفني فقط وإنما على المستوى الأخلاقي، مثل  إفساد المجتمع بهذه النماذج السيئة الذي يقلدها الشباب، رغم تحقيق أعلى إيرادات.

قدم في العام نفسه دورًا مؤثرًا فنيًا وجماهيريًا عن شاب صعيدي يعود مفلسًا من سفره بالخارج في فيلم ساعة ونصف، والذي نال استحسان نقدي وجماهيري كبير، وقال عنه النقاد أنه أفضل فيلم عُرض عام 2012، لعرضه مرثية لحال الوطن في رحلة قطار، كان من الملفت أن أغلب أبطال الفيلم كانوا من أبناء الفنانين مما جعل البعض يتحدث عن التوريث الفني، ووجود رمضان بينهم ربما إشارة لموهبته التي أثبتها باجتهاده، كما أنه يعتبر غريب على الوسط الفني.

في عام 2012 أيضًا جسد دور الرئيس أنور السادات في مسلسل كاريوكا، ليؤكد ما كان يذكره أنه يستطيع تجسيده بشكل مختلف عن أحمد زكي، وأنه لا يتبع التقليد. يتجه للمسرح في مسرحية “رئيس جمهورية نفسه” الذي تعرض قصة شاب مثقف دارس للفلسفة يهرب من الواقع بتعاطي المخدرات، بعدما اكتشف عدم جدوى شهادته، ويقول في المسرحية «الناس مش عايزه فلسفة.. الناس عايزة أديك فى الأرض تفحر أديك فى السقف تمحر»، والتي هي أحد جمل المهرجان الذي يؤديه في فيلم قلب الأسد، فهذه الجملة تعبر عن أسباب تقديمه الأعمال الهابطة، ويرجع إهتمامه بالمسرح رغم قلة العائد منه، ليؤكد لمن ينتقده من نقاد وجماهير قدراته التمثيلية الكبيرة التي لا تنحصر في دور البلطجي كما اتهموه.

محمد رمضان يقلد السادات

يهرب قليلًا من تلك الإتهامات عندما يقدم أول بطولاته في التلفزيون بدور حبيشة في مسلسل “ابن حلال“، صحيح أن هذا الشاب البسيط يتحول إلى فتوة في الجزء الأخير من المسلسل لكن ذلك بسبب ما تعرض له من ظلم، وهو مُعادي لمن ظلموه، فهو نموذج الفتوة الخيّر الذي يمتلك منطق لأفعاله، ويحمي أهله وعشيرته، لكن المسلسل ينتقد بالمبالغات الميلودرامية غير المبررة في الحبكة لإثارة مشاعر المشاهدين.

يقدم في العام نفسه فيلم لايت كوميدي “واحد صعيدي” بقصة كوميدية قمة في الإبتذال، ولم ينجح جماهيريًا بدرجة ما سبقه، ويقول أنه لا يحاسب عليه لأنه بدأ تصويره عام 2011 ثم توقف وإستكمله عام 2014 في ظروف مختلفة، وربما ذلك لعدم استعداد جمهوره لتقبله في الشكل الكوميدي، ومن المفارقات التي تدل على النجاح السريع الذي حققه رمضان أنه ضاعف أجره من سبعين ألفًا لثلاثة ملايين عندما عاد ليستكمل تصوير الفيلم.

يقدم رمضان لأول مرة دور الضابط في فيلم شد أجزاء في عام 2015، قال البعض أنه لم يستطع الإفلات من شخصية البلطجي فظهر بشخصية ضابط ليتحول إلى خارج عن القانون في قصة تشبه غيرها من تيمة الضابط المنتقم مثل فيلم “The Punisher” أو كمسلسل “خطوط حمراء” وأداء عادي غير متجدد في قالب جديد.

في عام 2016 يعود للمسرح بمسرحية “أهلًا رمضان” ليستمر في تأكيد إهتمامه بالمسرح، ثم يقدم العمل الأكثر شهرة وانتشارًا في تاريخه، وربما من أكثر المسلسلات شهرة في تاريخ الدراما المصرية مسلسل الأسطورة، والذي يعود به توجيه الإتهامات له بالدعوة للبلطجة والفساد عندما يقلد الناس مشاهده بما تحمله من العنف والإيحاءات البذيئة.

