تأخذك إلى أعماق الفكر

الشعر الجاهلي قَيْدَ المُحَاكَمَة: كيف كان يرى طه حسين شِعْرَ الجَاهِليِِّين؟!

مقدمة لا بد منها

قبل أن نبدأ في أصل مقالنا علينا أن نتبين أولًا ما المقصود بالعصر الجاهلي الذي ينسب إليه هذا الشعر الذي دار حوله جدل عظيم لا يكاد يتوقف حتى وقت شروعي في مقالي هذا. قد يتبادر إلى ذهن القارئ أنَّ المراد بالعصر الجاهلي يشمل كل ما سبق الإسلام من حِقَبٍ وأزمنة، ولكن من يبحثون في الأدب الجاهلي لا يتَّسِعُونَ به إلى ما وراء قرنٍ ونصف من البعثة النبوية[1]. إذن فالجدل الدائر كله يدور حول هذا الشعر الذي يُنْسَبُ إلى شعراء يُدَّعَى أنهم عاشوا في هذه الحقبة الزمنية البعيدة. والآن، كيف كان يُعَرِّفُ طه حسين الشعر العربي بوجه عام؟

أعني عندما نقول كلمة (الشعر العربي)؛ فما الذي نعنيه بها؟ يقول الأستاذُ أنه يُمْكنُ أن نُعَرِّفَ هذا الشعر آمنين بأنه الكلام المُقَيَّدُ بالوزنِ والقافية، والذي يُقْصَدُ به إلى الجمال الفنِّيِّ[2].

إنَّ المنهج الذي اصطنعه طه حسين لنفسه وهو يبحث هذا الموضوع كان المنهج الديكارتيَّ القائم على الشكِّ، ومعنى ذلك كما يرى؛ أنه على الباحث أن يَتَجَرَّدَ من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خُلُوًّا تامًّا[3].

النتيجة المفاجئة، هل هي مفاجئة حقًّا؟

يبدأ طه حسين بحثه بحكاية شكه في قيمة الأدب الجاهلي وإلحاح الشكَّ عليه فيه؛ فأخذ يبحث ويفكِّر حتى انتهى إلى هذه النتيجة التي مفادها أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليستْ من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام؛ فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليِّين. انتهي البحث به إلى هذه النتيجة التي أقلقت العالم الإسلامي آنذاك وأقامته ولم تُقْعِدْه[4].

السؤال الذي نريد أن نسأله هنا: هل كانت هذه النتيجة شيئًا جديدًا تفرَّدَ به طه حسين أم لا؟ الحقيقة أن تلك النتيجة كان قد توصل إليها غيره من علماء اللغة والأدب قبله بقرون عديدة!

إعلان

يقول عبد الرحمن بدوي: “كلما تذكرت الحملة الشعواء الهوجاء التي أثيرت حول كتاب (في الشعر الجاهلي)؛ فإن عجبي لا ينقضي؛ لأنَّ ما قاله عن انتحال الشعر الجاهلي وفساد رواته ورواياته، وما أُضيف إليه أو حُذف منه هو كلام سبق أن قاله وأشبع القول فيه علماء الأدب واللغة القدماء منذ القرن الثاني للهجرة، بل لم يكن طه حسين أول باحث في العصر الحديث يبحثُ صحةَ الشعر الجاهلي وأسباب الانتحال فيه، وإنما كان آخرهم!”[5]. لم يأتِ طه حسين بجديد من عنده إذن وإنما أبرز هذا البحث وأذاعه واستطرد فيه؛ فكان ما كان.

القرآن مرآة الحياة الجاهلية لا ذلك الشعر الذي يُنسَب إلى الجاهليِّين

وقبل أن نأتي إلى الأسباب التي دعت طه حسين إلى أن يذهب هذا المذهب، علينا أن نسوق طمأنة الأستاذ لهؤلاء الذين يكلفون بالشعر الجاهلي ويُشفقون عليه أنَّ بحثه لن يمحوَ العصر الجاهليَّ محوًا تامًّا، وإنما سيسلك بهم سبيلًا آخر من خلاله يمكن التعرُّف على هذا العصر بحقٍّ.

هذا الطريق الذي حثَّ عليه الأستاذُ هو طريق القرآن، فإذا أردنا أن نتعرف على العصر الجاهلي بحق؛ فعلينا أن نسلك طريق القرآن؛ لأنه النصُّ الجاهلي الوحيد الذي نطمئنُّ إلى وصوله إلينا حقًّا.

يقول طه حسين: “القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونصُّ القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه؛ [فعلينا أن ندرس الحياة الجاهلية] في القرآن، وفي شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه[6]“.

الأسباب التي حملت طه حسين على إنكار معظم ما وصلنا من شعر يُسَمَّى جاهليًّا

اللغات الجاهلية ليست لغة واحدة هي لغة القرآن

الأدب الجاهلي لا يُمثِّل اللغة الجاهلية[7]

-طه حسين

إن أول ما الْتَفَتَ إليه الأستاذ وجعله يُلِحُّ في الشكِّ في قيمة ما يُنسَب إلى الجاهليين من أدب أنَّ اللغة التي كان يتكلم بها مَنْ سُمُّوا عَرَبًا ليستْ هي نفسها ذات اللغة التي جاء بها القرآن.

