تأخذك إلى أعماق الفكر

ما هو التاريخ ؟ لم يعطنا أحد إجابة أكثر عمقاً من إجابة هيجل

كشف بحث هيجل عن الأنماط العالمية للتاريخ مفارقة: الحرية بدأت تظهر، لكنها غير مضمونة على الإطلاق

التاريخ -أو على الأقل دراسته- في حالة سيئة هذه الأيام. غالبًا ما يتفق الجميع على أن معرفة التاريخ أمر مهم، لكن في الولايات المتحدة -باستثناء المدارس الأكثر نخبة- فإن دراسة التاريخ في حالة من السقوط الحر. إذ يبدو أن عصرنا يشارك الفيلسوف الألماني جورج فيلهيلم فريدريش هيجل (1770-1831) شكوكيّته التي عبّر عنها عندما قال إن الدرس الوحيد الذي يعلمنا إياه التاريخ أنه لم يتعلّم أحد قط من التاريخ.

لماذا؟ إن الحاضر دائمًا جديد والمستقبل لم يتم اختباره، مما دفع الكثيرين إلى التعاطف مع تصريح رجل الأعمال الأمريكي هنري فورد عام 1921 بأن التاريخ إلى حدّ ما مجرد كلامٌ فارغ. ومع ذلك، هيجل نفسُه أيضًا جادل بشأن ذلك، بأنه على الرغم من أن الأمور تبدو فعليًا دائمًا مُستحدثة، إلا أن التاريخ يمنحنا في الواقع دليلًا أو فكرةً عن غاياتنا النهائية.

نحن نوع مميز: ماهيّة المخلوقات التي تمثّلنا دائمًا ما كانت مشكلة بالنسبة لنا -جزئيًا- لأننا نجعل من أنفسنا ضمن تلك الأنواع من المخلوقات التي نحن عليها، ولأننا نستكشف ذلك بكل الطرق المختلفة التي نعيش بها خارج حياتنا فرديًا وجماعيًا. لا تتضمن دراسة التاريخ سرد القصص أو تجميع الحقائق فقط، ففي بُنيتها الأوسع، إنها سرد للقصة الإنسانية التي تسعى تجريبيًا إلى فهم نفسها بكل الطرق الوافرة التي تشكّل نفسها (أي القصة الإنسانية) في الحياة اليومية، وأيضًا كيف يرتبط التغيير التاريخي ارتباطًا وثيقًا بالتغييرات في فهمنا الأساسي لأنفسنا، كما طرحها هيجل في سلسلة من المحاضرات في الفترة ما بين 1822-1830، “نحن” مُنتجات أنفسنا بشكل غريب ومميز، والدراسة الفلسفية للتاريخ هي دراسة حول كيف أننا غيّرنا أنفسنا عبر الزمن.

لم يتخيّل أحد قط تاريخًا فلسفيًا متطورًا وديناميكيًا أكثر من هيجل، يعتمد نسقه على ثلاث أفكار تأسيسية: أولًا، مفتاح “الفاعليّة الإنسانيّة” هو الوعي الذاتي، إذ إن قيام الناس بأي شيء يتّسم بأي حِس إنساني حقيقي هو من أجل معرفة ما نقوم به أثناء قيامنا بذلك. وهذا ينطبق حتى عندما لا نفكر تفكيرًا صريحًا في ما نفعله.

قد يعجبك: العلم والفلسفة أيهما أهم؟

إعلان

إليك مثالًا بسيطًا: أثناء قراءتك لهذا، افترضْ أنه قد وصلتك رسالة نصية من صديق: “ماذا تفعل؟” أجبت مباشرةً: “أنا أقرأ قطعة عن هيجل”. أنت عرَفت ماذا كنت تفعل دون حاجتك لفعل منفصل للتفكير في الأمر أو استخلاص الاستنتاجات. بدون أي تفكير إضافي، كنت تعلم أنك لم تكن تقفز بالمظلات، أو تستحم، أو تزاول أعمال البستنة أو تحلّ الكلمات المتقاطعة. أنت لم تنظر حولك وتستدل من الأدلة. أنت لم تحتج حتى إلى تفكّر ذاتي مخصص في ما كنت تفعله. في الواقع، بالتعبير الهيجلي، عندما تفعل شيئًا ولا تعرف على الإطلاق ما تفعله، فأنت حقًا لا تقوم بفعل شيءٍ على الإطلاق. بدلًا من ذلك، فإن الأشياء تحدث فقط. لنتأكد من ذلك، فإننا في بعض الأحيان ندرك بشكل مُبهم ما نقوم به. ومع ذلك، فحتى وعينا الذاتي البعيد المنعكس علينا هو في حد ذاته إضافة لتحقيق العلاقة الذاتية الهيجلية الأكثر عمقًا والأكثر تميّزًا: كل وعي هو وعي ذاتي.

