تأخذك إلى أعماق الفكر

عرض كتاب مبدأ الريبة “الجزء الثالث”

توقّفنا في الحلقة السابقة من عرضنا لكتاب مبدأ الريبة عند الفصل السادس بعنوان: عَوَزُ المعرفة لا يضمنُ النّجاح؛ حيث تطرّقنا إلى ملابسات دخول أصحاب نظرية “الكوانتم”؛ هايزنبيرج و باولي إلى معقل الفيزياء في ميونخ، ليُصبحا من تلاميذ منظار “الكوانتم” الكبير أرنولد سمرفيلد، وتعرّفنا على الفكرة الغريبة التي جاء بها هايزنبرج لتفسير تأثيرات زيمان الشاذة لِطَيف ذرة الهيدروجين، حيث اقترح أن يكون عدد “الكوانتم” الجديد الذي ابتكره أستاذه سمرفيلد، ذو قيم نصفيّة؛ وهو ما شكّل صدمة لسمرفيلد، الذي لم تَرُقْ له فكرة تقاسم عدد “الكوانتم” بين النواة والإلكترونات، حينها شعر هايزنبرج بحاجته إلى أن يدرس بعمق ذرة بور، وعلى يد بور نفسِه، وهذا ما هيّأتهُ الأقدار بالفعل.

الفصل السابع: أنّى للمرء أن يكون سعيدًا.

في العام 1922، جاء بور إلى جونتجن لإلقاء محاضرات في نظرية “الكوانتم”، على رأس الحضور كان هناك سمرفيلد، وبصحبته تلميذه النجيب هايزنبرج، ومن هامبورج حَضَر فولفجانج باولي، بعد أن عُيِّنَ هناك عَقِبَ حصوله على الدكتوراه، وفي أجواء يونيو الرائعة، ألقى بور بأسلوبه الاستطراديّ الغامض، سلسلةً من المحاضرات؛ عرض فيها رؤيته لنظرية “الكوانتم” القادمة من كوبنهاجن، أحس هايزنبرج فورًا بالاختلاف بين ما تعلّمه على يد سمرفيلد؛ والذي تميّز أسلوبه التقني بالحسابات الأولية والنماذج البسيطة، أما اليوم فكُلّ جملة تخرج من فم بور، تحمل أفكارًا مؤسِّسة وتأملات فلسفية.

بور و هايزنبرج، لقاءٌ على التلّ

كان بور يعرف هايزنبرج بالاسم، حيث وصل صدى فكرته عن نصف “الكوانتم” إلى مسامعه، في معقل “الكوانتم” في كوبنهاجن، وبعد المحاضرة، دعا بور هايزنبرج إلى محادثة مطوّلة فوق تلة تُطِلُّ على جوتنتجن، محاولًا فهم اعتراضاته أثناء المحاضرة، والتي لم يخجل هايزنبرج من إعلانها وسط نظرات الاستهجان من كبار العلماء الذين حضروا للاستماع للضيف الكبير، كان لدى هايزنبرج رغبة عارمة في التعرف عن قرب على رؤية رائد “الكوانتم” الكبير للذَّرة وكيفية التعامل معها.

ومن هنا كانت صدمته عندما أخبره بور بأنه حين نتحدث عن الذرة الكمومية، تبقي لغتنا قاصرة وتتحول إلى ما يشبه الشِّعر الذي يكتفي برسم الصور الذهنية دون التّطرُّق للحقائق، ورغم ذلك تظل الحاجة ماسَّة إلى لغة الفيزياء الكلاسيكية؛ التي تصف بنجاح عالم الحياة اليومية، فكيف السبيل إلى التوفيق بين ذرة “الكوانتم” المُؤَسَّسة على مبادئ الانقطاع والانفصال، وما بين عالم الحِسّ المُشتَرَك القائم على السيرورة المتصّلة للحوادث، أليس الحل في مبدأ التَّتَام الذي جاء به بور، لكنه ظَلَّ مبدأً مبهمًا دون تصوُّرٍ رياضيٍّ مُحكَم كالكثير من أفكار بور الثَّورية، والتي ربما سوف تدفعه إلى الإيمان بمبدأ الريبة عندما يطرحه هايزنبرج لاحقًا، وفي نهاية الّلقاء دعا بور هايزنبرج إلى قضاء بعض الوقت في كوبنهاجن.

