تأخذك إلى أعماق الفكر

في الذات العارفة والمعرفة

 

     إنّ خصوصيّة كلّ دقيقة وفرديتها تجعلها جديدة. وليم جيمس 

لم أهدف في هذا البحث المقتضب، أن أصل إلى إجابات نهائية لمسائل طال البحث فيها، وتعددت أوجه الحل المفترضة بين المذاهب الفلسفية المختلفة. فارتأيت أن أضع عدّة أسئلة منهجية، محاولةً بها توجيه دفة البحث: 

1-هل يمكن الفصل الحقيقي بين الذات العارفة والمعرفة؟  

2-هل يمكن للعلم التجريبي -خاصةً علم النفس– أن يساعد في حل إشكالية الذات العارفة؟ 

3-هل يمكن للإنسان البسيط أن يصل إلى معرفة حقيقة لأمور حياته بعيدًا عن مشاكل المعرفة؟ 

نعرف أن نظرية المعرفية الكلاسيكية لأفلاطون تعتبر الشخص ممتلكا للمعرفة إذا كان لديه اعتقاد سابق، صادق، مسوّغ.
من البديهي أن الاعتقاد الصادق، ذاتيّ أي معتمد على امتلاك الفرد لهذا الاعتقاد أولاً وإيمانه به ثانيًا. أما حاجته لما هو خارج ذاته من الواقع فهو احتياج بغية التصديق من خلال المبرر. فبحسب هذه النظرية المسوغ هو ما يُستمَد من الخارج. لكن إشكاليات المسوغ وهذه الصورة المحكمة والمعايير المعرفية هي ما فتحت شهية غيتييه(1) ليشك بكل نظرية المعرفة! فما هو الحل إذن؟ وهل توقف الأمر عند هذا الحد أم تعداه للشك في الاعتقاد الصادق ذاته؟ 

إعلان

عند التطرق لمشكلة الاعتقاد ذاته، يطرأ سؤال: هل يمكن فصل ذواتنا عن المعرفة؟ هل يوجد حقًا معرفة مجردة عن طرائق تفكيرنا وحواسنا ومشاعرنا وآمالنا؟ هل تستلزم المعرفة تزكية للنفس مثلاً أو استخدام كبسة زر لإغلاق العناصر النفسية فينا لتشغيل وضعية العقل المحض محلقين بعيدًا نحو الافتراضات المجردة؟ أو بصيغة أخرى: هل يمكن لاعتقاداتنا أن تتأثر بذواتنا وما تمليه رؤانا عن العالم؟ 

1-بين المعرفة والذات العارفة: 

العلم بحسب اينشتاين:

“ليس مجموعة قوانين، بل إنه من خلق العقل الإنساني وتصوراته التي اخترعت بحرية، وبالتالي فإن النظريات الفيزيائية تحاول أن تكون صورة عن الواقع تربطها بالعالم الفسيح الارتباطات الحسية”(2) 

نحن إذا تأملنا مفاهيمنا المعرفية عن العالم، نجد أنّنا نرى العالم كشبكة علاقاتٍ ومبرراتٍ متصلة ببعضها البعض، كلٌّ يثبت الآخر. وهذه الرؤية هي نتيجة لرؤيةٍ مسبقةٍ لدينا عن العالم -قد تكون مؤدلجة- لكنها محتومة علينا بحسب الترابطيّة المنطقيّة (3). لذلك نادرة هي القفزات الفكريّة خارجة هذا الصندوق المغلق، المسكونين فيه. وحتى هذه القفزات الفريدة هي بالضرورة نتيجة لبيئة هيئة لردّ فعل متراكم وبطيء على الشبكة الفكريّة المتأثرة برؤيتنا للعالم. فلا وجود لأفلاطون ولا نظريته في المعرفة (المثل) دون الفلسفة اليونانية السابقة عليه ودون تأثره بالديانة الأرفيّة، ولا وجود لمدينته الفاضلة دون تأثره الذاتي النفسي بموت سقراط وأسرته الأرستقراطية، فكل هذه الأسباب إضافة الى ذكائه الحاد هي الصانع الحقيقي لفكر أفلاطون الفلسفي المتنوع. 

