مطالعة في كتاب عبادة المشاعر لـ “ميشيل لكروا”

  تكمن أهمية كتاب عبادة المشاعر بالرغم من قلة صفحاته في محاولته الثرية لتفكيك المحتوى الداخلي لإنسان عصرنا الحالي  والذي يراه الكتاب إنسان قد اتخذ من المشاعر أداة لاكتشاف العالم فتحول “كوجيتو” ديكارت من أنا أفكر إذن أنا موجود إلى “أنا أشعر إذن أنا موجود” وكان هذا التغليب للعواطف على حساب العقلاني التي تميز بها إنسان العصور الماضية فغدا “إنسانًا” باعثًا للعصر الرومنسي ولكن بطريقة شوهت معارفه وتكوينه الباطني فحولت العالم موضوعًا للمتعة بعد أن كان طريقًا للإدراك والمعرفة. وهنا يتسأل القارىء، وهل المشاعر غدت بهذا الكم من السلبية وهذا ما حاول الكاتب مقاربته بطريقة سلسة لا تحتاج إلى مؤونة وجهد لكي يسلم القارئ ببداهة نتائجها.

نحن بحاجة للإحساس لا إلى مزيد من جرعات أدرينالين.

إن المشاعر التي يصفها (ميشيل لكروا) على أنها “داء القرن الجديد” هي مشاعر الصدمة والاهتياج التي حولت الإنسان إلى باحث عن الإحساس متذبذب تهتز روحه لكل ما في الكون بطريقة مفرطة أبعدته عن التأمل والسكون وقربته لهاجس التجديد والبحث عن كل ما هو خارج عن المألوف وشاذ مع صرف النظر عن مدى أهيمته وقيمته.

 فما هي مشاعر الصدمة؟

إن  المشاعر التي تشكل خطرًا على حياة الإنسان الباطنية والسلوكية هي المشاعر التي تتميز بالانفعالية حيث يتميز إنسان هذا العصر بميله لكل الأحاسيس التي تطبعها حالة الهياج والصياح على المشاعر التي تثري روحه وتدخله خانة التنهد والتأمل. وهذا ما يخدم النزعة الاستهلاكية لهذا العصر الذي تحولت المشاعر فيه إلى “أداة إشهارية” تستخدمها الإعلانات والحملات الدعائية وتعمل على تضخيمها من خلال ما تبثه من صور وفيديوهات فضلًا عن موسيقى وادب وغيرها من الآليات التي خلقت مجتمعًا “متضخم المشاعر” حتى أضحت السياسية” شخصنة السلطة “الفن، والأدب والاقتصاد” كلها رهينة لعدوى المشاعر والانفعالات العاطفية والتي حلت محل المعايير العقلية الدقيقة.

ومن مفارقات هذا العصر اتسامه بتدفق المشاعر مع انعدام الإحساس فـأصبح الإنسان يبحث بشراهة عن كل ما يجعله مهتاجًا دائمًا فيطلب المزيد من محفزات أدرينالين شأنه شأن أي مدمن، وهذا ما افقده الطمأنيية والتأمل ونسيان كل ما هو طبيعي مع افقار الحياة الباطنية وتعطيل الخيال فلم تترك لنا التكنولوجيا مساحة لنتأمل ولنحرك أخيلتنا التي تعزز التجربة الروحية والعاطفية فكل ما نريده نحصل عليه بكبسة زر فقط. وهنا يكمن الفرق بين مشاعر الصدمة والإحساس؛ فالإحساس هو الاستمتاع البطيء بنكهة الحياة مع إضافات جديدة للروح والتي تحدث في كل تجربة وموقف، بينما مشاعر الصدمة قائمة على الاهتزاز الشبقيّ المؤقت الذي ينتهي بانتهاء التجربة لتطلب الروح جرعة مضاعفة من التذبدب فتولد فراغًا وأزمةً في عمق الإحساس الإنساني. فحتى الفن  قد تراجع من دوره كطريقة  للتسامي،  إلى محفز من محفزات مشاعر الصدمة حيث غدت الكلمات المفتاحية لأي عمل مميز (هزني، صدمني، أثارني..) فأصحبت مهمة العمل خلق الانفعال لا الإعجاب، ومما أثار البحث عن مشاعر الصدمة وتعززيها للقضاء على الحب الرومنسي لمصلحة التجارب الجنسية المتعددة، وبالتالي تسويق الجسد وإفقار حياة الفرد العاطفية.

ولنتسائل لم يفضل إنسان هذا العصر المشاعر على العواطف؟

1ـ جوهر العاطفة ليس ببعيد عن العذاب والتراجيديا ولكن طبع الإنسان الحالي” الأموسنتياس” المبالغ بالشهوانية لا يؤهله أبدًا للتضحية بمتع الحياة المتعددة في سبيل عاطفة حصرية.

إعلان

2ـ ارتباط العاطفة بشيء من غياب الحرية، فالعاطفة هي شيء نخضع له ونحترق به على عكس المشاعر التي نحدثها بإرادتنا فنحن نخلق الظروف بكامل حريتنا من خلال مشاهدة عرض ممتع أو سفر معين أو شراء سلعة محددة نخلق بها مشاعر عنيفة وقوية فالفرق بين العاطفة والشعور أن الأولى ترهن الإنسان وتجعله حبيسًا لحالة شعورية معينة وهذا ما ينفر إنسان العصر الحالي المصاب بالشره في كل شي والذي يستهوي الحياة الشعورية التي تعرض عليه حالة من الاهتزازت والسكرات اللحظية على ما ذُكر.

