تأخذك إلى أعماق الفكر

مارتن لوثر ومحمد بن عبد الوهاب، ماذا فعل الإصلاحيان؟

ملحوظة قبل القراءة / هذا مقال تاريخي وليس عقائدي مما اقتضي لدواعي محدودية عدد كلماته والالتزام بموضوعة ان يقتصر على جوانب بعينها تخدم غرضه دون غيرها.

يا سيدي المسيح أطلَّ علينا من عليائك ودع يوم قصاصك يشرق ودمِّر عش الشيطان في روما.
في إبريل/نيسان 1521م مَثَلَ القس الألماني مارتن لوثر أمام أعضاء مجلس الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في مدينة فورمس الألمانية. لمواجهته بتهمة الهرطقة، كان مارتن لوثر يرغب في مناقشة أفكاره التي أوصلته إلى هذا الموقف. ولكن لم يسمح له  بالإجابة إلا على سؤالين فقط بنعم أو لا؛وهما: هل هو مؤلف الكتب المنشورة باسمه؟ وهل يرغب في التراجع عن شيء قاله فيها؟ كانت إجابة مارتن لوثر بسيطة واضحة.

“مالم أقتنع بأدلة من نصوص الكتب المقدسة أو حجة لا جدال فيها. فأنا مصمّم على النصوص المقدسة التي استشهدت بها وبما يمليه على ضميري الذي هو أسير لكلمة الله”.

كان لوثر يحطِّم “ربما دون قصد” قيود رُسخَت لألف عام عندما أعلن أن لا يوجد دليل على ادعاء الباباوات السلطة المطلقة، ولا دليل أنَّ القديس بطرس الذي يزعم الباباوات أنهم خلفاؤه قد وطئت قدماه روما أبدًا.

كان مارتن لوثر المنتمي لأسرة من الطبقة المتوسطة قد بدأ شقَّ طريقة المهنيّ بدراسة القانون، ولكنه فجأة توقّف عن استكمال دراسته في 1505م، وعاد لبلدته والتحق بدير أوغسطينيان المجاور ليتحول إلى راهب ويدرس اللاهوت بدلًا من القانون، حتّى تحوَّل لمحاضرٍ وأستاذ جامعيّ بالإضافة لمهامه الكنسية.

وعندما بدأت حملة بيع صكوك الغفران لتمويل تشييد كاتدرائية سانت بيتر الجديدة في روما تساءل لوثر غاضبًا لماذا لا يشيّد البابا الكاتدرائية بأمواله الخاصة بدلًا من أموال المسيحين الفقراء؟

كانت صكوك الغفران التي تعني اسمها حرفيًّا وثائق تمنحها الكنيسة للمتبرعين تفيد بغفران آثامهم وخطاياهم فلا يحاسبون عليها في الآخرة، وقد انتشرت عشية الحروب الصليبية حيث كان فرصة لتمويل الحملات من هؤلاء الذين لا يريدون المشاركة في الجهاد المقدس ثم تحولت لعادة راسخة تقوم بها الكنيسة لجمع التبرعات في كل حين، كتب لوثر غاضبًا “إنَّه من الغرور الثقة في نيل الخلاص بصكوك الغفران حتى إن وهب البابا روحه ضمانة لذلك”.

إعلان

في عشية يوم عيد جميع القديسين 1517م وبينما كانت الحشود تتجمع متجهة لكنيسة قلعة فيتنرج لشراء صكوك الغفران علَّقَ لوثر على باب الكنيسة رسالته بأطروحات خمسة وتسعين مناهضة لصكوك الغفران تطعن في مصداقيتها وشرعيتها وتهاجم البابا لسماحه بها.

ودون أن يدري كان مسمار مارتن لوثر الذي علَّقَ به الرسالة قد شقَّ باب الكنيسة المغلق المنيع.

