تأخذك إلى أعماق الفكر

الفَيْض: قراءةٌ في كتابٍ تنبَّأ بـ وباء الكورونا

الجزء الثاني

مَنْ الجاني؟ ومَنْ المجنيُّ عليه؟ سؤالٌ يتردَّدُ صداهُ عبر سطورِ كتاب ديفيد كوامنالفَيْض، أمراضُ الحيواناتِ المُعدية وجائحةُ الوباءِ التّالية بينَ البشر“، عنوانُ الكتابِ كانَ بمثابة صرخة تحذيرٍ للبشريّة، لم تجدْ من يستمعُ لها في عالم أنهكتهُ الحروبُ العسكريّة والاقتصاديّة، واليوم وقد وقعت الواقعةُ وأصبح البشر في جميع أنحاءِ المعمورةِ أسرى منازلهم بفعل الجائحةِ التي توقّعها الكاتبُ وقد تمثّلت في “جائحةِ COVID-19“، نجد أنفسنا في حاجةٍ لقراءة كتاب الفَيْض. فربَّما نستخلصُ في قصصه المشوّقة دروسًا للمُستقبل.

كتاب الفيض

لحظةُ “الفَيْض“، لحظةُ شؤمٌ، يتوقّف عندها الزّمن وتتغيّر مصائرُ البشَرِ، لحظةٌ تتكرَّرُ دومًا حينَ تغادر تلك الجراثيمِ الفتّاكة مسكنها الحيوانيّ الذي ألفته واستقرّت فيه لقرونٍ طِوال، وتولّي وجهها صوبَ عائلٍ جديد ضعيفِ المناعة شديدِ الغرورِ، قادَه طمعُه إلى تدميرِ أنظمةٍ إيكولوجيّة مُستقرَّة منذُ ملايينِ السّنين، فاقترب أكثرمن الّلازم من موائلِ الخطرِ وفتح على نفسه صندوق باندورا.

وفي الوقت الذي يعاني العالمُ اليومَ مِنْ جائحة COVID التي تنبَّأ بها ديفيد كوامن في كتاب الفَيْض نجدُ أنَّ الأبحاثَ العلميّة التي تحذّرمن خطورةِ تدميرِ الأنظمة الأيكولوجيّة المستقرّة تتوالى يومًا بعد يوم، ولعلّ شهرَ أبريل الحالي نُشر فيه بحثينِ من هذا القبيل.

ففي الأولِ من أبريل أكّدت دراسةٌ من جامعة ستانفورد نشرتَها الدّورية نيتشر أنَّ تدميرَ الغاباتِ في بقعٍ مُجزّأة يزيد من احتماليّة انتقال الفيروسات ومسبباتِ الأمراضِ الأُخرى من الحيواناتِ البريّة إلى البشر، البحث الذي ركَّز على الاتصالِ بينَ البشر والرئيسات في غربِ أوغندا؛ يحمل دروسًا لعالم يعاني من تفشّي الفيروس التّاجي ويبحث عن استراتيجياتٍ لمنعِ الوباء العالميّ القادم.

إعلان

وفي هذا الإطار أيضًا يأتي البحث الذي نشرتُه دوريّة proceeding of the royal society في الثامن من أبريل الحالي،  ومن خلاله نستمعُ إلى صيحةِ التحذيرِ مجددًا ولكنَّ هذه المرّة تأتي على لسانِ الدكتورة كريستين جونسون_عالمةُ الأوبئةِ في جامعة  California Davis، تقول:

“البشر قد غيّروا الكوكبَ بشكلٍ جذريّ وأصبحَ ما يقرُب من ثلثِ الفقاريّات مهددةٌ بالانقراضِ نتيجةً لسوءِ استغلالِ الحياة البريّة، من خلال الصيدِ ، وتجارةِ الحياة البريّة، كما أنَّ الاتصال الوثيقَ مع المخلوقاتِ البريّة يسهِّل انتقالَ الأمراض”

الاختلاطُ  الكثيفُ بين الحيواناتِ البريّة الحيّة والأليفة، والبشرِ بكثافة عالية في الأسواق؛ يعطي فرصةً مثاليّة للقفزِ بين أنواعٍ متنوعة ومختلفة من عوائلِ الأمراض، لا تجتمع عادةً في العالم الطبيعيّ.

كتاب الفَيْض كما تعرّفنا عليه في الجزءِ الأول من عرضِنا له، يأتينا في صورةِ حكاياتٍ مثيرةٍ تفنَّنَ في روايتها ديفيد كوامن،  عرضنا بعضها، وها نحن اليوم نستأنفُ جولتنا، مع مجموعةٍ جديدةٍ، قصصٌ عن وقائعِ الفَيْض.