ثانيًا، اعتقد هيجل أن الوعي الذاتي هو دائمًا مسألة تحديد مكان أنفسنا في نوع من الفضاء الاجتماعي من الـ”أنا” و الـ”نحن”. إن قول “أنا” أو قول “نحن” هو فقط تحدثٌ من أحد وجهي العملة المعدنية الجدلية ذاتها. في كثير من الحالات، تبدو ” نحن” وكأنها إضافة إلى الكثير من الحالات من “أنا أظن” أو “أنا أفعل”، ولكن بمغزاها الأساسي، “نحن” أساسية مثلها مثل “أنا”. كل وعي ذاتي فردي هو في الأساس اجتماعي. عمومية “نحن” تتجلى في الأعمال الفردية لكل واحد منا، لكن “نحن” في حد ذاتها ليست إلا الأفعال الفردية للأفراد من لحم ودم. عندما أعرف ما الذي أفعله، أدرك أيضًا أن ما أفعله هو -إذا جاز التعبير- الطريقة التي تفعل بها ال”نحن” ذلك.

من الخطأ الظن بأن جانبًا واحدًا من العملة أكثر أهميّة من غيره: “أنا” ليست مجرد نقطة دون محتوى إضافي مُستوعَب كليًّا ضمن فضاء اجتماعي “نحن”، ولا حتى “نحن”، الفضاء الاجتماعي، مجرد امتداد للكثير من ال”أنات” الفردية، فبدون الممارسين، لا يوجد هناك ممارسة كما أنه بدون الممارسة، لا يوجد ممارسون. من الصعب رؤية ذلك في بعض الأحيان، إذ كثيرًا ما تحاول الـ”أنا” فصل نفسها عن الـ”نحن” والتمرّد عليها. (فكر في الوجودية). في بعض الأحيان، تحاول الـ”أنا” أن تُمتصّ بالكامل ضمن الـ”نحن”. (فكر في ما يحلم به الشموليون). تحاول الـ”أنا ” أحيانًا ادّعاء الاعتراف الذي تبتغيه من  الـ”نحن” بالتظاهر بأنها ليست ما هي عليه. (فكر في الفنان المخادع). كل هذه الهيئات الناقصة من الـ”أنا” والـ”نحن” هي التي تكوّن ظهورهما المتباين في التاريخ.

قد يعجبك:فلسفة العقل المجنونة

ثالثًا، بالنسبة للبشر، تمامًا كما هي الحال مع أي نوع آخر، هنالك طرق يمكن أن تسير بها الأمور إلى الأفضل أو الأسوأ بالنسبة للأفراد داخل هذا النوع، فالأشجار بدون التربة الصحيحة لا تزدهر كالأشجار التي يمكن أن تكون بوجودها (أي التربة)، والذئاب بدون النطاق البيئي الصحيح لا يمكن أن تصبح الذئاب التي يمكن أن تكون بوجوده. وعلى نحو مشابه، يبني البشر الواعون ذاتيًا بيئات عائلية واجتماعية وثقافية وسياسية تجعل الإصدارات الأجدد والمختلفة والأفضل منا ممكنة الحدوث. لكن ما نستطيع جعل أنفسنا على شاكلته يعتمد على مكاننا في التاريخ، فأجداد أجدادك لم يحلموا قطّ بأن يكونوا مُبرمجي حاسوب. وقرويّو العصور الوسطى لم يتوقوا إلى أن يصبحوا مدراء متوسّطي المستوى ​​في شركة عالمية لجمع القمامة.

