محمد حسين.. الرجل الذي باع ظهره: الحقيقة التائهة بين التكرار أو الاقتباس

في مطلع شهر فبراير من هذا العام، أعلنت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الأمريكية “أوسكار” قائمَتَها لجائزة أحسن فيلم ناطق بلغةٍ أجنبية، والتي تقدّم لها هذا العام حوالي ثلاثةٌ وتسعون فيلمًا، ضمّت القائمة خمسة عشر فيلمًا روائيًّا طويلًا، على أن يتمَّ اختصار القائمة لخمسةِ أفلامٍ فقط يتم الإعلان عنها في منتصف شهر مارس القادم، كان من بين أفلام القائمة الفيلم التونسي “الرجل الذي باع ظهره”، للمخرجة كوثر بن هنية، وبطولة “يحيى مهايني” والنجمة الإيطالية “مونيكا بيلّوتشي”، والذي عُرِض قبلها بأشهرٍ قليلةٍ في الرابع من سبتمبر الماضي في عرضِه العالمي الأول ضمن فعاليات مهرجان فينسيا السينمائي الدولي السابع والسبعين، وبالتحديد في مسابقة آفاق، والتي استطاع الفيلم أن يحصدَ جائزتين من خلالها، قبل أن يظفرَ بجائزةِ أحسن فيلمٍ روائيّ عربي في مهرجان الجونة السينمائي بعدها بأيامٍ قليلة. علاقة الفيلم بمهرجان الجونة السينمائي تعود لأعوامٍ سابقة، حيث فاز سيناريو الفيلم بمنحةٍ من منصَّة مهرجان الجونة عندما كان الفيلم مجرد فكرة في بدايات تنفيذها.

وبالحديث عن فكرة الفيلم الذي يحكي عن لاجئٍ سوريّ شاب يهرب من مطاردة النظام السوري متخفيًا عبر الحدود السورية اللبنانية، وفي بيروت يتعرّف على رسامٍ بلجيكي شهير يعرضُ عليه صفقةً شيطانيّةً أشبه بتلك الصفقة التي أبرمها “مفستوفوليس” مع “فاوست” في أسطورة فاوست الشهيرة، كان الاتّفاقُ على أن يقوم الفنان الشهير برسم وشم على ظهر الشاب، ويعتبره كلوحةٍ فنيةٍ تُعرَض للجماهير في معارضٍ فنيّةٍ بتوقيتاتٍ محدّدة مسبقًا، وذلك في مقابل سفر الشاب لأوروبا. كان الوشمُ عبارة عن رسم لفيزا “شنجن” الخاصة بدخول دول الاتّحاد الأوروبي في سخريةٍ وإسقاطٍ واضحَيْن.

صرّحت مخرجة الفيلم التونسية “كوثر بن هنية” في أكثر من لقاءٍ صحفي بأن فكرةَ فيلم الرجل الذي باع ظهره جاءتها عندما كانت في زيارةٍ لأحد المعارض الفنية بمتحف اللوفر في باريس عام 2012م، وأثناء تلك الزيارة رأت شابًّا يجلس في المتحف عارضًا ظهره الموشوم كلوحةٍ فنيةٍ ضمن لوحات المعرض، كانت لوحاتُ المعرضِ لفنانٍ بلجيكي يُدعى “فيم ديلفوي”، وهو فنان معاصر اشتهر بأعماله الفنيّة الصادمة والمثيرة للجدل، كان أكثرها شططًا حين رسم مجموعة وشوم على كامل ظهر رجل سويسري يدعى “تيم شتاينر”، وقام ببيع لوحته لأحد هواة جمع الأعمال الفنية، الاتفاق أقرَّ بأنه عند موت “شتاينر” يتم سلخ جلد ظهره وتأطيره ليُعرَض كلوحةٍ فنية، أما في أثناء حياته فسيقضي أغلب وقته في عرض ظهره كلوحةٍ في المعارض الفنية.

الوشم الحقيقي على ظهر "تيم شتاينر"

“محمد حسين” الآخر

عند عُرِض الفيلم في مهرجان الجونة، لاحظَ البعضُ تشابه أحداث الفيلم مع أحداث فيلم آخر عُرضَ قبل ذلك بعام تقريبًا؛ وهو فيلم “محمد حسين”، من بطولة محمد سعد، وإخراج محمد علي، وكتب السيناريو له شريف عادل. يحكي الفيلم عن سائقِ تاكسي تقوده الظروف للعمل بالصدفة كسائقِ سيارة ليموزين بإحدى الفنادق الكبرى بالقاهرة، وفي أثناء ذلك تتوطّد العلاقة بينه وبين رسامٍ عالميّ من أصل مصري، يقضي إجازته في مصر، ويقيم في الفندق الذي يعمل به البطل، ويكون السائق المصاحب له طوال الرحلة، وفي أثناء ذلك يعرض عليه الرسامُ أن يرسمَ وشمًا على ظهره، ويوافقه البطل على ذلك. بغضّ النظر عن ركاكة الفيلم وتدنّي مستواه الفني مقارنةً بالفيلم التونسي، فإن تشابه الحبكة يبدو عجيبًا وليس من قبيل المصادفة على الإطلاق، قد يرى البعض أن التشابهَ مرجعه إلى أن الأحداث نفسها حقيقية، فهناك احتمال قائم بأن يكون مؤلّف فيلم “محمد حسين” استقى قصته من واقعة الرسام البلجيكي، وقد يرى البعض أن الفيلم المصري اقتبس الفكرة من الفيلم التونسي؛ وذلك بسبب ظهور سيناريو “الرجل الذي باع ظهره” كضيفٍ في العديد من المنصات والمهرجانات الدولية قبل تنفيذه، فربما تكون الفكرة سُرِّبَت بشكلٍ أو بآخر، لكن هناك واقعة أخرى لم يذكرها أحدٌ من قبل ربما توضح ما حدث.