وجبةُ عشاءٍ في مزرعةِ الجُرذان

ثمّة قصةٌ أكثر ظلامًا لا تزالُ باقيةً لتُروى، وهيَ من المحتمَلِ ليْسَت حولَ هذا الفيروس؛ بل حولَ فيروسٍ آخر تكوْنُ قدرته العاليةُ على العدوى، سابقةً لظهور الأعراض الملحوظة، سيساعِدُه ذلك على أنْ يتحرّك   خلالَ  المُدنِ والمَطَارات كملاكِ الموت[1].

بهذه النبوءةِ يختتم الكاتبُ قصّته حولَ فيروسِ سارس أوّل فيروساتِ كورونا ذاتِ الخطورةِ الكبيرةِ على البشرْ، والذي لحسنِ حظِّ البشرية لم يقتل سوى 774 مريضًا، فلمْ يكنْ ضحاياهُ قادرينَ على نقلِ العدوى لغيرهم قبلَ أنْ تظهرَ عليهم الأعراض، ولمّا تم  التعرّف عليهم وعزْلِهم تمكُّنًا من منعِ انتشاره حول العالم، وللأسف لا يملكُ العالمُ تلكَ الرّفاهية وهو يواجه فيروس كورونا، الذي ما إنْ يدخلُ جسمَ المريضِ حتّى يحوّله إلى منصةٍ لإطلاقِ الفيروسِ الفتّاك لمدّة قد تصلُ لأسبوعينِ كاملينِ قبل أن تظهرَ عليه الأعراض .

بدأت قصّة سارس في السادسِ عشر من نوفمبر عام 2002، حينها استقبلتْ أحدُ المستشفياتِ في مدينة فوشانَ الصينية، رجلًا في السادسةِ والأربعين من عمره، ترتعد فرائصه إثرَ حمّى شديدة، مصحوبةٍ بصعوبةٍ في التنفس، الرّجل الذي كانت هوايته إعداد وجباتٍ من لحومِ الثّعابين، أصبحَ الضحيّة الأولى لفيروسٍ غامض، تجاوزت شهرته الآفاق حين أصبحَ مسؤولًا عن وباءٍ عالميّ.

كتاب الفيض

من مدينةٍ صينيّة إلى أخرى، ومن الصين إلى سنغافورة، يصحبُنا ديفيد كوامن في جولةٍ مثيرةٍ نتابعُ خلالها تنقُّل الفيروسِ من ضحيّة لأخرى ومن المطاعمِ إلى الفنادقِ وصالات المطاراتِ، متّخذًا من صدورِ ضحاياهُ موئلُا يتكاثرُ داخلها وما يلبثُ أنْ يغادرها إلى من يقودهُ سوءُ حظّه مخالطةَ المرضى، ويُفاجأُ القاريّ بالعددِ المتزايدِ من الأطباء الذين قتلهم الفيروس، قبلَ أنْ تنتبّه السلطاتُ المسؤولةُ حولَ العالم، وتبدأ في زيادةِ الإجراءاتِ الصّارمةِ للعزل الصحيّ.

قصّة انتشارِ سارس ثُمّ محاصرتُه يرويها الكاتبُ بأسلوبهِ المُشوِّق، وكعادتهِ لا يكتفي بالجلوسِ في المكتبِ ليسطرَ لنا قصصًا نظريّة عن جهودِ البشريّة في تعقُّب الفيروس، بلْ يأخذُنا في جولةٍ إلى معاملِ العلماءِ لعزلِ الفيروسِ والتعرُّف على الكيفيّة التي يقتلُ بها بها مرضاه.

وكالعادةِ في كل قصّة يصحبُنا ديفيد كوامن في كتاب الفَيْض إلى المعاملِ المتخصِّصَة لنتابعَ جهودَ مليك بيريز وفريقه في هونج كونج، والذينَ أخذوا على عاتِقهم عمليّة استنباتِ الفيروسِ والتعرُّف عليه، لننطلقَ بعدها مع غوان يي اتّجه إلى سوقِ مدينة دونغمن الصينيّة، للحصولِ على عيّنات من الحيواناتِ البريّة التي اشتهرَ بها السُّوق، ولعلّ أحدها يكون مسؤولًا عن لحظةِ الفَيْض المشؤومةِ، ومن بين الحيواناتِ التي اكتظّت بها الأقفاصُ تأكَّد وجودُ الفيروس في حيوان قط الزباد ، كانت تلك أوّل إشارةٍ إلى أنّه مرضٌ حيوانيّ مُشترَك.

