تأخذك إلى أعماق الفكر

ذكرى مولد أينشتاين

0

لا تأتي العظمة عندما تسير الأمور معك على خير ما يرام ولكنها تأتي عندما يتم اختبارك بحق، وعندما تتعرض لبعض الضربات وبعض الإحباطات، وتشعر بالحزن والألم، لأنك لا يمكن أبدًا أن تشعر بروعة وجودك في قمم الجبال ما لم تكن في أسفل الوديان! ريتشارد نيسكون

في ذكرى ميلاد الحبيب لا أعرف ماذا أكتب حقًا! ففرحتي بذكرى ميلاده لا ينازعني فيها سوى مرارة فقده بعد حياة كاملة عاشها وصلت لـ 76 عامًا، مليئة بالإنجازات الثورية والفكرية على حدٍ سواء، حياة مليئة بالكفاح والتحدي والتمرد، حياة لم نشرُف نحن جيل اليوم بمعاصرتها ولكننا نرى ثمارها تؤتي أُكلها كلما تلفتنا عن أيماننا وشمائلنا.


في نهاية القرن التاسع عشر قال اللورد كلفن أنَّه لا جديد في الفيزياء يمكن اكتشافه، ولكن فورًا ومع بداية القرن العشرين قرر شخص ما أن يخرج عن الطريق ويتحدى ثبات النظريات، شخص تمرد على كل المؤسسات والأشخاص الذين حاولوا كبح جماح عقله وتجاربه الفكرية، وفعل كل هذا فقط بشطحات قلمه على الورق، فخلق لنا كونًا جديدًا لم نكن ندرك يومًا وجوده، هذا الشخص هو آلبرت أينشتاين.

في الرابع عشر من مارس من العام 1879 ولد أينشتاين بمدينة أولم بألمانيا، وولد معه حب الاكتشاف والفضول والأسئلة اللامتناهية حول أصول الطبيعة والكون والضوء، في فترة مراهقته نجح في الفرار من ألمانيا واللحاق بأسرته في إيطاليا، ومع رفض والده لفراره وإصراره على عودة ابنه لاستكمال دراسته اتجه أينشتاين إلى سويسرا لاستكمال دراسته الثانوية، ثمَّ تقدم بعدها للالتحاق بالمعهد الاتحادي السويسري للتقنية بزيورخ وأظهر تفوقًا ملحوظًا، ولكن من العجيب أن أساتذته لم يرشحوه بعد تخرجه لأي منصب أكاديمي يمكنه من التدريس في المعهد، والسبب الرئيسي في ذلك هو تمرده المستمر على الثوابت النظرية وطرحه الدائم لأسئلة لم يكن العلم قد أجاب عنها بعد، مثل «طبيعة الضوء».

“تلقى العقول العظيمة دائمًا مقاومة من العقول القاصرة، لأن العقول القاصرة تعجز عن فهم رفض التسليم للانحيازات الشائعة والتعبير عن الآراء بكل شجاعة وشرف ” ألبرت أينشتاين

اضطر أينشتاين بعد تخرجه للبحث عن عمل، خصوصًا لوجود ميلفا ماريتش خليلته منذ أيام الدراسة في المعهد وحملها في طفلتهما الأولى، فعمل مدرسًا لفترة من الوقت ثم نجح صديقه مايكل في توفير فرصة عمل له في مكتب براءات الاختراع السويسري، واضطر لقبول العمل لإعالة أسرته، واتخذ أينشتاين من مكتب براءات الاختراع فرصة للانطلاق في عالمه الخاص والغوص في تجاربه الفكرية، فأثمر ذلك في عام 1905 عن أربع ورقاتٍ بحثية تعد ثورة في الفيزياء وحجر زاوية لمنشأ الفيزياء الحديثة، فلقد ناقشت ورقته الأولى التأثير الكهروضوئي وهو ما حاز جائزة نوبل عليه عام 1921.

والثانية عن الحركة البروانية –حركة الجسيمات الموزعة عشوائيًا في مائع-، والثالثة عن النسبية والتي عرفت فيما بعد بالنسبية الخاصة، والرابعة عن علاقة المادة بالطاقة، ثم قام بالعمل عليها وتطويرها حتى خرج لنا باستنتاج أشهر المعادلات الفيزيائية وهي: الطاقة= الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، والتي تعد أساس القنبلة الذرية.
وإلى جانب انشغاله بالضوء وطبيعته في نسبيته الخاصة كان هناك أيضًا الجاذبية، والتي صاغها في نسبيته العامة عام 1915، وتُعد أعظم إنجازاته، فقد تخيل الجاذبية على أنها انحناء في الزمان والمكان معًا، كما لو كانت كرة بولينج تتحرك على قماش أسود مشدود ثم رُميت كرات بلياردو، سنجد أنَّ كرات البلياردو تتجه نحو كرة البولينج في المنتصف، ليس لوجود قوى خفية ولكن للطريقة التي انحنى بها القماش، فتأثير الكرات هنا مشابه لتأثير الجاذبية في الفضاء، واتحد مفهوم الزمان والمكان في نسيج واحد أطلق عليه الزمكان، واستطاع بنظريته تلك التنبؤ بمسارات الكواكب حول الشمس وخصوصًا المسار غير المنتظم لكوكب عطارد.

إعلان

وفي كسوف عام 1919 حينما تأكد السير أرثر ادنجتون من صحة النسبية العامة تحوّل أينشتاين بين ليلة وضحاها إلى أشهر علماء العصر، وذلك لثورة نظريته على نظرية نيوتن الكلاسيكية لتفسير الجاذبية.

وفي ذلك الوقت بدأت شمس النظرية الكمية تبزغ، وكان يعتبر أحد المساهمين في ذلك، ولكنه في نفس الوقت كان من معارضي مبدأ الاحتمالية بشدة، وقضى بقية عمره يحاول أن يجمع بين النسبية والكم في معادلة واحدة أطلق عليها معادلة المجال الموحد، ولكنه فشل في ذلك حتى توفي عام 1955 في 18 إبريل وبيده ورقته وقلمه.

ربما لم يكن أينشتاين ناجحًا في حياته الخاصة كما كان في حياته العملية، إلا أنه كان إنسانًا فريدًا من نوعه ذا رأيٍ مستقل، سواء على المستوى السياسي أو الفلسفي، كانت إنسانيته البسيطة تضيف إلى هالته، وكان يزيد أمانه النفسي التواضع الذي يأتي من الإعجاب العميق بالطبيعة. ربما كان منعزلاً عن المقربين إليه، لكنه كان يفيض بالحنان والعاطفة الرقيقة تجاه البشرية بصفة عامة، ولا نملك في ذكرى ميلاده إلا أن نقول له لقد أديت ووفيت أيها الحبيب.

فريق الإعداد

إعداد: آية غانم

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر كتاب أينشتاين حياته وعالمه (والتر ايزاكسون)
تعليقات
جاري التحميل...