*مشكلة الذات العارفة والمعرفة ليست بشيء جديد في الأبستمولوجيا: 

“مشكلة العلاقة بين الذات والموضوع (المعرفة) والحديث عنها قد بدأ مع ديكارت ومبدئه الشهر (أنا أشك إذن أنا أفكر فإذن أنا موجود).. فقد جعل ديكارت الذات نفسها موضوع المعرفة وبرهانها فأدى ذلك إلى مشكلة معرفية. فهل الذات نتيجة الموضوع أم الموضوع نتيجة الذات؟”(4) 

ومع إدراكنا لمشاكل التأسيسية الكلاسيكية الصارمة قواعدها حتى أدى بها إلى مبادئ تأسيسية قليلة، تصلح لأن تكون براهين لمعارف واعتقادات أخرى قليلة إضافة أن التأسيسية تحتوي على افتراض سابق لتحقيق العملي وسابقة للعلم حسب كواين(5 

 بالرغم من الخلاف المنهجي بين ديكارت ولوك، إلا أنهما اتّفقا على مبدأ أن الذات وموضوعها المعرفي واحد! 

أما الخلاف فهو لأن لوك يعتقد بعدم استطاعتنا تجاوز حدود ما اكتسبناه من الحواس، بتأمّلنا وتفكيرنا. “إن معرفة الإنسان لا يمكن أن تتجاوز حدود خبرته”(6) ويؤكد على دور الحواس كسبيل للمعرفة عن طريق تلقي الانطباعات الحسيّة من الواقع مع احتفاظ العقل بوظيفة تركيب الإدراكات الحسية لبناء تصورات عقلية تالية على الحس. “إن كل مواد التفكير مستمدة من الحواس الخارجية أو الباطنة، وما يخضع للذهن أو الإرادة إنما هو خلطها وتركبيها”(7) فإذن يفرق بين معرفتنا نحن الذاتية (الحسية الانطباعية) للعالم الخارجي وبين العالم الخارجي. نعلم اليوم بفضل تطور العلوم أن معارفنا بناءً على الإدراك الحسيّ أو العقل، قد لا تعطينا رؤية صحيحة للواقع فلا نرى ألوان الطبيعة على حقيقتها الحقيقة، بل كما تصورها أعيننا وبناءً عليه قد نصل لمفاهيم وأوصاف كليّة للألوان مخالفة لواقع اللون. مما يدفعنا بالشك بقدرة حواسنا على تمثيل الواقع الحقيقي. 

يوافق جيمس على اتصال الذات العارفة بالمعرفة، ويرى أن العقل والحس هما معرفتان مهمتان مكملتان لبعضهما. “لا موضوع، ولا ذات لكن موضوعًا مضافًا إلى الذات، ذلك أقرب ما يكون إلى الحقيقية. فكلما زادت رؤيتنا زاد تفكيرنا، بينما كلما زاد تفكيرنا زدنا رؤية في تجربتنا المباشرة، وزادت حلقات إدراكنا “فنحن بحاجة إلى المدركات الحسيّة أولاً لبناء تصورات كلية قائمة على الحس لإدراك الواقع والوصول إلى المعرفة. “إن فكرتي عن الشيء والشيء نفسه، ليستا حقيقتين مختلفتين بل حقيقة واحدة”(8) لكن وليم جيمس حتى وإن وافق التجريبين، بأن المعرفة تنشأ من معرفة الجزئيات القابلة للإدراك الحسي من خلال الحواس المشتركة أو الحدس وأن الماهيات الكلية هي مجرد تجريد عقلي تالي على الحس. فهو ينتقل بالمعرفة إلى مرحلة أعلى وهي الخبرة الخالصة، الجامعة لكل المعارف البشريّة التي ترثها من العقول المعرفية السابقة والجينات، وهذه الخبرة متعددة الحقائق، سابقة على المنطق والعقل والحواس حتى. “نظريتي هي أنه إذا بدأنا بافتراض أنه ليس هناك سوى مادة أولية في العالم يتألف منها كل شيء، ونسميها بالخبرة الخالصة فإنه من الممكن بسهولة تفسير المعرفة بأنها نوع محدد من العلاقة تنتمي إليها كل أجزاء الخبرة الخالصة. هذه العلاقة ذاتها أحد أجزاء الخبرة الخالصة، ويصبح أحد تلك العلاقة الذات العارفة أو العارف، وحدها الآخر الشيء المعروف أو موضوع المعرفة”(9 