ثم يقدم في العام التالي 2017 دور مختلف تمامًا مهم وقوي عن شخصية تاريخية وهي علي الزئبق كما يقوم بدور الأب رأس الغول في المشاهد الأولى من القصة في فيلم “الكنز” في جزئه الأول، وجزئه الثاني عام 2019 وهو الفيلم الذي لاقى نجاحًا جماهيريًا واستحسان نقديًا كبيرًا، كما أنه كان فرصة مميزة أن يخرج من عباءة الأدوار المكررة.

محمد رمضان

ثم يقدم في العام نفسه دور الإرهابي في فيلم “جواب إعتقال” والذي يمدحه البعض لطرحه قضية مكافحة الإرهاب بينما ينتقده البعض أنه وقع في تكرار الشكل النمطي لشخصية الإرهابي. قدم أيضًا دور كوميدي في فيلم “أخر ديك في مصر” والذي واجهه النقد بالضعف وفقر الكوميديا، كما أن الفيلم لم ينجح على مستوى الإيردات أيضًا كالذي سبقه.

ويعود عام 2018 لتقديم دور ضابط الشرطة في مسلسل “نسر الصعيد” ولكن تلك المرة في صورة مثالية ينتصر فيها للعدالة حتى لو كان الثمن القبض على أخوه، و رغم تحقيقه أعلى مشاهدات في موسم رمضان ونجاحه جماهيريًا باستحسان لفكرة أن رمضان لا يحصر نفسه في دور البلطجة، لكن المسلسل واجهه النقد بسطحية الشخصيات والحبكة وتكرار لتيمة مسلسل الأسطورة، وأخطاء الإخراج الساذجة التي تم السخرية منها على السوشيال ميديا، بالإضافة لانتقاد رمضان لتكراره لأداء شخصية الأب والابن، وأيضًا اتهامه بتلميع صورة الشرطة المشوهة، وقدم في العام نفسه فيلم الديزل الذي يشبه بقية أفلامه التجارية.

محمد رمضان

يتعاون رمضان مع الكاتب عبد الرحيم كمال كاتب فيلم الكنز ويقدمون مسلسل زلزال بعد تعاونه معه في فيلم الكنز، وبعد انتظار عمل فني بقيمة كاتب كبير يُخرج قدرات رمضان التمثيلية ليحقق طموحه وطموح الجمهور الواعي والنقاد في عمل فني قوي، يصدر الكاتب بيان بأن عمله قد حدث به تغييرات غير مسئول عنها وأنه تحول لعمل يؤسس لقانون الغابة والبقاء للأقوى وأخذ الحق بالذراع، ويتحول العمل لتيمة أحداث مكررة من مسلسلات رمضان السابقة.

محمد رمضان

يذكر رمضان في عدة حوارات له، أنه يرغب في صناعة مكتبة سينمائية ضخمة تحتوي على رصيده من الأفلام، لذلك فهو ومنذ أن أُتيحت له البطولة المطلقة وجماهيرية تمكنه من تحقيق هدفه، يعمل بمعدل ثلاثة أفلام ومسلسل في السنة، لذلك فهو يتعجب من الممثل الذي يعمل بمعدل فيلم واحد في السنة ويمثل منذ عشرين عامًا بينما رصيده لا يتجاوز الخمسة عشر فيلمًا، يرفض هو السير على هذا النهج، يتخذ من عادل إمام نموذج للفنان غزير الإنتاج والذي عمل بمعدل ثلاثة أفلام كل عام، ووصل إنتاجه في سنوات لأكثر من ستة أعمال، اختلف مستواهم بين أفلام المقاولات الرديئة، والأفلام المتوسطة فنيًا التجارية، والأفلام المهمة التي مثلت علامات في تاريخ السينما المصرية، بخلاف أحمد زكي الذي كان يهتم بالقيمة الفنية أكثر من الكم والنجاح الجماهيري.

محمد رمضان يلخص رحلة كفاحه في 10 دقائق

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يحيى خليفة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رانا ناصر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.