وداعًا ذَرَّة بور!

لكنَّ ذلك لم يحدث على الفور؛ فقد توجَّه هايزنبرج إلى ليبزج، أملًا في لقاء آينشتاين أثناء أحد المؤتمرات العلمية الكبرى، لكنَّ جَوَّ الإرهاب والعداء لليهود، الذي ساد ألمانيا في ذلك الحين؛ كان سببًا في أن يمتنع العالِم الكبير عن الحضور إلى ليبزج، ليعود هايزنبرج إلى ميونخ، ومنها إلى جوتنتجن، ليواصل دراسته لنظرية “الكوانتم” على يد ماكس بورن الذي حل محل سمرفيلد في ريادة معاقل نظرية “الكوانتم” في ألمانيا بعدما توجه الأخير إلى أمريكا في زيارة طويلة.

إعلان

في جونتجن وجد هايزنبرج نفسه مع ماكس بورن في طريقٍ ثالث، أثَّرَ فيه كثيرًا، فما بين طريقة سمرفيلد في التقدم في دراسة الذرَّة، عَبْرَ حلِّ المشاكل، وفلسفة بور ومفاهيمه الغامضة، بدا بورن مُصِرًا على الأحكام الرياضية؛ يجب على المرء أن يعثر على الصيغة الرياضية، قبل أن يبدأ في التفلسف حولها.

مهمومٌ في كوبنهاجن!

وتحت إشراف بورن، حاول هايزنبرج تطبيق آراءه، بما فيها نصف “الكوانتم” على ذرَّة الهيليوم، إلّا أنّ كُلَّا من بورن و هايزنبرج أصبحَا واثِقَيْن من أن ذرَّة بور سمرفيلد قد تهاوت، وما عادت قادرة على تفسير ما هو أكثر من طيف الهيدروجين، وبينما قام آلفرد لاندي في ميونخ بعَرضِ تفصيلٍ جديد، أضاف إليه قواعد جديدة لإنتاج مخطط يحاكي تأثيرات زيمان الشاذة، جاء الاعتراض عليه هذه المرة من فولفجانج باولي، الذي كان وقتها في كوبنهاجن يدرس قواعد “الكوانتم”، على يد بور نفسه، وبينما كان يهيم على وجهه في شوارع العاصمة الدانماركية، قابله أحد الأصدقاء وسأله عن سر الكآبة البادية على وجهه، فسارع بالجواب: “وأنّى للمرء أن يكون سعيدًا حين يفكر في تأثيرات زيمان!”
بدا واضحًا أنّ الجيل الجديد من الفيزيائيين، قد أدركوا أنّ ذرَّة بور سمرفيلد قد بلغت من العُمر عِتِيًّا، وأن دورها كنموذج تفسيري قد توقّف عند حدود ذرة الهيدروجين، وأنه وَجَبَ البحث عن نموذج ذرِّي جديد يحمل فَهمًا جديدًا لسلوك الإلكترونات، وربما يكون الحل في مبدأ الريبة.

