لماذا لم يكن العالم العربي يحتفل بعيد الأب سابقًا؟

منذ أيام قليلة، تلقيت بريدًا إلكترونيًا من مدرسة ابنتي – التي تبلغ من العمر تسع سنوات – مفاده أنها يجب أن تحضر معها بعض الأدوات الفنية من أجل صنع بطاقة تهنئة فنية من الورق الملون بمناسبة عيد الأب. تأملت الخطاب المرسل المنتهي بجملة ”وكل عام وأنتم بخير“ وتساءلت: لماذا لم نكن نحتفل بعيد الأب سابقًا في مجتمعاتنا العربية؟ وهل لهذا علاقة بطبيعة البيت العربي وثقافتنا العربية؟ وما التطور الذي طرأ على مناهجنا التعليمية في الوطن العربي ليصبح الاحتفال بعيد الأب جزءًا جديدًا أساسيًا يُضاف إليها؟

عيد الأب في الوطن العربي بين الماضي والحاضر

حين كنت في عمر ابنتي، أذكر جيدًا أن عيد الأم كان يعتبر مناسبة كبيرة ومحورية نجهز لها ليس فقط في المدرسة، ولكن أيضًا في المنزل؛ ففي المدرسة كنا نبدأ في كتابة موضوعات التعبير عن عيد الأم، ودور الأم المحوري الذي يؤثر في الطفل منذ حملها به مرورًا بولادته والسهر معه وإرضاعه وغيرها من المهام، كما كنا نصنع بطاقات تهنئة لأمهاتنا لنفاجئهن بها حين نعود إلى المنزل، هذا بالإضافة لدروس القراءة عن عيد الأم، وغير ذلك من الأنشطة المتعارف عليها والمرتبطة بمناسبة عيد الأم. وعلى الجانب الآخر، كانت هناك طقوس خاصة للاحتفال بعيد الأم في المنزل، فقد كنا نرتب خطة لشراء الهدايا لأمهاتنا بحيث تتم مفاجأتهن يوم عيد الأم، كما كنا أيضًا نعلق الزينة، بما يتبع ذلك من شراء وجبة طعام جاهزة حتى لا نرهق الأم بالأعباء المنزلية يوم عيدها.

كان هذا هو الشائع في سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، فلم يكن هناك ذكر لعيد الأب إطلاقًا، بل ولم نكن ندرك أن هناك عيد للأب يتم الاحتفال به في الدول الغربية حينها من الأساس على الرغم من أنه مناسبة رائعة ذات أثر رائع على الأسرة أيضًا، فإذا كان دور الأم محوريًّا في الأسرة، فدور الأب أيضًا له أهمية عظيمة لا يمكن تجاهلها.

متى بدأ الاحتفال بعيد الأب؟

اختلفت الروايات حول السبب الرئيسي وراء بدايات الاحتفال بعيد الأب، ولكن هناك قصتين يتم تداولهما في هذا السياق في المناهج الغربية.

أما القصة الأولى فتقع أحداثها عام ١٩٠٨، حيث تتناول قصة امرأة أمريكية تدعى جريس كلايتون التي فقدت والديها في عمر صغير، وفي أعقاب المواجهات التي حدثت في ولاية فيرجينيا آنذاك، والتي قتل خلالها أكثر من ٢٥٠ أب وفقدت خلالها أكثر من ٢٥٠ أسرة المعيل الأساسي لها، قدمت جريس طلبًا للحكومة الأمريكية تطالب فيه بضرورة تخصيص يوم للاحتفال بعيد الأب مثلما هناك يوم رسمي خاص للاحتفال بعيد الأم.

إعلان

وتدور أحداث القصة الثانية – وهي الأكثر شيوعًا – حول امرأة أمريكية تدعى سونورا دود والتي كانت قد فقدت والدها وهي في عمر السادسة عشر، أما والدتها فقد توفت أثناء ولادة أحد إخوتها، وقد كبرت سونورا لتجد أباها يربي ستة أطفال وحده ويتحمل المسئولية كاملة، لذلك قامت سونورا في عام ١٩٠٥ بتقديم طلب مفاده ضرورة تخصيص يوم للاحتفال بعيد الأب تمامًا مثل عيد الأم، وذلك لأن دور الأب لا يقل أهمية أبدًا عن دور الأم في الأسرة.

وبالفعل، تم الاحتفال بعيد الأب للمرة الأولى في التاريخ في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩١٠، وفي عام ١٩١٣ أعلن الكونجرس الأمريكي تخصيص تاريخ الأحد الثالث من شهر يونيو من كل عام للاحتفال بعيد الأب، ثم تطور الأمر في عام ١٩٧٢ حين تم إعلان يوم عيد الأب مناسبة قومية وإجازة رسمية وقت حكم الرئيس الأمريكي الراحل نيكسون.

والجدير بالذكر أن تاريخ الاحتفال بعيد الأب ليس واحدًا بين دول الغرب، فهناك دول تحتفل به في التاسع عشر من شهر مارس مثل أمريكا اللاتينية، وهناك دول أخرى تحتفل به في يوم ٢١ يونيو مثل إسبانيا، وهناك دول تحتفل به في شهر مارس مثل استراليا، بينما هناك فريق ثالث من الدول يحتفل به يوم الأحد الثالث من شهر يونيو سواء وافق ٢٠ أم ٢١ يونيو مثل بريطانيا.