وكردِّ فعلٍ سريع حظرتْ الحكومة الصينيّة بيعَ قط ِالزباد، لكن بعد انتهاء الوباء، انطلق العلماءُ إلى البريّة للبحثِ عن فيروس كورونا في قططِ الزباد وكانت المفاجأة، لم يتم العثور على الفيروس في أيّ منها!.

وعلى الفور ولّى الباحثون وجوههم صوبَ المتّهم الأولِ في كلِّ وباء، مخزنُ الفيروساتِ الطائرْ، الخفاش. وهنا وكعادته يصحبنا الكاتب في جولةٍ مثير ما بين الغاباتِ والمعامل، نتابعُ من خلالها كيف تأكّد العلماءُ من أنّ الزباد لعبَ دورَ العاملِ الأضخم، والذي فاضَ منه فيروس سارس إلى البشرِ المخالطين، في حين كان خفاش حدوة الحصان هو خازنُ الفيروس.

في نهاية القصةِ نشاهدُ الكتاب وهو يتجوّل بصحبة الباحث الأمريكي أليكس تشامبرلين، في مزرعةٍ لجرذانِ البامبو في بلدةِ ليبو الصينيّة. وبينما يلبّي الإثنان دعوة صاحبَ المزرعة لتناولِ وجبةِ من تلكَ الجرذان المشويّة، تبقى أسئلةٌ كثيرةٌ دون إجابة، هل خفافيش حدوة الحصان هي العائل الخازن الوحيد للفيروس؟ وما الدور الذي لعبته ثقافة الطعام الفريدة في جنوب الصين في جلب جرثومة مُمرِضة إلى هونج كونج ثم إلى العالم كله؟.

الأيل والببغاء والصبي في البيت المجاور

أمّا الأيلُ فقد كان المتّهم الأول في فيضِ وباء لايم حينَ اكتشفت بكتيريا “بوريليا بيرجدوفيري” في القُراد الذي يتطفّل عليه، والذي بدورهِ ينقلها إلى البشر وإنْ كانت الدراساتُ الحديثة قد أثبتت أنَّ الفئرانَ بيضاء الأقدام وليس الأيل، هي العامل الأساسي في نقل المرض إلى كل صبيٍّ سيء الحظ يسكن منزلًا مجاورًا للغابة، وأمّا الببغاءُ ومرضه فتلك قصةٌ تستحقُ أن تروى.

مرض الببغاء، أو داء المتدثرات المطيري، هو حمّى تشبه التيفوس، تعرَّف عليه طبيبٌ سويسري، لفتَ نظرهُ وجودَ أقفاصٍ للطيور في منزلِ، من استدعى لعلاجهم وأطلقَ على المرضِ اسمُ التيفويد الرئويّ.

وصل مرض الببغاءِ للولايات المتحدة عن طريقِ شحنةِ ببغاواتٍ قادمةٍ من أمريكا الجنوبية عام 1929، أصابَ أوّل ما أصابَ سيدةً أمريكيّة تُدعى ليليان مارتن في ولاية ميريلاند، ولدى وفاتِها تحوّل الأمرُ إلى هيستيريا جماعيّة في الولاية،

داء المتدثرات الطيريّ (بالإنجليزية: Psittacosis)‏ هو داءُ متدثرات؛ أي عدوى تسبّبها بكتيريا من فصيلة المتدثرية (Chlamydiaceae) على وجه التحديد بكتيريا المتدثرة الببغائية. هذا المرض مشتركٌ خطير منتشرٌ في كافة أنحاء العالم ومن خلال صفحاتِ الكتاب نتعرّف أكثر على المرض الذي كانت بداية التعرُّف عليه في عام 1880 على يدِ طبيب سويسري استُدْعِيَ لعلاج عائلةٍ عاشَتْ في منزلٍ جمعهم مع إثني عشرة طيرٍ من الببغاء والحسون. وقتلَ المرضُ الذي أطلقَ عليه الطبيب السويسري اسم التيفود الرئويّ؛ ثلاثةً من أفراد العائلة. وبعد اثني عشرة عامًا انتشرَ الوباءُ بصورةٍ أكبر ولكن هذه المرة في عاصمة النور، باريس لدى تلقّي تاجرينِ للحيوانات شحنةً بحريّة تضمُّ خمسمئةِ ببغاءٍ قادمةٍ من الأرجنتين، ترك المرض وراءه  16 ضحيّة هذه المرّة قبل أن ينتقل إلى ألمانيا ثم إلى نيويورك.