إنما جاء القرآن بلغة واحدة هي اللغة العدنانية التي كان يتكلم بها أهل الحجاز وما حولها، والعدنانية ليست في الحقيقة إلا لغة واحدة من ضمن تلك اللغات الكثيرة التي كان يتكلم بها العرب قبل الإسلام.

يرى طه حسين أنَّ البحث الجديد قد أثبت خلافًا جوهريًّا بين اللغة التي كان يصطنعها أهل الجنوب من البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصنعونها في شمال هذه البلاد.

اتفق الرواة على أن العرب كانوا ينقسمون إلى قحطانية منازلهم الأولى في اليمن (الجنوب)، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز (الشمال)، كما كانوا يرون أن شعب قحطان هو الشعب العربي حقًّا (العرب العاربة)، وأن شعب عدنان (العرب المستعربة) قد تعلموا منهم العربية واكتسبوها منهم؛ فتَعَرَّبُوا.

إنَّ ما يثير الشكَّ كلَّه أن كلَّ ما يُرْوَى من شعر جاهليٍّ كان بلغة القرآن رغم أن البحث يُثْبِتُ أن لسان قحطان ليس هو لسان عدنان!

كانت اللغة الحِميرية مثلًا لغة من لغات قحطان، والناظر فيها يجد أنها لغة تختلف اختلافًا تامًّا عن العربية الفصحى كما نعرفها في القرآن وهذا الشعر الجاهليّ، وأنها لغة تقترب إلى اللغة الحبشيَّة القديمة منها إلى اللغة العربية، وليس التقارب بين بعض الألفاظ الحميرية والألفاظ العربية، وما يتبع ذلك من تشابه في القواعد، إلا كتقارب الألفاظ وتشابه القواعد في عربيتنا الفصحى من ناحية والسريانية والعبرانية من ناحية أخرى.

يتساءل طه حسين بعد ذلك: ما خطب هؤلاء الشعراء الجاهليين ممن يُنسَبُون إلى قحطان يتَّخذون لشعرهم اللغة العربية الفصحى (العدنانية) كما نراها في القرآن؟!

يسوق الأستاذ بحثه بعدُ إلى أبعدَ من ذلك؛ فيرى أن القبائل العدنانية نفسها كانت تختلف في لغاتها ولهجاتها اختلافًا عظيمًا؛ فلكل قبيلة مذهبها في الكلام، وما ينسب إلى الجاهليين جاء بلغة واحدة ولهجة واحدة (اللغة القرآنية)، ولم يجِئ مُمَثِّلًا اللغات العدنانية ولهجاتها.

إن المسلمين قد اتفقوا على أنَّ القرآن قد نزل على سبعة أحرف، ومعنى ذلك -كما يرى الأستاذُ- أنه نزل على سبع لغات مختلفة في ألفاظها ومادتها، وأن العرب بعد ذلك أبقوا حرفًا واحدًا (لغة واحدة) وهو الحرف القرشي على يد عثمان بن عفان[8].

لماذا نُحِلَ الشعرُ الجاهليُّ في العصور الإسلامية بعد ذلك؟

ما بقي من شعر الجاهلية إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير.

-أبو العلاء المعري[9]

يبدأ الأستاذُ بحثه هذا بتمهيد يقول فيه أن النَّحل ليس مقصورًا على العرب وحدهم. يقول: “[إن الأمة العربية ليست] أول أمة نُحل فيها الشعر نحلًا، وحمل على قدمائها كذبًا وزورًا، وإنما نُحِلَ الشعر في الأمة اليونانية والأمة الرومانية من قبل، وحُمِلَ على القدماء من شعرائهما[10]“.

الحياة السياسية للمسلمين ودورها في نَحْلِ الشعر

كان الجهاد الذي قام بين النبي وأصحابه من ناحية، وبين قريشٍ وأوليائها من ناحية أخرى أول الأمر عنيفًا كل العنف، ولكنه كان يقوم على الجدل الخالص الذي لم يلبث أنْ تحول إلى جدل مسلح بعد استحالة المسلمين إلى قوة مادية وسياسية في المدينة على يدِ النبيِّ العدناني.

إن العداوة التي قامت بين مكة والمدينة كانت قد اصطبغت بالدم حقًّا يوم انتصر المسلمون في بدر، وانتصرت قريش في أحد، ولم يكن الشعر بمعزل عن هذه العداوة المسلحة؛ فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون، وكثر الهجاء واشتد بين قريش والأنصار حتى دانت شبه الجزيرة العربية للنبي يوم دخل مكة، وألقي الرماد على هذه النار المتأججة بين قريش والأنصار.

