تأخذك إلى أعماق الفكر

100 عام مرت على الإثبات الأول للنظرية النسبية.

تشهد المملكة المتحدة والبرتغال والبرازيل، الأسبوع الحالي، إحتفالات ينظمها العديد من المؤسسات العلمية، وذلك بمناسبة مرور 100 سنة على ذكرى عملية رصد كسوف الشمس في التاسع والعشرين من مايو عام 1919، والذي  كان بحق “كسوف أينشتاين”،  فقد جاءت نتائج الرصد في حينها تأكيدًا لصحة نظرية أينشتاين “النسبية العامة”، وذلك على يد بعثة فلكية تمت بتمويل وإشراف بريطاني، ورغم أن النظرية النسبية تعد اليوم من أسس الفيزياء الحديثة، و يتعامل ملايين البشر يومياً مع العديد من التكنولوجيات الحديثة القائمة عليها، مثل النظام العالمي لتحديد المواقع القائم على الأقمار الصناعية، إلا أن الحال لم يكن كذلك منذ مائة عام، فقد كانت فروض النظرية حينها على المحك، ولم يكن (ألبرت أينشتاين) إسماً متداولاً حينها كما هو اليوم، كان مجرد أستاذ جامعي للفيزياء في برلين، لا يعرفه سوى عدد محدود من العلماء والمثقفين ومطلقته وبنت عمه الكبرى التي سرعان ما ستصبح زوجته الثانية، ولكن الرجل كان  على موعد مع الشهرة في ذلك اليوم الحار من شهر مايو عام 1919.

موعد مع الكسوف

الغريب في الأمر أن أينشتاين نفسه لم يكن لديه خطط خاصة بخصوص ذلك اليوم الفاصل في تاريخه وتاريخ النظرية النسبية العامة. يوم  التاسع والعشرين من مايو 1919 ، كان الرجل قابعاً في  منزله في برلين  يخط بيده رسالة إلي تيودور كالوزا عالم الرياضيات الألماني، بشأن نقاش دار بينهما منذ فترة، خلال الرسالة أكّد أينشتاين أنه كان على خطأ فيما يتعلق بوجهة نظره التي عرضها في نقاش سابق بينهما، حين طرح أينشتاين مفهوماً جديداً للزمكان يتطلب وجود خمسة أبعاد.

بينما على الجانب الآخر من العالم كانت جزيرة برينسيبي،  الواقعة قبالة الساحل الغربي لأفريقيا وبلدة سوبرال البرازيلية، تشهدان إختباراً حاسماً لنظرية النسبية العامة، التي عكف اينشتاين  على تطويرها في الفترة بين  عامي 1907 و1915،  اثنين من البعثات العلمية حطا رحالهما في  تلك المناطق النائية من العالم لمراقبة  كسوف الشمس الكلي. تلك اللحظة الحاسمة التي يمكن فيها قياس انحراف ضوء النجوم القادم إلينا بسبب مجال جاذبية الشمس، وإثبات أهم فروض أينشتاين الغريبة.

شكل توضيحي لظاهرة كسوف الشمس

عندما اصطف القمر والشمس على خط واحد ، وفي اللحظة التي انتظرها العلماء ليرصدوا كسوفاً للشمس، وجهوا تلسكوباتهم نحو السماء وقد أظلمت تماما في منتصف النهار بعد أن حجب القمر الشمس تماماً، سبع دقائق حاسمة، قضاها العلماء في تصوير النجوم التي ظهرت كما يقولون في “عز الظهر”، وعند فحصها أظهرت صور الحدث الفلكي شيئاً غريباً، في اللحظة التي اختفت فيه الشمس وساد الظلام الكلي، ظهرت النجوم بجوارها في غير أماكنها المعروفة. يبدو أن لحظة صعود أينشتاين إلى مصاف نجوم العلم قد حانت، فالرجل سبق له أن توقع هذا باستخدام نظريته من النسبية العامة، بل وراهن بجنون على أن النجوم ستغير مواقعها  في السماء خلال الكسوف. يقول مارك هورن أمين مكتبة معهد جامعه كامبردج لعلم الفلك “بدا واضحاً من نتائج الرصد أن النجوم انتقلت من مواضعها بالقدر الذي توقعته النسبية العامة تماما” ، ويضيف  مارك. ” كان ذلك بمثابة أول دليل تجريبي يخبرنا أن النسبية العامة على الطريق الصحيح”.

العلم في زمن الحرب

تأخر إعلان نتيجة الرصد حتى شهر سبتمبر، لكنها جاءت في صالح الرجل الواثق. سابقاً كان العالم على موعد مع تنبؤ علمي تحقق بشكل باهر حين تنبأ ادموند هالي بظهور المذنب الذي حمل اسمه في تاريخ محدد بناء علي حسابات نظرية الجاذبية لإسحاق نيوتن،  كان نيوتن وهالي مواطنين إنجليزيين، وجاءت النتيجة انتصاراً للعلم البريطاني.