*المشروع البراغماتي والخروج من الصراع بين التجريبية والعقلية:  

“مشروع البراغماتية هو حل للصراع المتصاعد بين العقلاني والتجريبي، وهذا يعني أن رؤية جيمس المنهجية والفلسفية تأسست على رؤية تؤمن بالتعدد والتنوع والانفتاح على العالم واستحضار خصوصية الذوات والأفراد وشروط إنتاج المعرفة، قصد بناء الحقائق بطريقة تفاعلية، ومنه يتضح في معنى من المعاني لكي تكون براغماتي يجب أن تتقبل العيش بدون ضمانات أو تأمين، يجب أن تعيش على مبدأ التجربة”(10) 

*لكن ماذا عن الحقائق اليقينية؟ 

يرى جيمس الاعتقاد الإيماني اليقيني مهم لما فيه من منفعة على استقرار الإنسان النفسي ويتمكن الإنسان من بلوغه من إرادته هو بعيدًا عن السجالات العقلية العقيمة. فسعى لنقل الإنسان من السجال إلى حيز العمل والحياة. أما نفي تعدد المعارف هو نفي للنظام الإلهي الكوني. 

وينتهي جيمس لأن يضع لنا خارطة طريق جديدة: “إننا في حاجة لفلسفة تجمع بين الولاء العلمي للحقائق، والرغبة في إدخالها في الحساب والتقدير والتدبير وروح الملاءمة والتكيف، بالاختصار، وكذلك اليقين القديم في القيم الإنسانية والتلقائية المحصلة سواء أكانت من النوع الديني أم من النوع الرومانتيكي”(11 

2-هل يمكن للعلم التجريبي، خاصةً علم النفس أن يساعدنا في حل إشكالية الذات العارفة ويحدد أطرها؟ 

“السبب الرئيسي الذي يجعلني مقتنعًا أن الأبستمولوجيا لديها الكثير لتتعلمه من علم النفس في حال أنَّ علماء النفس كَوَّنوا معرفة أكبر بخصوص بناء الاعتقاد هو اعتقادي أنه سواء في الأبستمولوجيا أو الأخلاق وجوب الأمر يستلزم كونه مستطاعًا”. جولدمان (12) 

 محاولات بياجيه: 

حاول جان بياجيه عالم النفس والأبستمولوجيا، أن يجيب عن أسئلة أرقت الفلاسفة لفهم آلية تحصيل المعرفة. باستخدامه منهج تجريبي لدراسة الأطفال، فخرج بنظريته الجديدة، الأبستمولوجيا التكوينية، ردًّا على العقلانيين والتجريبين. 

 “هو منهج لدراسة الكيفية التي تتكون فيها المفاهيم العلمية. أي الكيفية التي يتوصل فيها الطفل الإنساني عبر طفولته الطويلة إلى بناء وتكوين المفاهيم العلمية، كمفهوم المكان، والزمان والعدد، والسببية”(13 

فاكتشف مراحل نمو معرفية يمر بها الانسان وقسمها إلى خمس مراحل تبدأ من مرحلة الحسي الحركي وتنتهي بالمرحلة الخامسة، وهي مرحلة العمليات العقلية والتي تبدأ من عمر الثانية عشرة, فلا يستطيع الطفل قبل هذه المرحلة فهم وإدراك المعقولات. 

“وتنقسم الأبستمولوجيا التكوينية عنده إلى: 

1-مبحث في مبادئ العلوم، بهدف تقويمها بغية تفسير التطور الفكري للإنسان وصولاً لوضع رؤيا مستقبلية لهذا التطور. مما جعله يستخدم المنهج التجريبي وعلم النفس المعرفي العصبي. 

2-مبحث في تطور معارف الإنسان منذ الولادة حتى بلوغه سن الرشد. لتفسير عملية التطور الفكري الإنساني. 