لم تنطفئ تلك النار وإنما عادت تَتَّقِدُ بعد موت النبي؛ فلم يكد يدع الدنيا حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون، ولم يكن هؤلاء المقيمون بمكة والمدينة يستطيعون نسيان تلك الخصومة العنيفة التي كانت بينهم أيام النبي، ولا تلك الدماء المسفوكة بينهم الحدَّ الذي جعل عمر ينهى عن رواية الشعر الذي تهاجى به المسلمون والمشركون أيام النبي.

ولما قُتِلَ عمر انتهت الخلافةُ إلى عثمان وأصبحتِ الخلافةُ في بني أمية خاصة، واشتدتْ عصبية الأمويين، واشتدت العصبيات الأخرى، وعاد العرب إلى شر مما كانوا فيه من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإسلامية.

يرى طه حسين أن تلك العصبيةَ كانتْ سببًا في نحل كثير من الشعر على شعراء كلِّ قبيلة في الجاهلية، وكانت العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية من أهم الأسباب التي حملت العرب على نَحْلِ الشعر للجاهليين، ويجب على الباحث بعد ذلك أن يشك في صحة كل ما يراه من الشعر الجاهلي يؤيد فريقًا من العرب على فريق آخر[11].

قد يعجبك:

عن الأدب والآباء المؤسسين.. طه حسين ونيقولاي غوغول نموذجًا

العاطفة الدينية وأثرها في نحل الشعر

كان للعاطفة والمنافع الدينية أثرهما في نحل كثير من الشعر وإضافته إلى الجاهليين؛ فمثلًا لم يكد القصاص والرواة يقرؤون سورة الجن وما يشبهها من آيات فيها حديث عن الجن إلا وذهبوا في تأويلها كل مذهب، وأنطقوا الجن بضروب من الشعر، بل اتخذت السياسة نفسُها الجنَّ أداة من أدواتها وأنطقتها الشعر؛ فزعموا أن سعد بن عبادة -ذلك الأنصاري الذي أَبَى أن يُذْعِنَ بالخلافة لقريش- قد قتله الجنُّ وقال شعرًا في ذلك!

والقرآن مثلًا يحدثنا أن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل؛ فنُحِلَ بسبب ذلك شعر كثير، كما نحلوا الشعر كذلك تعظيمًا لشأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش، بل اجتهدوا في هذا النحل اجتهادًا عظيمًا؛ لتأويل هذا القصص القرآني وما يتناوله من أخبار عاد وثمود على سبيل المثال، وبعد ظهور الحياة العلمية عند العرب اجتهدوا في إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب؛ فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب.

ينتهي طه حسين من هذا الباب بقوله: “وأكبرُ الظنِّ أن الشعر العربي الذي يسمى جاهليًّا مُقَسَّمٌ بين السياسة والدين، ذهبتْ هذه بشطر منه، وذهب هذا بالشطر الآخر منه[12]“.

الفن القصصي عند المسلمين سببًا لنحل الشعر

كان قُصَّاصُ المسلمين يتحدثون إلى الناس في مساجد الأمصار؛ فيذكرون لهم قديمَ العرب والعجم وما يتَّصِل بالنبوات ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السير والمغازي مصطحبين معهم زادًا من الخيال لا ينضب. وهم يفعلون ذلك تقرُّبًا إلى نفوس الشعوب المسلمة في أهوائها وشهواتها ومُثُلِها العُلْيا.

ما أسرع ما فطن الخلفاء والأمراء والساسة لقيمة تلك الأداة الجديدة من الوجهة السياسية والدينية؛ فاصطنعوها وسيطروا عليها واستغلوها استغلالًا شديدًا، بل كانت الأحزابُ السياسية تصطنع القصاص ينشرون لهم الدعوة في طبقات الشعب على اختلافها.

ومما كانوا يختلقون الشعر من أجله أيضًا: تفسير مَثَلٍ من الأمثال الجارية على الألسن، أو تزيين قصة حدثت بالفعل بألوان من القول وفنونه، وغير ذلك[13].

الشعوبية سببًا لنحل الشعر

كان أصل الشعوبية هذا الحقد الذي أضمره الفرس المغلوبون للعرب الغالبين. ولم يكد ينتصف القرن الأول للهجرة حتى كان فريق من سبي الفرس قد استغرب وأتقن العربية، بل وأخذ ينظم الشعر على نحو ما كان ينظمه شعراء العرب، وكان لهؤلاء الموالي شعراء يتعصبون للأحزاب العربية السياسية ويناضلون عنها، وكان أحدهم لا يكاد يُظْهِر تأييده لهذا الحزب إلا ويذهبون في تشجيعه كل مذهب.

ليس غريبًا إذن في رأي الأستاذ أن يُعْتَقَدَ أنَّ هؤلاء الشعوبية قد نحلوا شعرًا كثيرًا وأضافوه للجاهليين، بل إنهم قد اضطروا خصومهم كذلك إلى الإسراف في النَّحْلِ سواء كانوا عربًا أو غير عرب.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالعاطي طُلْبَة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.