وعليه فالمشاعر هي الملجأ الذي يهرب إليه “إنساننا” من الارتباط الحصري والتعاقد المطلق ويفضل به المواقف العابرة والروابط الهشة.” فالهدف ليس تحرر الإنسان من المشاعر وإنما تحريرها”.

ما أسباب عودة الإنسان الحالي إلى هذا النوع من المشاعر؟

ـ توظيف المشاعر لسد أزمة الفراغ التي يعيشها الإنسان، ففي إطار انهيار الإيديولوجيات وضبابية الرؤى المستقبلية فإن اللجوء إلى المشاعر يشغل الفراغ الذي نعيشه والمتنفس لطاقاتنا التي يتعذرلها الانتشار في الخارج السياسي فتتركز في المحيط الداخلي.

ـ المشاعر بوصفها بديلًا للفعل، ففي ظل التطور السريع الذي يمر به العالم والتغيير العميق على المستوى التكنولوجي وآثاره والعولمة نحو مستقبل لا يستطيع احد التحكم فيه اتجه الإنسان إلى الانفعال الداخلي المبالغ لتعويض  عجزه عن الفعل أمام ما يحصل.

ـ الفردانية  لم تستخدم المشاعر للهروب من الاكتئاب والعجز فقط، وإنما لتعزيز ذاتية الإنسان فالرجوع إلى المشاعر وجعلها غاية عززته النزعة الفردية المعاصر والتي أدت لنوع من عبادة النفس وبالتالي عبادة المشاعر التي ألهت الجسد..  فعبادة الجسد والمشاعر وجهان  لحالة واحدة يختبرها إنسان عصرنا.

ماهو الاستعمال الصحيح للمشاعر؟  

يتم تحقيق الاستعمال الصحيح من خلال تعويض مشاعر الصدمة بمشاعر التأمل وذلك من خلال تبني موقف منفتح تجاه العالم يتصف بالجاهزية ويقصد بالجاهزية حضور النفس الفعال والقدرة على التناغم مع الأفكار والانفعالات، وهي الشرط الأساس للفاعلية ويتم بـ:

1ـ إعطاء الوقت للذات وإبطاء وتيرة الحياة، فالإنسان المتمهّل يمكنه أن يستخلص العصارة الشعورية في نفس المكان والزمان، وأن يتذوق نكهة الحياة ويستفيد من المشاعر الناعمة للحاضر.

2 ـ التخلي عن المقاصد النفعية في عملية التفاعل مع العالم ليتحقق الإنصات الحقيقي.

3 ـ الاهتمام بما هو عادي وبسيط، فالجاهزية تحقق من خلال إعادة الاعتبار للأشياء الصغيرة في حياة المرء.

4 ـ التنازل عن الرغبة في التسلط والتملك فلا يمكننا أن نسلم أنفسنا للعالم إذا حصرناه في حدود الفعل كمجالٍ خاضع لسلطتنا، ولا يمكننا الانبهار بالأشياء إن كنا مشغولين في امتلاكها. وللتكنولوجيا دور كبير في إخفات هذا الانبهار بالعالم.

ومن النقاط المهمة التي أشار إليها المؤلف معتبرًا إنها تمثل عائقًا في سبيل تحقيق الجاهزية، هي وهم الاستقلالية ووهم الغنى الباطني والاكتفاء بالذات، فشعور الإنسان بالاكتفاء ليس إيجابيًا دائمًا كما تصوره مدونات “التنمية البشرية”  بل لا بد للإنسان من الانفتاح على الاخر والعالم الخارجي لانضاج وتطوير تجربته الباطنية.

وفي مقابل حالة التناقض المأزوم الذي نعايشه من خلال انفعالتنا الكثيرة وإحساسنا المعدوم، وبأننا “هائجون أكثر فأكثر وحساسون أقل لا بد من الاهتمام بجودة الإحساس الذي نختبره والذي يعد من أهم التحديات التي نواجهها، وذلك بالتخلص من الخلط الحاصل بين الإنسان العاطفي والإنسان الهائج وإيقاظ الشاعرية الحقيقية في داخل كل منا وإن فسخ ربط الحياة العاطفية بكل ما هو اصطناعي ولنصلح قدرتنا على التأثر لكل ماهو طبيعي وعميق. فإن من علل الحداثة وروح التمدن التي نعيشها هو أن جميع المقدرات والجهود منصبة على التنوير، وتطوير القدرات المنطقية والرياضية، مع إهمال كليّ لتحصين النفس والأجيال القادمة من خطر الغزو السريع للتلوث البصري والموسيقي الاخلاقي الذي يجتاح أرواح أطفالنا، ففي حين نضاعف احطياطاتنا فيما يخص البيئة والأمن الغذائي، نغفل  عن اهمية الأمن الروحي وما يضخه الإعلام الاستهلاكي في أذهان أطفالنا ليل نهار.

ومحصلة ما تقدم، فإن المشاعر تشكل ثروة وخطرًا في آن واحد فثروتها تكمن في تخفيف الإفراط بالعقلانية على حساب الروح وخطرًا إذا اقتصر استعمالها كطريق للاهتزاز والتذبذب. 

نرشح لك: لعنة فتور المشاعر.. عندما تشعر باللاشعور

إعلان

اترك تعليقا