إعلان

“ضهر للبيع”

تعود بداية القصة لسنواتٍ ماضية، تحديدًا في أواخر عام 2001م، حين تقدَّمَ كاتبُ السيناريو والمخرجُ التليفزيوني “دويدار الطاهر” صاحب سلسلة الأفلام التسجيلية الشهيرة “مساجد مصر” بطلبٍ للرقابة على المصنفات الفنية المصرية؛ وذلك لإجازة سيناريو فيلم تحت اسم “ضهر للبيع”، يحكي عن فنانٍ عالمي يقضي إجازته في مصر في منطقة “نزلة السمان” القريبة من منطقة أهرامات الجيزة، ويقرِّر الرسامُ أن يرسمَ لوحةً للغروب مع الأهرامات ولكن على ظهر أحد سكان المنطقة، وتتصاعد الأحداث بعد موت الفنان ومطالبة الورثة بحقهم في اللوحة. حصلَ السيناريو بالفعل على موافقة الرقابة المصرية تحت رقم (246) بتاريخ 20 نوفمبر 2001م، لكن لم يُكتَب للسيناريو الخروج للنور كفيلم، حتى تفاجأ كاتب السيناريو بظهور فيلم “محمد حسين”، والذي يحمل نفس فكرته، مع تغيراتٍ طفيفة. لجأ المؤلِّفُ للقضاء متهِمًا منتجي الفيلم بسرقة فكرته، لكن القدر لم يمهله الوقت الكافي؛ فيرحل عن دنيانا في مايو الماضي، دون الوصول لأي تسويةٍ لقضيته.

وعلى عكس فيلم “محمد حسين”، كان لسيناريو “ضهر للبيع” حسًا نقديًا لاذعًا، وإسقاطاتٍ سياسيّة قد تكون أكثر عمقًا من ركاكة الأسلوب الذي صِيغ به فيلم البطل الأوحد محمد سعد، فمثلًا عندما انتهى الفنان من رسم لوحته على ظهر الرجل، لم يجد مكانًا للتوقيع إلا على السروال الداخلي للرجل، لم يكن هذا المشهد الوحيد بما يحمله من إسقاطات الدال على جِدّة السيناريو الأصلي، بل بناء السيناريو وتكوينه يختلف تمامًا حتى عن الفيلم التونسي الذي يشابهه في التناول؛ ففيلم “الرجل الذي باع ظهره” يبدو موجهًا للجمهور الأوروبي أكثر منه موجهًا للجمهور العربي، حتى ولو كانت القضيّة السوريّة ومشكلة اللاجئين في صدارة المشهد، فالفيلم من الأساس تمّت كتابته وصياغته ليتناسب مع متلقٍّ مختلف.

اقتباسٌ أم سرقة؟

والسؤال الذي يبرز في ذهنِنا الآن: هل تعد تلك الواقعة فريدة من نوعها؟ أم أن هناك حالات مثل تلك حدثت في أفلامٍ سينمائية سابقة؟

بالطبع لا؛ فقد تكرَّرت تلك الواقعة كثيرًا، بل وفي أفلامٍ شهيرة، ولعل من أشهرها واقعة اقتباس مخرج أفلام “السباغيتي ويسترن” الشهير “سيرجو ليوني” لأحداث فيلمه ذائع الصيت “حفنة من الدولارات”، والذي ظَهرَ للنور في العام 1964م، من سيناريو فيلم آخر لا يقلّ شهرةً، وهو فيلم “يوجيمبو” للمخرج الياباني “أكيرا كوروساوا”، والذي عُرِضَ للجمهور قبل ذلك بثلاثة أعوام، اتّهم كوروساوا منتجي ومخرج فيلم “حفنة من الدولارات” بسرقة سيناريو فيلمه، بينما أنكرَ “ليوني” ذلك، ودافع عن فيلمه بضراوةٍ، وفي دفاعه أمام القضاء ذَكرَ أن مصدرَ فيلمه وفيلم كوروساوا يعود إلى روايةِ “الحصاد الأحمر” للأديب الأمريكي داشيل هاميت، وإلى مسرحية “خادم لسيدين” للكاتب المسرحي الإيطالي كارلو جولدوني.

لكن وبعد العديد من الدعاوى القضائية توصَّلا الطرفان لحلٍّ لقضية الاقتباس، وأقرَّا تسويةً ماليةً مناسبةً، وهي حصول كوروساوا على 15% من عائدات الفيلم العالمية بما لا يقل عن مبلغ مئة ألف دولار أمريكي.

قد يبدو من الواضح وبالوقائع الدالّة أن فيلم “الرجل الذي باع ظهره” قد نأى بنفسه عن فكرة الاقتباس، كونه استمدَّ حبكته من أحداثٍ حقيقيّةٍ، بل أن الرسام الحقيقي صاحب اللوحة “فيم ديلفوي” ظهر في مشهدٍ في الفيلم كضيف شرف، بعكس فيلم “محمد حسين” الذي كان موضع اتّهام مباشر من كاتب سيناريو “ضهر للبيع”، ولم تنجح أيّ من محاولات التسوية ببين الطرفين، ليبقى السؤال قائمًا:

“هل من الممكن أن يكون الأمر مجرد توارد خواطر، أم هو سرقة علنية؟”

نرشح لك/ Good Will Hunting: الخوف من الهجر وكبح الحياة

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: حسن أبومازن

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

اترك تعليقا