ينتقلُ بنا ديفيد كوامن في كتاب الفَيْض بين معملِ الباحث الأمريكي تشارلز أرمسترونج، صاحبِ الفضل في الكشفِ عن نوعِ البكتيريا التي تسبِّب المرض، والتي كادت أن تقتله هو شخصيًّا في بدايةِ ثلاثينات القرنِ العشرين. وبعدها ننتقل إلى أستراليا لنتعرَّف على العالم الأستراليّ ماكفرلين بينيت وتفسيره للغزِ تفشّي المرضِ بين البشر الذينَ يتعاملونَ مع الطيورٍ الأسيرةِ دونًا عن أولئك الذين يتعاملون معها في مواطنها الطبيعيّة.

لكن دورَ الدكتور ماكفرلين بينتْ الشخصيّة العظيمة في العلم الإستراليّ – بحسبِ قولِ الكاتبِ والحائِز على جائزة نوبل- الذي لا يتوقّف على دراسةِ مرض الببغاء، قد لعبَ الرجل أيضًا دورًا رئيسًا في الكشفِ عن البكتيريا المسبّبة لمرض كيو، عام 1936 بعدما ظهرت أولى حالاتها بينَ عمّال المجازرِ في بريزبن الأستراليّة، والتي أطلقَ عليها فيما بعد اسم “كوكسيلا بيرنتياي” تكريمًا له، والغريب أنّه أُصيبَ هو أيضًا بتلكَ الحمّى بالبكتيريا، كانت أيضًا شديدةَ العدوى.

مرض كيو "حمى كيو" هو معدي ناجم عن الكوكسيلة البورنيتية، وهي بكتيريا تصيب الإنسان وحيوانات أخرى، من أبقار وغنم وماعز، وكذلك الكلاب والقطط. تحدث العدوى نتيجة استنشاق جسيمات غبار ملوثة بالبكتيريا
مرض كيو “حمى كيو” هو معدي ناجم عن الكوكسيلة البورنيتية، وهي بكتيريا تصيب الإنسان وحيوانات أخرى، من أبقار وغنم وماعز، وكذلك الكلاب والقطط. تحدث العدوى نتيجة استنشاق جسيمات غبار ملوثة بالبكتيريا

يقول دكتور بيرنت في مذكراته:

لا يوجد مرضٌ يماثلُ حمّى كيو، فيما يُروى عنه من قصصٍ غريبة[2].

 وخلالَ متابعته للقصص المثيرة لمرض كيو، ينتقل بنا كتاب الفَيْض بين مونتانا الأمريكيّة حيثُ وجدتْ الجرثومة في القُراد إلى هولندا التي انتشرَ المَرض فيها بين عامي 2007 و2009 وهو ما تطلَّب من الكاتب أنْ يشدَّ رحاله إلى مزارع الماعز في قرية هربن الهولندية لنتابعَ عن قرب، ولنشاهد مزارع الألبان الهولنديّة واحدةً من أسوءِ قصص الفَيْض، التي يحذّر الدكتور ماكفرلين بينيت من تكرارها بقوله:

الأمراضُ المعديةُ يمكن التفكيرُ فيها على نحوٍ مفيد “بطول الخطوط الإيكولوجيّة على أنها صراعٌ على الوجود”، بين الإنسان والكائنات الدقيقة[2].

وهذا ما يبدو ماثلًا بالفعل أمامنا ونحنُ نتابعُ مع الكاتب وقائع فيضِ مرضِ “لايم” ثالث الأوبئة ذات الأصل البكتيري، والذي يصيب ما يقرب من عشرين ألفِ أمريكيٍّ سنويًا، فقد أثار العديد من القضايا الإيكولوجيّة والصحيّة، وهنا يستفيضُ الكاتب في شرح المنعطفاتِ المثيرة في قصة اكتشافِ البكتيريا المسبّبة له وهي نوع من السبيروكت أطلقَ عليها اسم “بوريليا بيرغدورفيري” نسبةً للعالمِ الذي تعقّبها لمدةِ ثلاثين عامًا.

الجرثومة التي ظن الجميع في البداية أنَّها تنتقل إلى البشر؛ بواسطةِ قُراد الأيل ينتشر في غابات كونيتيكت، لكن جهود ريتشارد أوستفالد أزاحت الكثير من الغموض، ومن خلال بحثه الذي استغرق عقدين من الزمن والذي نشره في كتاب بعنوان “مرض لايم، ايكولوجيا منظومة معقدة“، توصَّل إلى أن عملية انتقال مرض لايم للبشر هي عملية معقدة، تمامًا كما هي دورةُ حياة القُراد، وأنَّ قائمةَ العوائل الخازنةِ للمرض تضمُّ أيضًا الفئران بيضاء الأقدام.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زكريا أحمد عبد المطلب

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.