تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة في رواية المغاربة للكاتب عبد الكريم الجويطي

إن رواية المغاربة للكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي هي أحد الروايات المغربية القليلة التي عدت إلى قراءتها أكثر من مرة، وذلك بسبب أنها جرتني إليها جرًا، أثارت فيّ شيئًا ما، لامست وترًا حساسًا، أمتعتني كثيرًا واستفزتني أكثر، والأهم من كل ذلك أنني أحسست بأنها لا تريد أن تُسلمني أسرارها دفعة واحدة، تمدني فقط بالفتات، لكي أبقى متعلقًا بها تعلق المغاربة بشرب الشاي.

وهذا في نظري هو قمة النجاح الذي يُمكن أن يحصل عليه كتاب معين، أي ألا يجعلك تنفصل عنه، أي أن يكون قابلًا للقراءة أكثر من مرة دون أن يفقد سحره، لهذا لا غرابة أن أجد نفسي عائدًا للمرة الثالثة في ظرف سنتين وما زلت:

– أقف باندهاش أمام معركة الجد مع الأفعى، معركة بين جبارين: الجد بقامته المهيبة ومدراته وتاريخه الشخصي كصياد بلغ صيته وسطوته قبائل نائية، وأفعى تتلوى بلا مبالاة خادعة متحينة ومض ضربتها الماحقة، معركة انتصر فيها الجد بسبب تجربته التي كسبها من الحياة، لم يقتلها بل أمسكها وذهب بها بعيدًا إلى مكانٍ خالٍ من الناس وأطلق سراحها كي لا تؤذي أحدًا، وهي معركة ذكرتني بمعركة الشيخ “سنتياغو” مع السمكة الضخمة في أعالي البحار، في رائعة الكاتب الأمريكي هيمنغواي ” الشيخ والبحر”، وهي معركة يشير إليها الكاتب ضمنيًا في الفصل الموسوم بـ “شذرات النهايات” على خطى بيسوا عندما يقول “أفضل أن أترك السمكة في البحر على أن أعود بها، وللمباهاة وحدها، هيكلًا عظميًا إلى الميناء”، كأن الكاتب عبد الكريم الجويطي، بدون أن يُعلن عن ذلك بشكل صريح، يعقد مقارنة بين المعركتين، وينتصر للجد على حساب الشيخ.
– أتألم من عجز الإخوة الأشقياء شقاءً عميقًا: العسكري الذي تركته حرب لا تشبه بقية الحروب معاقًا، لهذا فهو يلتهم الكتب ويدون بضعة أشياء، كشكل أخير من أشكال المقاومة، “فالكتابة هي فعل المقاومة الوحيد والمتبقي في بلد صمتت طيوره عن الغناء، وصارت أزهاره ترفض أن تتفتح كل صباح، وتوقفت أشجاره عن النمو”، والصبي محمد البائس الذي يُسرع به القدر نحو العمى، والذي بعد أن يصير أعمىً يسقط ضحية خيانة قاسية وعبثية حد الضحك في الآن نفسه، إذ هو الأعمى يطلب من صديقه الأعمى أن يسافر معه ليخطب له الفتاة صفية، لكن هذا الأخير يخطب الفتاة لنفسه، هل هناك أقسى، أطرف، من هذه الخيانة!

– أتجمد حزنًا من معاناة الخبير الأركيولوجي: الذي أرسلته الإدارة من أجل التحري في شأن الجماجم التي عُثر عليها في مقبرة جماعية، والذي يعتبر نفسه مشاركًا بشكل أو بآخر وهو طفل في مسرحية حاكها الجلاد ضد الأب، فلا شيء يمكن أن يكون أقسى من أن يتخذك القدر أداةً لإيذاء أعز الناس إليك، كأن “تعطي حبلًا لعتاة وهم يريدون أن يشنقوا به والدك”.

أنفجر ضاحكًا حد البكاء على حال ابن تومرت المجنون، الذي يذكرني بما أراه في الشارع المغربي، إذ أنه يدخل ويخرج في كلام كما يحلو له، غير أنه لا ينسى أن تتخلل كلامه دومًا عبارة “يحيا الملك، تحيا المقدسات”.