أثارت تلك الرسالة ضجَّة كبيرة سرعان ما وصلت نسخة منها إلى روما على يد رئيس الأساقفة الذي كان يتربَّح من صكوك الغفران فتمَّ استدعاء مارتن لوثر إلى روما ولكنه بناءً على نصيحة الأمير فريدريك توجّه إلى أوجسبورج حيث طلب منه الكاردينال التراجع عن آرائه وعندما رفض طالب بتسليمه إلى السلطات أو نفيه من ساكسونيا، ولكن الأمير فريديك رفض ذلك وسرعان ما أصدر البابا ليو العاشر أمرًا رسميًّا يدعم التعاليم البابوية عن صكوك الغفران وعندما وصل للوثر رسالة تهديد بحرمانه كنسيًّا (عقوبة تعني قطع الصلة بين الشخص والكنيسة وحرمانه من أي عمل كنسيّ حتى التوبة) بأمٍر بابويٍّ أحرقها علنًا في ديسمبر 1520م ثم صدر أمر رسميٌّ بحرمانه كنسيًّا في يناير 1521م، ردَّ عليه بعنف في خطاب مفتوح إلى أشراف الأمة الألمانية المسيحية قال فيه “يجب أن يكون الكتاب المقدّس مرجعنا الأخير للعقيدة أو أداء الشعائر، فالكتاب المقدّس لا يقدِّم أيَّ بينةٍ على حق البابا المطلق في دعوة مجلس، وإذا كان ينشد بالحرمان من غفران الكنيسة أو التحريم أن يمنع مجلسًا فإننا يجب أن نستخف بسلوكه كأنه تصرُّف رجل مجنون ونقذفه بحرمانه معتمدين في ذلك على الله ونقمته بقدر الإمكان ويجب دعوة مجلس في أقرب وقت وعليه أن يفحص المفارقة الفظيعة في أن زعيم العالم المسيحي يعيش في ترف دنيوي يفوق ما يحلم به أيّ ملك ولا بدَّ أن يضع هذا حدًّا لاستيلاء رجال الدين الإيطاليين على التبرعات الألمانية وأن يقلل إلى واحد في المئة من “زمرة الهوام” الذين يشغلون في روما مناصب دينية تُدرُّ عليهم دخلًا دون أن يؤدوا عملًا ويعيشون بصفة أساسيّة على الأموال التي يسلبونها من ألمانيا”.

ثم انتهت محاكمة لوثر أمام أعضاء مجلس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في مدينة فورمس بأن أعلنه الإمبراطور شارل الخامس خارجًا عن القانون وهذا ما كان يعني إهدار دمه، ولكنَّ أمير ساكسونيا فريدريك الذي كان من مؤيديه سرًا أخفاه في قلعة فارتبورج متواريا عن الأنظار إلى أن اضطرت القلاقل والاضطرابات التي أحدثها مؤيديه في مدينة فيتبرج إلى طلب مجلسها منه العودة إليها بسلام.

ولكن الأمور كانت أبعد ما تكون عن السلام فسرعان ما انتشرت أفكار لوثر بين الناس انتشار النار في الهشيم وإن لم يكن لوثر أول ناقد للكنيسة فقد كان أكثرهم نجاحًا بينما سبقه سلسلة طويلة من المعارضين أعدموا بتهمة الهرطقة وأحرِقوا على الأوتاد أو سجنوا حتى موتهم.

وكان سر نجاح لوثر هو أن حركته شبّت في المدن الألمانية الحرة وتحت حماية حكَّامها كأمير ساكسونيا فريدريك وحاكم هيسي فيليب الذين منحوا اللوثريين القوة اللازمة لصدِّ محاولة الإمبراطور لسحقهم، كما وفَّر اختراع جوتنبرج المذهل في الطباعة الفرصة لنشر كتب لوثر على نطاق واسع، لم يتسنَّ لأي من سابقيه أن يبلغوه فتحولت الكتب المطبوعة -ولم تكن الجرائد والمجلات قد ظهرت في ذلك العصر- إلى آلات للدعاية والحرب وبحافز من ثورة لوثر ارتفع عدد الكتب المطبوعة في ألمانيا من 150 عام 1518م إلى 990 عام 1524م، وكانت أربعة أخماس هذه الكتب تؤيّد الإصلاح الديني اللوثري  وكانت مؤلفات لوثر هي أكثر الكتب رواجًا في ذلك العصر، وبيعت في الأسواق ومع الباعة الجائلين وسرعان ما صدرت إلى فرنسا وإسبانيا وإنجلترا.

