تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف تؤثّر اللغة التّي نتحدّث بها على طريقة تفكيرنا؟

يجد كلًا من علم اللغويات والبيولوجيا العصبية إجابات أفضل لأسئلة قديمة. هل جميع البشر يفكّرون بنفس الطريقة عند التعبير عن أفكارهم -بغض النظر عن اللغة التي يستخدمونها-؟ وهل اللغة التي نتحدث بها تؤثر على طريقة تفكيرنا؟

هذه إحدى الأسئلة التي أثارت فضول طلابي أثناء تدريسي لهم لمادة اللغويات.

والسؤال نفسه طرحه الفلاسفة وعلماء النفس واللغويون وعلماء الأعصاب وغيرهم الكثير لعدة قرون، وكلّ منهم لديه حُجج قوية حول هذا الموضوع، وفي الوقت الحاضر لا نزال نفتقر إلى إجابةٍ قاطعةٍ على هذا السؤال، ولكننا جمعنا أدلة في الأغلب هي مستمدة من التحليلات التصنيفية للغات ودراسات علم اللغة النفسي، حيث يمكنها أن توضح لنا المشكلة بشكل جيد.

كما سأحاول توضيح أن الأدلة تؤيد العمل الأساسي العالمي للتصور والفكر لدى جميع البشر، في حين أن اللغة تشكّل عامل تصفية أو محسّن أو تقوم بإبراز الإدراك والفكر.

تبدأ القصة مع اللغويين الأمريكيين الأوائل، وذلك من خلال وصفهم بطريقة علمية لبعض اللغات التي يتحدث بها الأمريكيون الأصليون.

إعلان

فقد اكتشفوا العديد من الاختلافات الغريبة مقارنةً باللغات التي تعلموها في المدرسة، كاليونانية القديمة واللاتينية والإنجليزية والألمانية وما إلى ذلك، فقد وجدوا أصواتًا لم تُسمع قَطْ باللغات الأوروبية مثل الأصوات الساكنة المقذوفة، أو معانٍ غريبة مشفّرة في القواعد النحوية مثل أجزاء من الفعل تشير إلى أشكال الأشياء، أو إلى فئات نحوية جديدة مثل الإثبات؛ أي أن مصدر المعرفة حول الحقائق في الجملة.

ليس من المستغرب أن يستنتج بعض اللغويين أن أنظمة لغوية غريبة كهذه لابدّ لها أن تُحدث ثأثيرًا على عقل متحدثيها، حيث كتب إدوارد سابير أحد أكثر اللغويين الأميركيين نفوذًا: “إن العالم الذي تعيش فيه مجتمعات مختلفة هو عالم متميز، فهو ليس فقط كنفس المجتمعات بنفس العوالم لكن بمسميات مختلفة” (Sapir, 1949: 162).

اعتقد الناس منذ قرون أن الكلمات هي مجرد تسميات للأشياء، وأن اللغات المختلفة تقوم فقط بربط سلاسل مختلفة من الأصوات بالأشياء أو بشكل أدق بمدلول ومفهوم الشيء، وما تمت الإشارة إليه الآن هو أن الناس الذين يتحدثون بلغات مختلفة ينظرون إلى العالم نظرة مختلفة جذريًا، لا يتسنّى لهؤلاء الناس إلّا أن يدركوا جوانب متنوعة من العالم من خلال لغاتهم التي تحتوي على تعبيراتٍ عديدة.

هل حقًا هناك طريقة مفيدة وتعليمية لاختبار ادّعاءات سابير التي تركز على إدراك الألوان؟ حيث يتوزّع اللون باستمرار وذلك بالاعتماد على طوله الموجي، لكننا ننظر إليه بصورة مطلقة، ومن المثير للاهتمام أن عدد المصطلحات الأساسية للألوان أقل بكثير من عدد درجات الألوان التي يمكننا إدراكها، علاوة على ذلك يختلف هذا العدد من لغة إلى أخرى، على سبيل المثال: يوجد باللغة الروسية 12 مصطلحًا أساسيًا للألوان، في حين تحتوى لغة داني Dani -وهي لغة يتحدث بها أهل غينيا الجديدة- على مصطلحين أساسيين للألوان، تطلق كلمة mili على الألوان الباردة وكلمة mola على الألوان الدافئة.