إعلان

– خامسًا أرتعب من الصورة: صورة مجتمعنا المشوهة التي عكستها الرواية، هذه الصورة الواضحة إلى درجة أننا بكثرة وضوحها لا نراها ولا نقف عندها أو نتساءل حولها، لهذا كان العمى من الثيمات الرئيسية في الرواية، كأن الكاتب يقول لنا هذا حال المغاربة: عميان عاجزون عن الرؤية.

وعليه، انطلاقًا مما تقدم، فإنني في هذا المساء الذي خلت سماؤه من النجوم، أجدني مفكرًا في رد الجميل لهذا الكتاب الذي وهبني الكثير من المتع الفنية والعقلية والروحية.

كيف سأرد هذا الجميل؟

كيف نحكي عن رواية مثل رواية المغاربة؟ التي أعتبرها من أهم الروايات المغربية التي اطلعت عليها مؤخرًا في صفحتين أو ثلاث.

كيف يمكن لهذه الصفحات أن تعكس كل ما تملكني واستحوذ على روحي من مشاعر متناقضة وأنا أفك رموز هذا النص، كيف نلخص نصًا غنيًا، مرنًا، عصيًا عن الإمساك في بضعة أسطر؟

نصٌ كلما ظننت أنك قبضت عليه تكتشف أنك قبضت فقط على الريح!! جوابًا على ذلك أقول بأني أعي جيدًا بأن الأمر صعب إن لم يكن مستحيلًا، لهذا فكل ما سأفعله يمكنك أن تعتبره أيها القارئ الكريم شكلٌ من أشكال الدردشة مع الرواية وليس أكثر من ذلك.

خصائص ومميزات رواية المغاربة

دون مزيد من الإطناب، رواية المغاربة لفتت انتباهنا بالعديد من الخصائص والمميزات سنحاول تلخيصها قدر المستطاع في خمس نقاط رئيسية.

  • النقطة الأولى:

تتجلى في عنوان الرواية، فكما نعلم يحتل العنوان مكانة مهمة باعتباره أول عتبة لولوج النص، فبالرغم من أن العنوان غالبًا ما يكون آخر لمسات المبدع فإنه أولى عتبات القارئ، فهو مدخله لعوالم الكاتب، فإما أن يجذب المتلقي ويستفزه لقراءة النص بما يفتحه من أسئلة أو يصده عن ذلك، وبالتالي فهو جزء من العملية الإبداعية ولا يأتي مجانيًا أو اعتباطيًا، انطلاقًا من ذلك نحن نرى أن اختيار العنوان قد كان موفقًا، لأنه أثار في ذهننا العديد من الأسئلة وجعلنا نسارع إلى فتح الرواية من أجل الإجابة عنها، من قبيل كيف صور الكاتب المغاربة في روايته هذه؟ ومن أعطاه الحق في ذلك؟ أما الجواب على هذا السؤال الأخير فيجيبنا الكاتب نفسه بسؤال استنكاري على لسان شخصية العسكري قائلًا باحتداد: ومن أعطى للفنانات والفنانين الرديئين والعاهرات والقوادين وحثالة السياسيين والصحافيين هذا الحق.

أما كيف صور الكاتب المغاربة في روايته؟ فنقول أنه صورهم بصورة لا تخلو من بشاعة، فهم كما يقول الكاتب: شعب بلا خيال لم يحلم بمجتمع آخر إلا من خلال متنبئين فاشلين ومدعين بئيسين للمهدوية.

بلدٌ جُبل على ولادة الناقص والمشوه والمسخ، سر في الطرق وانظُر للمباني، حتى وهو يبني داره يتوقف المغربي في لحظة ما، ويترك آجرًا بلا ملاط أو ملاطًا بلا صباغة أو أعمدة ممدودة لاكتمال لن يتحقق أبدًا.

