تأخذك إلى أعماق الفكر

لعنة الفيس بوك! كيف شوَّهت الكتابة الواقع؟

تدخين بدون سعال أو بلغم أو ضيق في التنفس، وخمر بدون غثيان وقيء وصُداع وتشمُّع في الكبد، وجنس بدون روائح الفم والعَرَق والإفرازات وبقع والتهابات الجلد وآثار إزالة الشعر!

هذه ليست الجنَّة، بل ما تشاهدُه أنت بعينيكَ في أغلب الأفلام والمسلسلات، وتقرؤه في أغلب الروايات، وتتوهَّم أنه صحيحٌ أو مُمكِنُ الحدوث! وهذه أمثلةٌ بسيطةٌ على الطريقةِ التي تُشوِّه بها هذه الفنونُ الواقعَ في أذهانِنا؛ فلم أتطرَّقْ للكوارثِ الأخرى التي تتعلَّقُ بطريقةِ تصوير الضَّرب والقتل والاحتضار والحروب، في الروايات والأفلام، وأغلبُها أمورٌ لا تمتُّ للواقعِ بِصِلةٍ، ولكنَّ كثيرًا من الناسِ يتوهَّمون أن الواقعَ كذلك!

وما كانت الأفلام والمسلسلات لِتنشأَ من فراغ. هي ترتكز في الواقع على نصٍّ مكتوبٍ، وخيالِ مُخرجٍ، اكتسبَ خبراتِه من الأفلام السابقة (المُشوِّهة) التي درسها، ومن قراءاته، ومن تجاربه الحياتية. وأغلبُ الكتَّابِ والمخرجين للأسف في هذا العصر لا يُحسِنون تقديمَ الواقعِ على حقيقته (كما نعرفها)، ولا تقديمَ خيالٍ يستندُ إلى (منطق) الواقع، ولا ضمان أن المشاهد سيكون قادرًا على التفرقة بين منطق الواقع، والمُبالغات التي قد تُستحضَر في الأعمالِ الأدبية والدرامية لتضخيم الشعور لدى المتلقِّي أو لإثارة دهشته أو لإضحاكه أو لدفع الحبكة إلى الأمام وإضفاء الإثارة والتشويق عليها. فتكون النتيجة أن أولئك الكتاب والمخرجين يتأثَّرون بالواقع الممسوخ، ليُنتجوا خيالًا مشوَّهًا، يضيفُ إلى وعي الجمهور، غيرِ المُلمِّ بمفردات هذا العالم المُتَوَهَّم وغير القادر على استيعاب المبالغات في سياقها؛ يضيف ضلالاتٍ جديدةً، تُعيد هي بدورِها توليدَ ضلالاتٍ أخرى، وهكذا! وتكون النتيجة هي تحريف إدراك الإنسان للواقع الذي لا تحدث المبالغات فيه إلا نادرًا، والذي يمرُّ الزمنُ فيه بإيقاع أبطأ بكثير من الساعتين اللتين تستغرقهما مشاهدة الفيلم، أو الساعات التي يقضيها الإنسانُ في قراءة رواية!

ولا أظنُّ أن إنسانًا عاقِلًا قد يعمِدَ إلى مثل هذا التشويهِ بكاملِ إرادتِه. الأديبُ هو أيضًا شخصٌ موهومٌ، ويبني النصَّ الأدبيَّ على أوهامِه، فيُساهم – غيرَ مُدرِكٍ – في تشويه الواقع. وذلك – كما ذكرتُ – ليس بإرادتِه، بل هو مُجبَرٌ على هذا لأنه يستخدمُ أداةً قاصرةً تُسَمَّى (اللغة)، ويستندُ دائمًا إلى معرفتِه الذاتيةِ (غير الدقيقة) بأمور هذا العالم.

مدينة فاضلة بلا شعراء

في العالم المثالي الذي وضع أفلاطون خطوطَه العريضةَ في كتاب (الجمهورية)، لم يكن للشعراءِ وجودٌ! فلماذا طرد أفلاطون الشعراءَ من مدينته الفاضلة، وهل لهذا عَلاقة بتشويه الواقع؟

إعلان

اليوتوبيا هي مدينة (المُثُل)، والفضيلة، والأفكار الحقيقية الأصلية، بينما يقدِّم الشعراءُ محتوًى إبداعيًّا قائمًا على المحاكاة (غير الدقيقة بطبيعة الحال)، وتزييف الواقع (بترويجهم أفكارًا مختلقةً ومشاعرَ مزيفةً لم يعايشوها أو مشاعرَ ناتجةً عن تجاربَ تخصُّهم دون غيرِهم، والحديث عن تجارب لم يمرُّوا بها قط، وتقمُّص شخصيات قد لا يكون سلوكها فاضلًا، من أجل إثارة اهتمام الجمهور). وليس هذا غريبًا؛ فقد كان الشاعر قديمًا يكاد يؤدِّي نفس وظيفة المؤلِّف المسرحي أيضًا والممثل، فكانت الدراما عنصرًا أساسيًّا في إبداعه (الشعر التمثيلي)، وكان الأداء الحركي عنصرًا أساسيًّا في إلقائه. والسؤال هنا: كيف يُسمَح بوجود الزَّيف في عالم الأفكار الحقيقية الأصلية؟!