بور في أمريكا

في سبتمبر من عام 1923، قام بور بأول زياره له إلى أمريكا، عارضًا ذرَّتهُ على أن تَحمِلَ نسخةً مصغرةً من المجموعة الشمسية، معترفًا بعجزِه عن وصفها بلغةٍ مألوفة، وأثناء تلك الزيارة، تواترت الأنباء عن تجربة قام بها آرثر كومبتون من جامعة واشنطن في سانت لويس، تثبت للمرة الأولى أن الضوء هو عبارة عن كمّات، وأنه حين يتفاعل مع الإلكترونات، فإنه يسلك سلوكًا كموميًا بامتياز، محققًا في نفس الوقت قانون حفظ الطاقة، وبرغم أن آينشتاين قد فاز بجائزة نوبل في العام 1921، عن تفسيره للأثر الكهروضوئي إلا أنه لم يضع في اعتباره أن كمومية الضّوء هي حقيقة واضحة، بل ظنّه حلًا رياضيًا لمشكلة فيزيائية، وظلَّ يرفض دومًا فكرة الانفصال والانقطاع الّلتان جاءت بهما نظرية “الكوانتم”؛ رغم أنه أحد مؤسسيها، وظَلَّ طوال عمره مدافعًا عن الكلاسيكية والحِسّ المشترك، رافضًا أن تكون نظرية الكم هي الكلمة النهائية في دنيا الفيزياء.

لكن الرفض الأكبر لنتائج تجربة كومبتون جاء من جانب بور، فقد رفض فكرة كمّات الضوء من قبل، حين عرضها عليه مساعِدَهُ كرامر، وبمجرد عودته إلى كوبنهاجن، وبالتعاون مع كرامر وباحث أمريكي يدعى جون سلاتر، قدم الثلاثي واحدة من أسوأ الأبحاث في فيزياء “الكوانتم”، حيث حاول بور ومعاونيه تفسير تفاعل الضوء مع الإلكترونات، على أساس وجود مجال إشعاعي حول الذرة يقوم بتوجيه الضوء أثناء تفاعله مع الإلكترونات، كان بحث ب.ك.س تعبيرًا عن شخصية بور العنيدة، ولا يقدم صيغ رياضية محددة، وهو الغالب على معظم أفكار بور الغريبة، فلم يقتنع به أحد من العلماء، بعدما اتضح لهم بالمزيد من التجارب أن الضوء يتكون من جسيمات كمومية، أُطلِقَ عليها إسم: الفوتونات، وأن تلك الفوتونات تتفاعل مع الإلكترونات كما تنبّأ آينشتاين من قبل، وأنها تحقّق في تفاعلها ذلك قانون حفظ الطاقة.

الفصلُ السابع: أُفَضِّلُ أن أكونَ إسكافِيَّا!

بعد أعوام من نشر بحث ب.ك.س، قال عنه ماكس بورن أنه شيءٌ لم أفهمه إطلاقًا طوال حياتي! وحينما توجَّه باولي بإيعازٍ من بور إلى أينشتاين طالبًا رأيه، قال أينشتاين أنَّ شيئًا غير مستساغ فيما كتب أينشتاين نفسه إلى ماكس بورن، قائلًا:

أُفَضِّلُ أن أكون إسكافِيَّا، بل عاملًا في نادٍ للقمار، على أن أكون فيزيائيًا!!

لِمَ لا وقد وضع بور الفيزيائيين في أجواء تشبه ما كان يعيشه الفيزيائيون القدامى، حين افترضوا وجود ما يسمى بالأثير؛ لتفسير تجربة ميكلسون ومورلي الشهيرة، إلى أن أثبتت لأول مرة ثبات سرعة الضوء، جاءت نظرية النسبية لتُطيح بفرضِ الأثير، وتعلن أن فيزياء نيوتن ما عادت قادرة على تفسير العالم، إذن من أين تأتي الضربة النهائية لذرة بور سمرفيلد؟! وأين هي النظرية الكمومية الجديدة القادرة على تفسير كل السلوكيات الذرية؟! ومن هم رجال المرحلة القادمة؟!

موعدنا الحلقة القادمة وفصلٌ جديد في رائعة ديفيد لندلي، مبدأ الريبة، آينشتاين، هايزنبرج، بور، والصراع من أجل روح العلم.

 

التدقيق اللغوي: أفنان سعادة.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.