من “أنا” هو شيء مرتبط دائمًا بما نفعله “نحن”، لكن من الخطأ أن نعدّ أفعالنا الفردية ببساطة كتطبيقات منفردة لشيء مثل القواعد العامة. ومن الأفضل أن نقول إننا نمثل -بطرق أفضل أو أسوأ- ما يعنيه لنا كوننا أنفسنا، على سبيل المثال، في الصداقة أو لعب الشطرنج أو تقطيع الخضروات أو المواطنة، فعمومية الممارسة تضع الشروط التي يمكنني من خلالها الازدهار كأي شيء من هذه الأشياء. ومع ذلك، فإنني “أنا” الذي أحدد الطريقة التي أمثل بها هذه الممارسة، و”نحن” جميعًا نتشارك في رؤية مدى تلاقي وتباعد الاثنين “أنا” و”نحن” على نحوٍ جيّد.

كأفراد اجتماعيين واعين ذاتيًا، فإننا نعيد تشكيل حياتنا، ونعطي معاني جديدة للأشياء القديمة (من الجنس والطعام إلى آداب المائدة المعقدة) وبذلك نكتسب مجموعات من العادات الجديدة، وننهي ملامح حياتنا الحيوانية بطرق مفاجئة، ونستقر، و من ثمّ نرحل. ونادرًا ما تكون هذه العملية سلمية تمامًا، فنحن موجودون كأفراد بهويات اجتماعية في مساحات اجتماعية نؤسسها نحن بشكل متبادل ونحافظ عليها. بعض هذه العلاقات الاجتماعية مؤسسة على القوة الخالصة، والخضوع والإذلال (مثل العلاقات بين الأسياد والعبيد). الصراع مشترك وعامّ. التاريخ كما قال هيجل: يشبه منصة ذبح شاسعة المساحة تمت عليها التضحية بحياة الملايين وسعادتهم.

بالأخذ بالاعتبار طريقة تفسير وإعادة تفسير الأنواع الحية الواعية بذاتها لنفسها، فإن التاريخ مثير للاكتئاب للوهلة الأولى. حضارات كاملة وطُرُقٌ للعيش خرجت إلى الوجود ثم أَفَلَت، طرق العيش القديمة تلاشت، لا شيء يبدو مستقرًا. اقتراح هيجل الفلسفيّ الجريء أصرّ على أننا نرى هذا المَسير تبيانًا للطرق التي يولّد بها كل شكل فردي من أشكال الحياة الإنسانية الاجتماعية التوّتر والضغط من داخله. عندما تصل هذه التوترات إلى وتيرة مرتفعة بحيث يصبح هذا الشكل من العيش غير منطقي للمتشاركين في عيشه، يصبح هذا الشكل غير قابل للعيش به، بمجرد أن يصبح غير قابل للعيش به يتدمر وينهار، وفي النهاية يُفسح المجال لشكل آخر من أشكال الحياة، إذ يبرز الشكل الجديد للحياة عندما يلتقط الأشخاص الذين يعيشون في الحطام الثقافي لانهيار الشكل السابق الأجزاء التي لا تزال فاعلة، ويزيحون الأجزاء التي لم تعد فاعلة، ويصممون شيئًا جديدًا من ذلك الانهيار.

نرشح لك: لماذا يحب الشباب نيتشه ؟

إنهم يبنون مجتمعًا يطور نفسه حتى تقوده توتراته وضغوطه الداخلية إلى الانهيار أيضًا، وبعد ذلك ينبثق منه شكل جديد من أشكال الحياة. بالمُجمل، تشكّل هذه الهيئة من التاريخ الشكل المتغير لحياة الوعي الذاتي نفسه، وقد اختار هيجل المصطلح الألماني Geist (يُترجم “العقل” أو “الروح” اعتمادًا على المترجم) لتصوير ذلك، فبينما يتنقل Geist عبر التاريخ، فإنه يتخذ أشكالًا مختلفة كما يتخيل نفسه بطرق مختلفة، وعلى ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يفكرون فيه، فإنه هدف متحرك. وهذه القصة للانهيار والتجديد هي جدلية هيجل التاريخية.

وعلى الرغم من أن الفيلسوف الألماني هاينريك موريتز كايلوبوس (1796-1862) المنسيّ الآن قد تمكن من إقناع الكثير من الناس بأن ثالوث “القضية-النقيضة-التوليفة” يمثل جدلية هيجل للتاريخ، إلا أن هيجل نفسه لم يقل ذلك أبدًا. علاوة على ذلك، حتى في هذه اللمحة العامة السريعة، يمكننا أن نرى أن آراء هيجل الخاصة تتضمن أكثر بكثير من صيغة كايلوبوس المُلتبسة.