وليس هذا ببعيدٍ عن رأي القرآن في الشعراء الذين يتَّبعهم الغاوون ويقولون ما لا يفعلون. فتشكيل الوعي، في مراحله الأولى، لا ينبغي أن يُبنَى على الوهم، لكيلا يتخلَّقَ وعيٌ زائفٌ، ولكيلا تحدثَ فيما بعد صدمةٌ للإنسان حين يكتشف الفجوةَ الضخمةَ بين الذي قرأ عنه، وما هو موجودٌ بالفعل في العالم، ثم – في مرحلةٍ لاحقةٍ – بين تصوُّره عن العالم، وحقيقة العالم، التي لا تكاد الأفكارُ أن تكونَ إلا مجرَّدَ ظلٍّ لها!

ولذلك، كان لا بد من طرد الشعراء من المدينة الفاضلة؛ ففنُّهم قائمٌ على (اللغة)، و(اللغة) في أساسها غيرُ دقيقةٍ. وهو قائمٌ كذلك على استحداثِ عَلاقاتٍ جديدةٍ بين المفردات، وإنشاءِ صورٍ شعريةٍ خياليةٍ مبنيَّةٍ في الأساس على تشويه صورة الوجود لتحقيق انزياحٍ دلاليٍّ ما يُساعد على خلق مفارقة، وذلك التشويه ينافي المَثَلَ الأعلى الذي شُكِّلت على صورته هذه الموجودات. فإذا عاشوا في المدينة الفاضلة، فسوف يكون وجودُهم نشازًا، ومخالفًا للغاية من هذه المدينة.

اللغة كاذبة، فما بالك بفنٍّ كاملٍ أداته هي اللغة؟!

لعنة اللغة

أجمعت الأديان على التحذير من الكذب، وقد يُباح حين الاضطرار، أو تُستباح صورةٌ هينةٌ منه، كالكلام بالمَعَاريض في الإسلام مثلًا. ولكن في المجمل، كان الكذبُ سلوكًا مستهجنًا. ولعل هذا راجعٌ في الأساس إلى أن الكذبَ – في جوهره – لا فرقَ بينه وبين ما تفعله اللغة، إلا في درجة التزييف، لا في المبدأ! ولذلك، ما إن يعي الإنسانُ أن اللغةَ غيرُ صادقةٍ وغيرُ معبِّرةٍ، حتى يتمادى في هجر الصِّدق وتحريف التعبير، فيكذب ويكذب ويكذب… فكان لا بد من الحفاظ على الحدِّ الأدني من قدرتنا على فهم الواقع على حقيقته، فأصبح الكذب محرَّمًا، ومن نواقض المروءة، ولولا ذلك، لعمد كلُّ من يتواصل باللغة إلى الكذب دون غضاضة، بشأنِ كلِّ شيء!

فلماذا لجأنا إذًا إلى وسيلةٍ (كاذبةٍ) غيرِ دقيقةٍ مثلِ اللغة، ومِن بعدِها الكتابة، وأقمنا عليها حضارتنا البشرية؟!

اللغة المكذوبة واللغة المكتوبة

في البداية، لا بد من التفرقة بين اللغة والكتابة. نشأة اللغة تسبق اختراع الكتابة بآلاف السنين، واللغة غير قاصرة على البشر، بل ثمَّة وسائل لا حصر لها للتواصل اللغوي بين أفراد الكائنات الحياة بعضهم وبعض، ولا يُشترط في كثيرٍ منها استخدامُ الأصوات؛ فمن الحيوانات ما يستخدم الروائح أو الحركات ذات الدلالة. وحدهم البشر هم الذين بَنَوْا منظومةً لُغويةً شديدةَ التعقيد ترتكزُ في المقام الأول على الأصواتِ الدالَّة. وهذه المنظومة ليست عربةً نُحمِّلُها بأفكارِنا، بل هي المادَّة الخام التي تتشكَّل بها الأفكار، وهي نظام تشغيل النشاطات العقلية (وَفق رأي ديل سبيندر في كتابها لغة من صنع الرجال). ففي البداية تحوَّلَ (الشيء/الفعل/الشعور) إلى صوت، ثم بدأ الصوتُ يُستخدَم لاستدعاء صورةِ (الشيء/الفعل/الشعور) إلى الخيال، ثم تآلفت الأصواتُ لتشكيلِ أفكارٍ جديدةٍ لا يمكن أبدًا فصلها عن المخزون الثقافي الذي حُمِّلت به أصواتُ اللغة، بدايةً من أولِ إنسانٍ دلَّ بصوتٍ على شيءٍ ما، وانتهاءً بآخرِ كلمةٍ اختُرِعَت.