كيف انتقل الاحتفال بعيد الأب من الغرب إلى الشرق؟

انتقل الاحتفال بعيد الأب إلى الدول العربية في السنوات الأخيرة، وتحديدًا مع مطلع الألفية الجديدة، وقد اعتمدت بعض الدول العربية تاريخ ٢١ يونيو للاحتفال بعيد الأب. وتجدر الإشارة إلى أن مصر تعتبر من أوائل الدول العربية التي احتفلت بعيد الأب وحدث ذلك مرة واحدة عام ١٩٨٦، ولكن كان هذا احتفال واحد لم يتكرر حتى عامنا هذا، والذي حدثت خلاله بعض الحملات الدعائية التي تروج لفكرة الاحتفال بعيد الأب في مصر يوم ٢١ يونيو من كل عام أسوة بالغرب.

وتجدر الإشارة هنا إلى السبب وراء انتقال هذه المناسبة الاجتماعية من الغرب إلى الشرق، حيث إنه في نهاية سنوات التسعينات من القرن الماضي، وتحديدًا عام ١٩٩٨، كانت هناك طفرة كبيرة في استخدام الإنترنت في الوطن العربي، فطبقًا للإحصائيات، ارتفع آنذاك عدد المستخدمين العرب من ١٥٠ ألف مستخدم إلى ٧٠٠ ألف مستخدم خلال عام واحد فقط، وكانت معظم المواقع الإلكترونية وقتها إما متاحة باللغة الإنجليزية، كما كان الحال في الشرق الأوسط ومصر، أو باللغة الفرنسية كما كان الحال في المغرب العربي.

وبلا شك فقد أحدث استخدام الإنترنت طفرة معلوماتية ضخمة في الوطن العربي، حيث لم تعد المعلومات التي يتعلمها أبناؤنا العرب هي فقط تلك التي تحتوي عليها مناهجنا التعليمية العربية، بل تطور الأمر وأصبح كل شيء متاحًا بنقرة زر.

ولا شك أن التأثر الثقافي بالمجتمعات الغربية كان نتيجة مباشرة لبدايات استخدام الإنترنت في الوطن العربي، بما في ذلك التأثر باحتفالات الغرب، أو ما يطلق عليه علميًا ظاهرة العولمة أو ”التغريب الثقافي“. حيث إنه طبقًا للأبحاث، من أهم الخصائص البارزة للواقع الثقافي في الـوطن العربي هو محاكاة الغرب بشكل أثر كثيرًا على الجوانب الثقافية جميعها في وطننا العربي.

عيد الأب وتطور المناهج التعليمية في الوطن العربي

مع طفرة المدارس الدولية التي تتبنى تدريس المناهج الغربية في الوطن العربي خلال العقدين الأخيرين تحديدًا – سواء كانت المدارس الدولية البريطانية أو الأمريكية أو الفرنسية أو غيرها – أصبح هناك تطبيق مباشر للأنشطة التعليمية المرتبطة بالمناسبات الغربية في مناهجنا المعرَّبة، ولعل موقع توينكل التعليمي يعتبر خير شاهد على ذلك، فالموقع يحتوي على أنشطة تعليمية تعتمد عليها المدارس من مختلف أنحاء العالم، وفي السنوات الأخيرة، ذهبت العديد من المدارس العربية في بادرة إيجابية إلى استخدام الموقع ذاته من أجل تطوير العملية التعليمية في الوطن العربي.

بالإضافة إلى ذلك، لم تقتصر الأنشطة التعليمية التي تتناول تطبيقات مباشرة عن عيد الأب على تلك المكتوبة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات الأوروبية، بل تمت ترجمة العديد من هذه الأنشطة التعليمية ونقلها إلى اللغة العربية أيضًا، فأصبح هناك أنشطة فنية يطبقها أطفالنا في المدارس مثل شهادات التقدير ورسومات التلوين، أو بطاقات معايدة، أو اكتب خطابًا لوالدك في عيد الأب، أو دروس القراءة التي تتناول موضوع عيد الأب، وغيرها من الأنشطة التعليمية الرائعة المطابقة لما اعتدنا على القيام به في عيد الأم.

وختامًا، يمكننا القول أنه ليس كل ما ينقل من الغرب غير محبب أو ”دخيل“ على ثقافتنا العربية، فالعولمة لها جوانب إيجابية كثيرًا، ويمكننا دائمًا محاكاة ما يناسب ثقافتنا وفكرنا العربي، بما يتضمن ذلك من ترسيخ إيجابية دور الأب في الأسرة العربية والتأكيد على أهميته، فالأب هو عماد الأسرة ودوره لا يقل أبدًا أهمية عن عيد الأم، والاحتفال به هو بلا شك أمر محبب خاصة في مناهجنا الدراسية العربية.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: منة أبو خضرة

اترك تعليقا