بلدٌ كطاولة نرد حكمه الطاعون والمجاعات أكثر مما حكمته الأسر المتعاقبة، فهُمْ شعب من الملائكة يقترف ما يُذهل الشياطين نفسها، فهُمْ يُقبلون على العيد وبداخل كل واحد منهم ما زالت تتكلم المسغبات الفظيعة والكوارث الماحقة.

  • النقطة الثانية:

في تداخل الأجناس وتفاعلها داخل النص فالرواية هي الجنس الأقدر استيعابًا لمختلف الأشكال الكتابية الأخرى، في نوع من الضم والائتلاف، ويرى محمد برادة أن “الرواية كنوع تعبيري حديث العمر، أقدر على استيعاب كل الأجناس الأدبية”، ولعل استخدامها بشكل ملحوظ في رواية المغاربة -مكسرًا بذلك الشكل التقليدي للكتابة الروائية- يعكس حالة التشظي والتيه التي يعيشها المغاربة، فهناك على سبيل الذكر:

-الكتابة الشذرية: هذه الكتابة التي ظهرت عند فلاسفة اليونان في مرحلة ما قبل سقراط، قبل أن تواصل رحلتها بدون توقف وصولًا إلى عصورنا الحديثة التي تميز بها العديد من الكُتاب والمفكرين، منهم على سبيل الذكر خالق أنداد البرتغالي فرناندو بيسوا، الذي كان يضم حشدًا من الأشخاص في داخله كما يصفه إدوراد غاليونو في كتابه أبناء الأيام، والفيلسوف نيتشه الذي كان مرماه أن يقول “في عشر جمل ما يقوله غيره في كتاب”، والمتشائم شيرن الفيلسوف المتألم الرافض للحياة والذي يذكرني بالمعري.

لكن لماذا اختار الكاتب أن يستعين بالكتابة الشذرية؟ يُجيبنا على لسان شخصية العسكري قائلًا: “لأنها احتفاء بالمتقطع والعابر، بذلك الشيء الذي يتجلى للحظة ويمضي، بذلك الشيء المتلفع بكبريائه والمكتفي بذاته وليس في حاجة لأن يسنده أو يبرره شيء آخر، ثم بالكتابة الشذرية أحفظ لنفسي الحق في أن أكون الشيء ونقيضه في الآن نفسه، إنها كتابة ما بعد الكارثة حين ينهار كل شيء بداخلك ويتمزق ويفقد معناه”، وبالتالي فاختيار الكاتب لاستخدام الشذرة أو الومضة لم يكن اعتباطيًا.

– التاريخ: فقد استعان الكاتب في روايته بالتاريخ، ربما لكي يستطيع فهم هؤلاء المغاربة، إذ مثلما يفعل السوسيولوجي مع ظاهرة من الظواهر الاجتماعية بإرجاعها إلى تاريخ تشكلها من أجل فهمها فهمًا صحيحًا فكذلك حاول عبد الكريم الجويطي أن يفعل، فمن خلال الماضي نتمكن من فهم الحاضر، وبالتالي لا يستقيم الحديث عن المغاربة بدون العودة إلى جزء من ماضيهم، وهو ماضٍ كما كشفت عنه الرواية متأزم، مؤلم، مليء بالمجاعات والمقالب والصدف والانعطافات.

– الكتابة المسرحية: إذ نجد الكاتب يجعل شخصياته تلعب أدوارًا مسرحية، فها هو الخبير الأعمى يلعب دور هاملت، بينما نجد مساعده يلعب دور هوراشيو في مشهد سريالي، مؤلم ومضحك في الآن نفسه، بينما الجماجم تحيط بهما من كل جانب، فيقول الخبير بصوت طالع من بئر عميق وكأنما يكلم نفسه: “أتذكر يا هوراشيوا حين كنا نريد أن نُسقط النظام بالمسرح والأندية السينمائية وأغاني الشيخ إمام، وشارات النصر، وسراويل الجينز والشعور الطويلة، وقراءة ماركس ومهدي عامل”… “هوراشيو: نعم يا مولاي أذكر ذلك”… “هاملت: ما أغبانا يا هوراشيو لم يكن النظام في حاجة إلى الضغط على الزناد فقد سلّط علينا أصحاب (أُحد، أُحد ) و(جيش محمد سيعود)، وعود الأرك وكل شيء عورة، فصرنا نتصارع معهم كالديكة وهو يرقب المشهد بانتشاء غامر”، الشيء الذي أضاف إلى الرواية بعدًا جديدًا.