إعلان

أما نظرية النسبية العامة فقد جاءت من ألمانيا لتصحيح أخطاء نظرية الجذب العام لنيوتن،  وللمفارقة فقد جاء علماء الفلك الذين أثبتوا صحة وجهة نظر الألماني أينشتاين، من  مسقط رأس نيوتن نفسه. تجاوز العلم مرارة العداوة بين  ألمانيا  وإنجلترا خلال الحرب العالمية الأولى، التي وضعت أوزارها قبيل الكسوف مباشرة، عام 1918.

يقول البروفيسور مايك كروز ، رئيس الجمعية الفلكية الملكية ، “قبل قرن من الزمن أكد علماء الفلك النظرية العامة للنسبية، في إنجاز غير فهمنا للكون إلى الأبد. ويعد عمل أينشتاين و ادينجتون  مثالاً رائعاً على التعاون الدولي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ودليلاً واضحاً على الكيفية التي يمكن بها للعلم أن يتغلب على الحواجز في هذه الأوقات المضطربة”. بينما يضيف دانيال كينفيك ، مؤرخ الفيزياء في جامعة أركنساس  ” أشعلت الطبيعة الرومانسية لهذا العمل السلمي ما بعد الحرب خيال الجمهور، وافتتن الجميع بذلك الفيزيائي صاحب التوقعات المدهشة، البرت أينشتاين”

التحديق في الشمس

كانت فكرة نيوتن عن الجاذبية هي أنها “تلك القوة التي تجذب الأجسام  لبعضها البعض” ، أما النسبية العامة فقد تخلت عن مفهوم القوة تماما، وأعادت تصور الجاذبية باعتبارها مجالاً وليست قوة، وأنها تسبب انحناء الزمكان، أو بعبارة أخرى ” الجاذبية هي مجرد تشوه في نسيج الكون بفعل الأجسام عظيمة الكتلة”  وفقاً لرياضيات النظرية النسبية، ومن ضمن فروض النظرية، أن الضوء من خلال سيره في هذا الفضاء المنحني حول الأجسام عظيمة الكتلة مثل الشمس، سوف يغير مساره وينحني، وكلما زادت كتلة الجسم زادت جاذبيته وبالتالي قدرته على جعل الضوء يسير في مسار منحن.

النسبية العامة
شكل توضيحي تظهر انحناء الضوء القادم من أحد النجوم ، لدي مروره بجوار الشمس

خلال العقد الذي أمضاه أينشتاين لتطوير نظريته، أدرك أن الشمس كانت ضخمة بما يكفي لجعل هذا التأثير ملحوظاً. وكلما تحركت الشمس في الفضاء ستعمل على انحناء الضوء القادم من النجوم الواقعة في خلفيتها، وبالتالي ستظهر النجوم كما لو كانت قد تحركت من مواضعها. وبطبيعة الحال، لم يكن اختبار هذا التنبؤ سهلاً لأن النجوم ليست مرئية خلال النهار. وفي الليل، عندما تظهر النجوم، لن تكون الشمس موجودة لثني الضوء. فقط عندما تكون الشمس موجودة في كبد السماء ولكن الضوء لا يصل إلينا، ساعتها يمكن التحقق من عمل أينشتاين. ولكن متى يمكن أن تكون الشمس موجودة في مكانها في منتصف النهار ولا يصل ضوئها إلينا؟ لن يحدث ذلك إلا في لحظة فريدة، لحظة الكسوف الكلي للشمس. ولهذا السبب، في عام 1911 وأثناء تطويره لنظرية النسبية العامة، طلب  أينشتاين من علماء الفلك البدء في النظر إلى  السماء  أثناء الكسوف، حينها سوف يعثرون على الدليل القاطع على صحة نظريته التي سوف تغير تاريخ الفيزياء والعلم بأسره.

إخفاق أم حسن حظ

كان الفلكي الألماني الشاب اروين فينلاي-فريندليش، هو أول من لبّى نداء أينشتاين ، كان فينلاي-فريندليش شخصية مأساوية كرس الوقت الأكبر من حياته لإثبات صدق توقعات أينشتاين لكنه لم ينجح أبداً. بدأ من خلال تحليل صور تم التقاطها أثناء كسوف الشمس في سنوات سابقة، ولكن النجوم لم تكن واضحة بما يكفي لاختبار فكرة أينشتاين. لذلك جمع فريندليش المال-بل اقترض مبلغا من أينشتاين نفسه- وأعد نفسه لرحلة إلى أوكرانيا، حيث كان من المتوقع حدوث كسوف للشمس في 1914. وما أن وصل فريقه، مسلحاً بالتلسكوبات والكاميرات وألواح التصوير الزجاجية، إلى هناك حتى اندلعت الحرب. وقع فريندليش في الأسر، وصادر  الجنود الروس أدواته.

