تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة الرياضيات: الأسئلة والمدراس الأساسية

الرياضيات هي اللغة التي كتب الله بها الكون.

غاليليو

بالتأكيد سبق وأن لاحظ كلٌّ منا أشياءً عديدةً تميز الرياضيات عن غيرها من العلوم، بدءً من عدد الساعات المخصصة لها في المدارس والتي تتجاوز تلك المخصصة لغيرها من العلوم بمراحل، وذلك على امتداد سنوات وصولًا إلى المرحلة الثانوية. محورية الرياضيات نشهدها منذ البداية في المدرسة.

أيضًا، تمتاز الرياضيات بلزوميتها لكل العلوم الأخرى، فلا يمكن لنا ممارسة الفيزياء والكيمياء، وحتى علوم البيولوجيا والجيولوجيا والاجتماع دون رياضيات. فكل مجال علمي لا يستند وحسب على “قوانينه” الخاصة والكيانات النظرية والمسلمات التي يضعها، بل لا بد له من الرياضيات. ففي الفيزياء مثلًا، لا يُكتفى بالإلكترونات والبروتونات والنيوترونات من أجل بناء نموذج للذرة، بل نحتاج أيضًا إلى الرياضيات- بما في ذلك الكيانات الرياضية- بوصفها، أيضًا، جزءً من نظام المسلمات الذي نعمل على أساسه لتقديم نموذج للذرة.

ميزة أخرى تتمتع بها الحقائق الرياضية مقارنةً بالحقائق الخاصة بالعلوم الأخرى، وهي طبيعتها الضرورية. إن”عدد كواكب المجموعة الشمسية هو ثمانية” لا تبدو حقيقةً ضرورية، فمن الممكن أن يكون عددها سبعةً أو عشرةً مثلًا. كذلك، يمكن تخيل كونٍ آخر لا تتناسب فيه الجاذبية طردًا مع جداء الكتلتين وعكسًا مع مربع المسافة، أو عالمٍ آخر له ثوابت فيزيائية مختلفة. لكن بالمقابل، لا يمكن تخيل هذا في الرياضيات إلا في حدودٍ ضيقة. فلا يمكن تخيل “1+1=3” في أي عالم. “1+1=2” حقيقةٌ ضرورية. يمكن استخدام استعارة من لغويات تشومسكي حول التفريق بين البنية العميقة والبنية السطحية للقواعد اللغوية، ففي حين تختلف قواعد البنية السطحية من لغة إلى أخرى، تبقى قواعد البنية العميقة مشتركةً وعامةً (فطرية) لجميع اللغات.

بالمثل، يمكن القول أن الرياضيات تقدم نوعًا من القواعد الأساسية، بينما تقدم بقيةُ العلوم قوانين موازيةً لقواعد البنية السطحية، وهي قوانين تتغير سواءٌ مع التحول الذي يصيب النظريات (كيمياء الفلوجستين والكيمياء الحديثة مثلًا)، أو أنه من الممكن تخيل عوالم أخرى بقوانين مختلفة. الطبيعة الضرورية والأساسية للرياضيات تضفي عليها خصوصيةً وسحرًا مميزًا، فهي تتناول “الضروري” أو الواجب، وعندها يمكن ربطها بواجب الوجود.

غير أن مركزية الرياضيات من جهة، وطبيعة الموضوعات التي تتناولها من جهة أخرى، تضعنا في مواجهة مسائل مثيرة؛ أولها، تبرير الطبيعة الضرورية للرياضيات نفسها، ثانيها، طبيعة الكيانات الرياضية والخصائص المنسوبة لها. فالكيانات الرياضية، مثل الأعداد والمجموعات، كياناتٌ مجردة ليس لها مقابلٌ في العالم الطبيعي، النظريات الرياضية تتناول هذه الكيانات، وتنسب لها خصائص وعلاقات تربطها فيما بينها. عندما تخبرنا البيولوجيا عن تركيب الخلية العصبية والعلاقة التي تربطها بالخلايا الأخرى، فنحن نعرف علام يحيل هذا الوصف. لكن، علام يحيل الواحد أو الاثنان أو مجموعة الأعداد الفردية؟

إعلان

سؤال الإحالة يتضمن سؤالَ الحقيقة، لنأخذ المسألة التالية:

“الأرض تدور حول الشمس” صحيحةٌ إذا وفقط إذا كانت الأرض تدور حول الشمس. نحن نعرف الأرض التي تحيل لها كلمة “الأرض”، وكذلك الشمس، ونستطيع رصد دوران الأرض حول الشمس بشكلٍ أو بآخر. “2=1+1” صحيحة إذا وفقط إذا 2=1+1. لكن إلى ماذا يحيل الواحد أو الاثنان؟ كيف يمكن لنا “تعيينهما” والتحقق من صحة العلاقة التي نسبناها لهما؟ الكيانات الرياضيات ليست واقعية (أو مادية) بذات الشكل الذي عليه الكيانات الأخرى التي تقدمهما لنا العلوم الأخرى التي ندركها بواسطة الحس، حيث تسمح الخبرة العملية (التجربة) بالتحقق من ادعاءاتنا حولها. لكن الكيانات الرياضية ليست من نفس النوع، فهي ليست كيانات مادية يمكن إدراكها بالحس والتجربة بحيث نتحقق من ادعاءاتنا حولها.