خلص إلى رفض أن تكون المعرفة نسخة للواقع بل هي إعادة تكوين وإبداع للبيئة التي نعيش فيها، كما رفض أن تكون هناك معارف مسبقة عقلية وأن المعرفة الإنسانية تبدأ بالحس مرورًا بالعقل إضافة الى دور البيئة التي تسهم بشكل فاعل في نماء المعرفة وتطورها” (14) 

الاستنتاج: فإذن نستنتج مما سبق أن الاعتقاد العقلي المسبق، يصعب فصله عن الذات وتصوراتها أو حتى فصل الذات عن الخبرة الحسية وبالتالي يصعب التأكد من معرفتنا دون الآخر او الواقع الخارج عني أو كما يصفها جيمس بالخبرة الخالصة والتي تشابه في طبيعتها نوعًا ما الترابطية المنطقية. لكن هذا لا يعني القنوط من عدم إمكانية الوصول إلى معايير معرفية وحقائق علمية ثابتة مستقبلاً بل يعني أننا بحاجة لتطوير أدواتنا المعرفية ومفاهيمنا عن الذات العارفة بالتعاون مع العلوم. 

3-كيف السبيل للمعرفة الصحيحة إذن عند الفرد؟ 

1-على الفرد أن تبنى معارفه عن العالم والطبيعة المتأكِّد من صحتها وصحة براهينها على أساس أنها ثابتة نسبيًا، مع محافظته على منهجية الشك التي تسمح بقبول معارف الجديدة بضوء اكتشافات جديدة. فمثلاً  عندما يجد نفسه ميالة للاسراع في ايجاد النتائج أو الاسباب بين الحوادث, أن يسارعها بطرح أسئلة من نوع: هل كان فعلا العامل(أ) سببًا في حدوث النتيجة (ب)؟ أم هي مجرد عادة عقلية مسبقة, اعتدت عليها لإيجاد الروابط والأسباب المباشرة للأشياء! أو هي رغبتي الذاتية الحثيثة, لإيجاد الرابط, الذي قد لا يكون موجودا منذ البداية؟  

2-أن يحاول الفرد تبني منهجية فلسفية علمية في تفكيره خاصة في عصر ملايين المعلومات المتدفقة يوميًا عبر شبكة الانترنت، وهذا الأمر ممكن بتطوير أساليب التعليم والتفكير الناقد؛ ليتعلم الفرد ألّا يقول رأيا دون تدعيمه بالأدلة (المسوغات) العقلية، المبنية على المعارف العلمية والتجريبية المختلفة بحسب الموضوع. وأن يتعلّم الفرد احترام عقله فلا يهبه مجانًا للمغالطين والأعلام المزيف. وألا يثق حتى بالعلم ثقة دغمائية تدفعه للاستكانة دون إعمال العقل، لأن هذا أصلاً يناقض مفهوم العلم والمعرفة! 

3– على العلماء والفلاسفة العرب وغيرهم، العودة بشكل أقوى على الساحة العامة للتأثير بالعامة بدل تركهم فريسة سهلة للسياسيين والدجل والخرافات العلمية والفكرية. على سبيل المثال، تأثير برنامج الكون لكارل ساجان في العامة وجان سارتر في الساحة السياسية والفكرية الباريسية والعالمية. وقد لوحظ في الكارثة الأخيرة عودة الناس لتقدير دور الأطباء والعلم.

ختاما

 على الإنسان ألا يطمع في الوصول إلى حقائق مطلقة عن الطبيعة، فالمعارف البشرية خلافًا للمعارف الإيمانية اليقينية المطلقة، هي معارف ثابتة نسبية على ضوء ما نعرف عن العالم وباختلاف العلوم ومناهجها، فلا يعني تقدّم المعرفة إلغاء كلي لها. فحتى يومنا هذا نستفيد من منهج أرسطو في المنطق ومن نظريات نيوتين في الجاذبية. لكنها تعني أننا كبشرية ما زال أمامنا الكثير لنتعلمه من الطبيعة وهذا يفرض لزامًا أن نعمل سوية كباحثين في الأبستمولوجيا، مستنيرين بالإيمان الإلهي المطلق جنبًا إلى جنب مع العلماء بما يخدمنا البشرية ويخدم أهداف المعرفة. لأن عمرنا كبشر لا يساوي شيء أمام عمر الكرة الأرضية وحتى علومنا نسبة لتاريخ الأرض، فهي أشبه ما تكون وليدة البارحة! 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.