وكان أعظم أعمال مارتن لوثر على الإطلاق هو ترجمته للإنجيل باللغة الألمانية حيث ولأول مرة بفضل الطباعة أصبح لكل أسرة في ألمانيا نسخة شخصية خاصة من الإنجيل بلغتهم التي أصبحت لغة قوميّة في بداية لظهور ألمانيا التي لم تكن دولة في ذلك العصر واستُبدلت اللاتينية في العلوم والآداب.

وتزامن الانتشار فائق السرعة لأفكار لوثر مع ثورة الفلاحين التي عمّت ألمانيا بدايةً من 1525م ففي الوقت الذي تحدّى فيه لوثر الكنيسة وتمرّد عليها، كانت الكنيسة تمثّل جزءًا لا يتجزأ من الدولة إلى حد أن تقويض ما يتمتع به رجال الدين من هيبة وسلطان قد أزال أكبر عائق للثورة.

وفي مطلع عام 1525م كان عشرات الآلاف من الفلاحين في جنوب ألمانيا، قد حملوا السلاح وأعلنوا التمرّد على الدولة والكنيسة معًا ورفضوا دفع الضرائب التي تفرضها الدولة وضرائب العشور الكنسية والضرائب الإقطاعية وسرعان ما قامت الحرب الأهلية تأكل الأخضر واليابس.

وكان موقف مارتن لوثر من هذه الثورة التي كان أحد أهم أسباب اندلاعها مختلطًا، فبينما نصح الأمراء والسادة الإقطاعيين بأن يعترفوا بعدالة كثير من مطالب الفلاحين وحثِّهم على انتهاج سياسة تتسم بالرأفة وعارض استيلاء الكنائس على ضرائب العشور رفض في الوقت نفسه العنف الذي لجأ إليه الفلاحين وتنبَّأ بأنه سوف يترك الفلاحين في وضع أسوأ مما كانوا عليه وأنَّ ثورتهم ستَصِمُ حركة الإصلاح الديني بالعار، وقال: إنَّه يجب على الناس الخضوع للسلطات إذ إنَّ لها الحق في فرض ما تراه من ضرائب لمواجهة نفقات الحكومة وأنَّ حرية الرجل المسيحي يجب أن تُفهَم على أنَّها حرية روحية لا تتعارض مع العبودية بل ولا الرق “ألم يتَّخذ إبراهيم وأبناؤه الآخرين والأنبياء عبيدًا؟ اقرأ ما يعلّمه لنا القديس بولس عن الخدم الذين كانوا جميعًا أرقاء في ذلك العهد، ومن ثم فإن بندكم الثالث لا يسري على الإنجيل فهذه المادة تساوي بين الناس جميعًا وهذا مستحيل، ذلك لأن مملكة دنيوية لا تستطيع أن تقف على قدميها ما لم تكن هناك درجات متفاوتة بين الأشخاص بحيث يكون البعض منهم أحرارًا والبعض مسجونين والبعض سادة والآخرون رعايا”.

ولكن الثورة استمرت وأحرق الفلاحون الغاضبون الكنائس المناهضة للبروتستانتية وقصور الأشراف والنبلاء فجاهر لوثر بعدائه للثورة ودعا الحكام البروتستانت بالصلاة والندم والمفاوضة ولكن إذا ظل الفلاحون على عنادهم “عندئذ سارعوا بامتشاق الحسام لأن أيّ أمير أو سيّد يجب أن يتذكّر في هذه الحالة أنّه كاهن لله وأنّه أداة نقمته تعالى الذي يمتشق من أجله الحسام لضرب رقاب هؤلاء الأتباع وإذا خطر لأحد أن هذا صعب جدًا فليتذكر أن الثورة لا تحتمل وأن دمار العالم أمر متوقع في كل ساعة”.