  • النقطة الثالثة:

في اعتماد الكاتب عبد الكريم الجويطي على ما تسميه “يمنى عيد” بالتناوب الديمقراطي، أي في منح الشخصيات وظيفة السرد بعيدًا عن هيمنة السارد الواحد، إذ نجد مهمة السرد يتناوب عليها كل من أحمد الأعمى وأخوه العسكري.

  • النقطة الرابعة:

في ابتداء الرواية من نهايتها وهو نقيض ما تعودنا عليه في الروايات التقليدية التي عادةً ما تحرص على نوع من الامتداد السردي: نقطة الانطلاق، تسلسل الأحداث وتعاقبها حتى النهاية، فالكاتب هنا، في روايته هذه، يخرق هذا الترتيب ويقذف بنا مباشرةً إلى خاتمة الأحداث، ثم يعود بنا إلى البداية وصولًا إلى المآل الذي عرفناه سابقًا.

  • النقطة الخامسة والأخيرة:

تتحدد كما أسلفت أعلاه خلال التمهيد في توالد الحكايات وتناسلها كأننا أمام صندوق الدمى الروسي، إذ نجد على سبيل الذكر لا الحصر: حكاية الجد، الذي مات ليس لأنه سقط على رأسه من فوق الحمارة كما يتداول أصحاب الدار والأقارب، ولكن “مات لأنه عجز، هو البستاني العتيق، عن ابتكار مهمة لنفسه منذ أن لم تجد الدولة في الخلاء الفسيح المحيط بالمدينة غير حقله لتقيم مكانه تجزئة سكنية.

حكاية العسكري الذي عاد من الصحراء شخصًا آخر، ملتحفًا سلهامه ويجر قدمه المعطوبة كخرقة بالية، مذهولًا، صامتًا، حزينًا، غاضبًا وناقمًا، بعد أن سرقت الحرب ابتسامته وسحبت البساط من تحت قدمه ليجد نفسه يقف على هوة لا قرار لها، لهذا يقضي بياض يومه في القراءة والكتابة، كتابة شذرات ونصوص متوسطة الحجم عن نفسه، عن الصحراء، عن السلاطين والأولياء الصالحين، وقد لا يكتب ويكتفي بنسخ نصوص تاريخية تعجبه.

وعندما سأله أخوه: لمن تكتب؟ أجابه بالقول أنه يكتب لنفسه، لكي يقاوم ما يمكن مقاومته، إنها كتابة “ما بعد الكارثة حين تستفيق من هول ما وقع، وتريد أن ترمم بفردة حذاءٍ نجت من الحريق، ورجل كرسي، وآنية مطبخ، وطرف كتاب كنت تقرأه البارحة، وشظايا مرآة، واقعًا لم يعُد حتى هو يتعرف على نفسه في هذه الأشياء الناجية المتناثرة من حولك”.

حكاية محمد قبل أن يصير أعمى، محمد الذي كان يحب الجد حبًا خاصًا، وكان الجد بدوره يبدي نحوه حبًا عارمًا وخاصًا، ويحمله معه إلى الحقل ويريه كيف تُدس البذرة في باطن الأرض، ويحكي له الحكايات التي يحكيها جميع الأجداد إلى أحفادهم، لهذا خلّف موت الجد فراغًا كبيرًا وعميقًا، حاول تعويضه الأخ العسكري الذي جعل من محمد هدفًا له، وهو الذي لم يعد له هدف في الحياة إلا الكتابة، أما الأب فيمكن القول أنه غير موجود، فهو منشغل بتجارته وأسفاره من سوق لآخر، ورسائله التي يبعثها إلى العالم كلما حدث أمرٌ ما مسّ بوحدة الوطن.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.