ولقد وجد الباحثون أن قبيلة الداني قادرة على التمييز بين درجات الألوان المختلفة مثل الأحمر والأصفر والبرتقالي بالرغم من وصفهم لهذه الدرجات على نحوٍ مماثل مطلقين عليها اسم (mola)، ووجدوا أيضًا أن الناس يميزون بشكل أفضل بين اللونين المختلفين في الدرجة، على سبيل المثال: الأزرق والأخضر.

ونظرًا لأن اللغات المختلفة تؤطر سلسلة الألوان بطرق متباينة، فمن المتوقع أن يركز الأشخاص الذين يتحدثون لغاتٍ مختلفة بطريقة مختلفة فيما يتعلق بالألوان، بمعنى آخر كان سابير محقًا إلى حدٍ ما، فالتأثير من التأطير أو التصفية هو التأثير الرئيسي الذي يمكننا توقعه فيما يتعلق باللغة من الإدراك والفكر، لا تحد اللغات من قدرتنا على إدراك العالم أو التفكير به لكنها تركّز إدراكنا واهتماماتنا وفكرنا على جوانب محددة من العالم حيث يمكن أن يكون هذا مفيدًا بالفعل.

يتم تعليم العدّ للأطفال الناطقين باللغة الصينية في وقت أبكر من الأطفال الناطقين باللغة الإنجليزية، لأن الأرقام الصينية أكثر انتظامًا وشفافية من الأرقام الإنجليزية، ففي اللغة الصينية رقم 11 هو عبارة عن الرقم 10 وبجانبه رقم 1.

وعلى نحو مماثل فإن الأشخاص الذين يتحدثون بعض اللغات الأسترالية يقومون بتوجيه أنفسهم في المكان بشكلٍ أفضل من الأشخاص الناطقين باللغة الإنجليزية، وهم كثيرًا ما يعرفون الشمال من الجنوب حتى في الظلام، وهو معقول إلى حد كبير لأن لغاتهم تحتوي على إلهام مكاني مطلق، هذا يعني أنه عند الإشارة إلى شيء بعيد فإنهم لا يقولون “تلك السيارة” أو “تلك الشجرة هناك” بل يقولون “السيارة إلى الشمال” أو “الشجرة إلى الجنوب”، لأنهم بحاجة إلى معرفة الاتجاه من أجل تجميع الكلام بشكل صحيح في لغتهم، فقد اعتادوا أكثر منّا على الاهتمام بالنقاط الأساسية.

لذا فإن اللغات المختلفة تقوم بتركيز انتباه المتحدثين على الجوانب المختلفة للبيئة سواء المادية أو الثقافية، ولكن كيف لنا أن نعرف أي جانب؟ في الأساس ينبغي أن نعلم ما هو مهم بالنسبة للأشخاص الذين يتحدثون أي لغة.

نحن اللغويون نقول إن هذه الجوانب البارزة إما مُعجمية أو نحوية، المعجمية يعني أن لديك كلمات تعبر عن المفاهيم والتي تعمل كاختصارات لتلك المفاهيم، وهذا مفيد لأنك لست بحاجة للشرح أو لإعادة صياغة المعنى الذي تريد نقله، فبدلًا من أن تقول “ذلك الشيء البارد والأبيض الذي يسقط من السماء في أيام الشتاء الباردة” فما عليك إلا أن تقول “الثلج”.