وعندما انتهت الثورة بعد تدخل عسكري غاشم كان قرابة 130 ألف فلاح قد قضوا نحبهم، ونفذ الإعدام في الآلاف وقطعت أطراف وسملت عيون الآلاف من الثائرين حتى تدخل الأمراء العقلاء في آخر الأمر في تخفيف همجية الانتقام.

وعندما توفي مارتن لوثر في 1546م مغضوبًا عليه من كافة الأطراف كان قد أشعل شرارة ثورة دينيّة وفكريّة واجتماعيّة واقتصاديّة غيّرت أوروبا والعالم بأسره إلى الأبد.

كانت حركة لوثر والنقاشات العميقة حولها التي دارت في أجواء عصيبة مشحونة بالثورة والغضب والتمرد على أوضاع اجتماعيّة واقتصاديّة مترديّة قد أثمرت تغيرات كبرى في الذهنيّة الأوربيّة.

فكان إصلاح لوثر قائمًا على العودة لأصول الإيمان المسيحيّ الذي انتهكته مظاهر الفخامة في الكنائس من ناحية والسلطويّة وامتلاك الأراضي والتدخل في السياسة من ناحية أخرى، كما كان يرفض من جهة العقيدة مظاهر عبادة القديسين التي شجَّعت عليها الكنيسة فأصبح التضرُّع إلى القديسين بدلًا من الرَّب، فأعلن لوثر أن الخلاص يكمن في الإيمان وحده وأنَّ العلاقة بين الشخص وربِّه فردية لا تحكمها الكنيسة التي أدان إصدارها لصكوك الغفران كما رفض امتناع رجال الدين عن الزواج والنذر بالرهبانية وتقديم النذور للقديسين باعتبارها “بدع” لم ترد في الإنجيل.

كانت رسالة لوثر تحمل مضمون علماني قوي يفصل بين الدولة والكنيسة ويرفض دور رجال الدين في الإدارة “ليس هناك فرقٌ حقيقيٌّ بين رجال الأكليروس والعلمانيين إذ إنَّ كلَّ مسيحيِّ ينصب قسًّا بالتعميد ومن ثم فإن على الحكّام الزمنيين أن يمارسوا سلطاتهم دون عائق أو اعتراض بغض النظر عما إذا كانوا يسيؤون إلى البابا أو الأسقف أو القس وكل ما نص عليه القانون الكنسي مما يناقض ذلك من خالص بنات أفكار الوقاحة الرومانية”.

ومضمون اجتماعي يحمل سمه قوميّة ينتقد امتلاك الكنائس للثروات والأراضي بينما الأغلبية الساحقة من الشعب لا تجد ما يسدُّ رمقها “لقد قرَّرَ البعض أن أكثر من 300000 جولدن تجد طريقها كل عام من ألمانيا إلى إيطاليا كيف يتأتَّى أن يكون لزامًا علينا نحن الألمان أن نتسامح في مثل هذه السرقة ومثل هذا السلب لأملاكنا على يدي البابا؟ وإذا كنا بحق نشنق اللصوص ونضرب أعناق السارقين بالإكراه فكيف نسمح للشرِّ الروماني أن يفلت من العقاب؟ ذلك لأنّه أكبر لصٍ وسارق بالإكراه جاء أو يمكن أن يجيء إلى العالم بل وشرَّهم قاطبةً بالاسم المقدس للمسيح والقديس بطرس ومن في وسعه بعد هذا أن يتحمَّل أو يلزم السكوت؟”.

وكانت الثورة البروتستانتية قد وجدت أرضًا خصبةً في ألمانيا التي بدأت بها الحركة القوميّة على استحياء فكان الانفصال الروحي بين الأمان والكنيسة الكاثوليكية الرومانية وتدوين الإنجيل والصلاة باللغة الألمانية مظاهر قوميّة استهوت الطبقة البرجوازية الألمانية بوعيٍ أو بدون وعي.

ومضمون عقلاني يرفض ما شاع من خرافات وما عُلِّق بالدين من مظاهر وثنية قاربت عبادة الأسلاف عند الوثنيين.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد فتحي سليمان

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

الصورة: هايدي عبدالرافع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.