لكن اللغة البشرية ليست أصواتًا منطوقةً فحسب، بل لا بد من تطويع نبرة الصوت والأداء الجسدي لإيصال المعنى المطلوب، الذي تختزنه الحروفُ المتآلفةُ لتشكيلِ كلماتٍ وعباراتٍ (وحتى هذا التآلف قد تشوبه بعض عوائق التواصل، وقد لا تؤدَّي هذه الأمور معًا المعنى المقصود على النحو المطلوب!). فلمَّا اهتدى البشر إلى علاماتٍ يرمزون بها إلى الأصوات المنطوقة (عُرفت فيما بعد بالكتابة)، تخلَّصوا مضطرِّين من كلِّ ما يمتُّ للأداء الجسدي بِصِلة، واحتفظوا فقط برموز الأصوات المنطوقة، مجرَّدةً من النبرة ومن الأداء الجسدي، فأصبحت الكتابةُ وسيلةً غيرَ دقيقةٍ للتواصل، ترمز إلى وسيلةِ تواصلٍ، مشكوكٍ أصلًا في دقَّتِها في التعبير عن العالم وعن الطَّيف الواسع للمشاعر الإنسانية!

ولكن لماذا لجأ البشر إلى هذه الوسيلة غير الدقيقة؟

الكتابةُ خِيارٌ سيئٌ، فضَّلناه على الأسوأ!

كنا مخيَّرين بين فقدان الآداب القديمة والوقائع التاريخية والمعارف المكتسبة للأبد أو تحريفها بالنقل الشِّفاهي، وبين الاحتفاظ بسبعين بالمائة من دلالاتها الأقرب إلى الحقيقة (ولن أقول دلالاتها الحقيقية). ففضَّلنا الخيار الأخير، ولكن مع بعض التنبيهات، كأنْ يكونَ للكُتُبِ قائمون عليها، يفسِّرون ما بها، وهم العلماء أو رجال الدين، وذلك ما يتَّضح في القول المشهور:  من كان شيخُه كتابَه، فخطؤه أكبر من صوابه… وأن يكون الاعتمادُ على الكتاب مقرونًا بمجالس طلب العلم التي يكون فيها (المعلم/الأستاذ/الشيخ) هو مفتاح الولوج إلى الكتاب وتفسير ما فيه. فلم يكن الكِتَابُ والكِتَابةُ يومًا إلا مجردَ وسيلتين مساعدتين. ولم يكن طلب (العلم) الذي هو في (الكتب) متاحًا إلا لقليلٍ من الناس المستعدِّين بكل جوارحهم لملازمة الشيوخ وأهل العلم، وذلك لصعوبة استغلال الكتب (مستقلَّةً) على النحو الذي يحقِّقُ الحدَّ الأدنى من الانحراف الدلالي بين ما هو مقصود وما هو موجود.

وفي تلك العصور القديمة، كان الشِّعرُ دائمًا هو البطل، لأنه كان أكثرَ الفنونِ مُجانَسةً لطبيعةِ اللُّغة، إذ إنه يشوِّه الواقعَ بأداةٍ مشوِّهةٍ أصلًا، فكانت نصوصُه الخياليةُ المكذوبةُ غيرُ الدقيقةِ ملتبِسةُ الدَّلالات، ملائمةً لطبيعةِ اللغةِ التي لا تُعبِّرُ بدقةٍ عن المشاعر ولا عن الواقع. لكن الشِّعر في الوقت نفسه فَضَحَ ميوعةَ اللغة والتباس دلالات مفرداتها، فكادت كلُّ قصيدةٍ أن تُصبحَ مَزحةً شعوريةً، وإعلانًا عابرًا للأزمان عن قُصور اللغة!

اضطرَّت البشرية اضطرارًا إلى الكتابة لتنتقل المعرفةُ من جيلٍ إلى جيلٍ، وكانوا يُعَوِّلون في التواصل اليومي بينهم دائمًا على الأداء اللغوي الطبيعي الذي يقتضي وجودَ الأشخاص بعضهم بإزاء بعض. ولم يكونوا يلجأون إلى الرسائل المكتوبة إلا للإخبار عن وقائعَ محدَّدةٍ، لا فرقَ بينها وبين تناقل المعرفة بالكتب. وكان اللغويون العرب القدامى موفَّقين إلى أبعدِ مدًى حين أطلقوا على الرسالة المكوَّنة من ورقة واحدة، والكتاب المؤلَّف من عشرات الأوراق نفسَ المسمَّى… (الكتاب)… لأن كليهما متماثلان في الطبيعة والغرض وطريقة التعامل معهما.