ومن الواضح أنه ليس لدينا كلمات لكل شيء، لدينا فقط كلمات للمفاهيم المهمة أو البارزة في ثقافتنا، وهذا يفسر الاختلاف بين مجموعة من الكلمات وبين المعاجم في اللغات، إن كلمة “معجم” تشبه حقيبة كبيرة مفتوحة: بعض الكلمات يتم ابتكارها أو استعارتها من لغات أخرى للإشارة إلى أشياء جديدة ثم يتم وضعها في الحقيبة، وعلى العكس من ذلك إذا لم نعد نستخدم بعض الأشياء تتم إزالة الكلمات الخاصة بها من هذه الحقيبة.

وبعض جوانب العالم مشفرة بلغات أكثر عمقًا بقدر ما هي جزء من قواعد اللغة، يجب أن تفكر فيها كلما قمت ببناء جملة بهذه اللغة، يقول اللغويون أنهم مكونون من قواعد نحوية.

على سبيل المثال تتمتع لغة ديربال Dyirbal -وهي لغة يتحدث بها سكان شمال أستراليا- بأربعِ فئات مثل الجنسين في اللغة الإنجليزية، ويبدو أن تخصيص هذه الأسماء لكل فئة هو تخصيص تعسفي غير قابل للفصل، فالفئة الأولى تشمل أسماء الحيوانات والذكور من البشر، أما الفئة الثانية فتشمل أسماء النساء والمياه والنار وأسماء الأشياء القتالية، أما الفئة الثالثة فتشمل أسماء النباتات الصالحة للأكل، والفئة الرابعة تشبه الطبقة المتبقية، حيث يتم فيها جمع باقي الأسماء المتبقية التي لم يتم ذكرها في الفئات الثلاث الأولى.

هذا التصنيف النحوي للأسماء يشمل رؤية متماسكة للعالم، بما في ذلك الأساطير الأولية، فعلى سبيل المثال تم العثور على أسماء الطيور في الفئة الثانية على الرغم من تصنيف الحيوانات في الفئة الأولى، لأن الشعب الديربالي اعتقدوا أن الطيور كانت أرواح لنساء متوفيات، حيث تم العثور على أسماء للنساء في الفئة الثانية.

وعلى نحوٍ مماثل سنجد أن الطريقة التي يفكر بها الناس بالوقت مشفرة إلى حد عميق بقواعد لغوية في أغلب اللغات، ففي بعض اللغات مثل الإنجليزية فإن الزمن يتكون من الماضي والحاضر والمستقبل، ولكن بلغة مثل ييماس Yimas -وهي اللغة التي يتحدث بها في سكان غينيا الجديدة- هناك أربعة أنواع من الزمن الماضي، تبدأ من الأحداث الأخيرة إلى الماضي البعيد، وهناك أيضًا لغات مثل الصينية تفتقر إلى القواعد اللغوية اللازمة.

باختصار تعمل اللغة كعامل تصفية للإدراك والذاكرة والانتباه، وكلما قمنا ببناء أو تفسير بيان لغوي نحتاج للتركيز على جوانب محددة من الموقف الذي يصفه البيان، ومن المثير للاهتمام أن بعض مرافق تصوير الدماغ تسمح لنا الآن بفحص هذه التأثيرات من منظور بيولوجي عصبي.

على سبيل المثال أثبت المؤلفون في ورقة بحثية أن اللغة تؤثر على الإدراك القاطع للون، وأن هذا التأثير أقوى في المجال البصري الأيمن منه في المجال البصري الأيسر، حيث يؤدي التمييز بين الألوان المشفرة بكلمات مختلفة أيضًا إلى استجابات أقوى وأسرع في مناطق لغة نصف الكرة الأيسر من تمييز الألوان المشفرة بنفس الكلمة.

استنتج المؤلفون أن منطقة اللغة الصدغية الجدارية الخلفية اليسرى قد تكون بمثابة مصدر تحكم من أعلى إلى أسفل، حيث تنظم تنشيط القشرة البصرية.

هذا مثال جيد على البحث اللغوي الحيوي الحالي، وبمعنى أوسع يساعد على تحقيق فهم أفضل وأكثر توازنًا للأسئلة الكلاسيكية في علم اللغة، مثل العلاقة بين اللغة والفكر.

مصدر الترجمة:

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.