ايرفين فينلاي فريندلش

فريندليش لم يكن الوحيد الذي راقب الكسوف في عام 1914. بل حاول علماء الفلك من مرصد “ليك” في كاليفورنيا أيضا تصوير الكسوف من القرب من كييف، ولكن كان أداؤهم أفضل قليلا. وعلى الرغم من عدم تعرضهم للأسر لكونهم من الأميركيين، إلا أن فشلوا في رصد الكسوف بسبب الغيوم التي ملأت السماء في ذلك اليوم. قد تكون هذه الإخفاقات في الواقع ضربة حظ لأينشتاين، فأثناء مراجعته لحساباته، وجد أخطاء في  توقعاته حول مقدار الحركة التي ستبدو عليها النجوم أثناء الكسوف، أينشتاين كان دائماً فيزيائياً أفضل منه كعالم رياضيات (على الرغم من أن القصة المتداولة عن  فشله في  الرياضيات في المدرسة الثانوية ليست صحيحة) وبحلول الوقت الذي صحح فيه أينشتاين أخطائه ونشر النظرية المكتملة للنسبية العامة، كانت الحرب العالمية الأولى في أوجها. وبعد الحرب، كانت ألمانيا في حالة من الفوضى، ولم يعد بالإمكان تمويل بعثات إلى تلك  الأجزاء النائية من العالم حيث يمكن رصد الكسوف في 1919.

رحلة ادينجتون الاستكشافية

لحسن حظ اينشتاين، وقعت نسخة من النظرية النسبية في يد السير آرثر إدينجتون، مدير مرصد كامبريدج، معجزة الرياضيات، الذي كان على استعداد للوقوع في الأسر إرضاءً لضميره العلمي، كان ادينجتون  مثله مثل  أينشتاين، داعية للسلام. وإيماناً منه بصدق توقعات أينشتاين وصحة نظريته، تعاون ادينجتون مع الفلكي الملكي السير فرانك واتسون دايسون لإقناع أمته بتجهيز بعثة فلكية من أجل وضع النظرية النسبية  قيد الاختبار.

سير آرثر ادينجتون

كان ادينجتون واحداً من عدد قليل من العلماء الناطقين باللغة الإنجليزية ممن توفر  لديهم فهم شامل للنسبية العامة، يضيف مارك هورن مجدداً “كان ينظر له على أنه ألمانيٌّ جداً، ولا يمكن فهمه ـ بل قل لقد بدا أحمقاً تماماً- لكثير من الناس”. وحيث أنهما أدركا جيداً مدى صعوبة تصوير الكسوف، قرر ادينجتون  ودايسون التخطيط لبعثتين فلكيتين بدلاً من واحدة. وقع عاتق تمويل هذه الحملات على الجمعية الفلكية الملكية (RAS) والأكاديمية الايرلندية الملكية؟ وتم تنظيمها من قبل المرصد الملكي في غرينتش. تم اختيار موقعين لزيادة فرص النجاح، وحتى يضمن الجميع ظروفاً جيدة لمشاهدة الكسوف توجه ادينغتون إلى برينسيبي، وهي جزيرة قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، بينما توجه فريق ثانٍ إلى سورال في البرازيل.

كانت خطة العمل تقوم على مقارنة صور النجوم التي سوف تلتقط خلال الكسوف مع صور لنفس النجوم التي اتخذت قبل أشهر  تظهر فيها تلك النجوم في أماكنها العادية أثناء الليل. وفقاً للرياضيات التي قام آينشتاين بتدقيقها خلال السنوات السابقة، فإن النجوم التي سيتم رصدها حول الشمس أثناء الكسوف ستظهر في مواقع تبعد عن مواقعهم المعتادة بمقدار  1.75 ثانية قوسية، أي ما يقرب سمك عملة معدنية كما نراه من على بعد أكثر من كيلومترين.

كسوف الشمس
الصورة النيجاتيف التي أثبتت صحة النظرية النسبية ، تم التقاطها بواسطة ادينجتون عام 1919

أينشتاين يتحدى نيوتن

سابقاً خضعت نظرية نيوتن للجاذبية لاختبار مماثل، من قبل عالم فلك ألماني في 1801. حيث أن رياضيات نيوتن كانت قد اقترحت أن تغير مواقع النجوم سيكون بنصف القدر الذي توقعته النظرية النسبية، استناداً إلى الفكرة القائلة بأن قوة جاذبية الشمس سوف تحرف جسيمات الضوء القادمة من النجوم البعيدة.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.