طوال العصور القديمة، لم يستخدم البشر الكتابة للتواصل اللَّحْظي. ولذلك كان (الشات) الذي تضِجُّ به أركانُ عصرِنا الحديث، أمرًا غيرَ مسبوق في تاريخ الحضارة الإنسانية!

لعنة مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة

برغم الثغرات الموجودة في (اللغة)، إلا أنها تظلُّ أفضلَ وسيلةٍ للتواصلِ بين البشر، ما دام الصَّوْتُ المنطوقُ تُشارك في تجليةِ معناه نبرةُ الصَّوتِ والأداءُ الجسديُّ، للاقتراب من حقيقةِ الشيءِ المُخبَر عنه، قدرَ الاستطاعة (وليس الوصول إليها؛ لأن مطابقة اللغة، بل والوعي البشري، للواقع، مستحيلة الحدوث). اللغة المكتوبة لا تملِك هذه المزيَّة. هي مجرد علامات مرسومة ترمز إلى اللغة (ذلك الكيان المعقَّد)، ولذلك تكون الدلالاتُ المُحتمَلةُ للعبارةِ الواحدةِ أكثرَ مِمَّا لو قيلت بلسان الشخص وجسده، فينشأ سوءُ التفاهم.

وهذا ما نعانيه في عصرِنا الحديث. أصبحنا نتواصل (لحظيًّا) بالكتابة لأولِ مرَّةٍ في التاريخ، فتزايدت المشكلات التي مردُّها إلى إساءةِ فهمِ مدلول العبارات المكتوبة. ولم تُعالج الرسائل الصوتية هذه الكارثة، لأن الاحتفاظَ بالصوت مجرَّدًا من الأداء الجسدي، يفتح البابَ لاحتمالاتٍ كثيرةٍ تتعلَّق بتفسير ما وراء النبرة. وحتى الاحتفاظ بالفيديو المسجَّل يفتح الباب لهذه التأويلات المُفسِدة.

التواصل اللغوي الوحيد الذي يحمل الحدَّ الأدنى من مخالفة الواقع، هو التواصل المباشر اللحظي غير المُسجَّل وغير القابل للاسترجاع بين أشخاص موجودين معًا في نفس الحيِّز المكاني! وحتى هذا التواصل قد لا يكون دقيقًا؛ ولكن هذه هي مشكلة (اللغة) في الأساس، ونحن مضطرُّون إليها بكلِّ عيوبها وثغراتها!

ولكن لا بد وأن تكون هناك أسبابٌ منطقيَّةٌ دفعَت الناسَ إلى الانعزال وراء الشاشات، وتفضيل مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة (رغم عيوبها ومشكلاتها)، على التواصل اللغوي المباشر.

لماذا فضَّلنا الشاشات على الواقع؟!

أولًا: الحياة الاجتماعية الحقيقية مُكَلِّفة… فلنتحرَّر من كل الالتزامات!

يقول الكاتب خالد البري في مقدمة كتابه (انفصام شخصية مصر):

“الكون كله عبارة عن طاقةٍ دَفَعَتْه للتشكُّل بالطريقة التي يتشكَّل بها. الأرض وغيرها من الكينونات في هذا الكون تشكَّلت كمحصِّلةٍ لطاقاتٍ. الكائنات الجامدة أو الكائنات الحية هي الأخرى عبارة عن محصِّلات طاقة. الأسُود تحيا لأنها تحصل على ما يكفيها من طاقة، تكفي لتشكيل خلاياها، ثم لاستمرار عمل هذه الخلايا. الديناصورات انقرضت لأنها لم تعد تستطيع أن تحصل على ما يكفيها من طاقةٍ لتعيش… وقد مارس الإنسانُ نشاطاتٍ مختلفةً للحصول على الطاقة نسمِّيها نشاطات إنتاجية…”.

والإنسانُ دائمًا محكومٌ في أنشطته اليومية بتكلفة الفعل والعائد المُرتجَى من ورائه معنويًّا كان أم ماديًّا. وكلَّما قلَّت تكلفة نشاطٍ ما وزاد العائد، كان الإنسان أكثر إقبالًا عليه، والعكس صحيح. والتكلفة قد تكون ماديَّة (نقود – مجهود عضلي)، أو معنوية (ضغط عصبي – أمراض نفسية).

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.