تفحّص هيجل تاريخ العالم لمعرفة ما إذا كان هناك أي نوع من المنطق في الطريقة التي تشكّل الـ”أنا” والـ”نحن” نفسيهما بها مع مرور الزمن. هل كان الـ geist يتحسن بأي شيء؟ كأوروبيٍّ في القرن التاسع عشر، لم يجد هيجل الكثير ليوصي به في حضارات آسيا وإفريقيا والأمريكيّتين. كل تلك الحضارات -كما اعتقد- قد توقفت عند مستوى معين من التطور أسماه “الإلحاد السياسي”، ففي رأي هيجل يعني “الإلحاد السياسي” أنه لا يمكن أن يكون هناك حكم استئنافٍ بعد فرمانات شيخ القبيلة أو الملك أو الإمبراطور. حتى إذا سنّ الإمبراطور القوانين وفرضها، يظلّ هذا الحكم “حكمًا بالقانون”، أي لا يزال حكمًا شخصيّ الطابع، وليس “حكم القانون” الذي يعدّ غير شخصيّ الطابع.

فالمبادئ التوجيهية في “الإلحاد السياسي” هي أن واحدًا فقط من الأعضاء في هذه المنظومة يكون حرًا (شيخ القبيلة، الإمبراطور، إلخ). وحده الذي يسن القوانين بحرية، وعلى البقية تجب الطاعة، ولا يوجد ما هو أعلى من ذلك لتقييم الفرمانات، وبهذا المعنى إذن، يمكن القول بأن شخصًا واحدًا هو الحر فقط (شيخ القبيلة، الإمبراطور، إلخ). بالطبع، هذه النظرة الكاريكاتورية تقول الكثير عن التحاملات الأوروبية في القرن التاسع عشر أكثر مما تقوله عن المجتمعات الأخرى، لكن نقطة هيجل أكثر عمومية.

اعتقد هيجل أنه فقط في العالم اليوناني القديم، تعدّى البشرية لأول مرة فكرة أن شخصًا واحدًا فقط في المجتمع يمكن أن يكون حرًا، إلى فكرة جسورة مفادها أن تعدديةً محدودةً -الذكور البالغون في المدينة- يستطيعون أن يحكموا معًا ويجب عليهم ذلك. ويقابلون بعضهم البعض كأفراد متساوين بدون امتلاك سلطة متأصلة فيهم على بعضهم البعض، بالإضافة إلى أنه بالنسبة لهؤلاء الإغريق، كما اعتقد هيجل، فإن الجميع كانوا يعلمون مواقعهم في تراتبيّتهم الاجتماعية وما كان من المفترض أن يفعلوه، و أجمعوا أيضًا على أنه إذا أدى كل منهم متطلبات مكانته الخاصة في تلك التراتبية، فإن المجتمع سينسجم مكونًّا شيئًا من الجمال. بدا هذا الاندماج للخصوصية الفردية والحياة المجتمعية مع بعضهما جيدًا إلى الحد الذي وصل إليه: حريةٌ فرديةٌ كاملة ومشبّعة قدر الإمكان فقط في نظام اجتماعي وسياسي متساوٍ للمواطنين الأحرار.

تتساءل آنتيجون وتطالب “إذا كان البعض أحرارًا، فلماذا لا أكون أنا أيضًا حرة؟

وعلى الرغم من ذلك، كان هناك دودة في التفاحة؛ إذ سلب اليونانيون حرّيتهم الخاصة قاصدين بذلك الاستقلال. بما أن الفرد لا يمكن أن يكون مستقلًا تمامًا في أحكامه وأفعاله إلا عندما يهتم فرد آخر باحتياجات الحياة الأخرى، فقد اعتقدوا بالتالي بأنهم خاضعون للعيش في عالم قائم بذاته على العبودية واضطهاد النساء. و على الرغم من أن بعض الإغريق قد وجدوا هذا الجَور مزعجًا، إلا أن الأغلبية ببساطة اعتبروه أسلوب العالم الحتمي الذي لا فرار منه. ومع ذلك، رأى هيجل قلق اليونانيين الكامن فيهم يظهر بشكل دراماتيكي في فنهم.

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

إعداد: فراس حمدان

تدقيق لغوي: اسماء اسماعيل

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.