الرياضيات، التي هي أساسٌ لأي علم آخر، تضعنا أمام أحجية تتعلق بموضوعاتها، ما هي؟ هل هي واقعيةٌ أم لا؟ وبمعرفتنا بهذه الموضوعات، كيف نعرفها؟ وكيف نتحقق من صحة ادعاءاتنا حولها؟ هذه الأسئلة هي ما تتناوله فلسفة الرياضيات، سواءٌ بالسعي للإجابة عنها أو بفحصها.

وهنا سنتناول، بشكل مختصر وسريع، بعضًا من أبرز المدراس الفلسفية حول هذا الموضوع.

الأفلاطونية

تعود الأفلاطونية إلى عالم المُثل في مثل الكهف لدى أفلاطون، وهي تقر بموضوعية الكيانات الرياضية المجردة وما ينسب إليها من خصائص، وبهذا تكون الحدود والصفات في اللغة الرياضية تشير إلى الكيانات الرياضية المجردة، وهي بهذا تقدم أقوى موقف واقعي في فلسفة الرياضيات. مما يميز الواقعية، تحديدًا الأفلاطونية، في الرياضيات عن غيرها من الواقعيات في العلوم الأخرى، أنها واقعيةٌ مثالية النزعة، فيما تكون غالبية الواقعيات مادية النزعة. فالواقعية الرياضية تسلم بوجودٍ موضوعي للكيانات المجردة التي تتعامل معها الرياضيات، بما يعني وجود نطاق يتضمنها ويتجاوز بدوره نطاق الأشياء المادية.

يُعتبر كورت غودل من أبرز ممثلي الأفلاطونية في العصر الحديث، وهو يرى وجود تشابه بين الكيانات والمفاهيم الرياضية ومقابلاتها الفيزيائية، أو لنقل إن الكيانات الرياضية مثلها مثل الكيانات الفيزيائية في موضوعيتها وواقعيتها. وكما نَبدَهُ مجموعةً من الكيانات الفيزيائية (بخاصة الحدود النظرية) من أجل تركيب نظرية فيزيائية مقبولة، فكذلك الحال مع الكيانات الرياضية والنظريات الرياضية. وهذا التشابه يستمر حتى مع تبرير النظريات الرياضية؛ ففي الفيزياء، تلعب الحواس الدور الأساسي في التجربة، ولكن هذا يغيب في الرياضيات. اعتبَر غودل أن الحدس يلعب دور الدليل الداخلي للرياضيات، كما أن النظريات العلمية تلعب دورًا غير مباشر كدليل على صحة نظرياتنا الرياضية التي اعتمدتها النظريات العلمية نفسها.

الملاحظة المهمة فيما يتعلق بالأفلاطونية في الرياضيات تتعلق بما يترتب عليها تجاه الواقعيات الأخرى، تحديدًا المادية والمشروع الاختزالي للعلم (رد كل الظواهر إلى العلم، ورد العلوم بشكلٍ متتالٍ إلى الفيزياء). مثلًا، روجر بنروز، وهو أفلاطوني، قدم محاججة ضد الموقف الاختزالي في فلسفة العقل، وبشكلٍ شبيه، حاجج بول ديفز ضد برنامج الاختزال العلمي، وقد كانت الأفلاطونية جزءً في محاججة كل منهما.

الطبيعانية

في مقابل الأفلاطونية سعت الطبيعانية إلى تقديم خيارٍ واقعيٍّ ومتسقٍ مع المادية. تعود الطبيعانية في الرياضيات- أساسًا- إلى عمل ويلارد كواين ومساهمة هيلاري بتنام انطلاقًا من هذه الملاحظات، ليقدما سوية ما يُعرف ببرهان اللزوم (indispensability argument)، بوصفه برهانًا مؤيدًا للواقعية. يمكن تقديم محاججة برهان اللزوم بالشكل التالي وباختصار: تقدم النظريات العلمية أفضل تفسير للطبيعة، وعليه، فإن ما هو موجود يتحدد بما تحتاجه هذه النظريات العلمية. وكما نعرف، فإن هذه النظريات لا تقتصر على التسليم بوجود الكيانات الفيزيائية، ولكنها تحتاج أيضًا إلى عدد من النظريات الرياضية بشكل أساسي لصياغتها، وهذه النظريات الرياضية بدورها قائمةٌ على كيانات رياضية مجردة. بالتالي، فإن التسليم بصحة النظريات العلمية يستلزم التسليم بصحة النظريات الرياضية التي اعتمدتها (برهان تجريبي غير مباشر للنظريات الرياضية)، وصحة النظريات الرياضية تستلزم بدورها التسليم بواقعية الكيانات الرياضية التي تعتمدها هذه النظريات.

لا يقتصر هذا البرهان على مجرد موقف أنطولوجي حول الرياضيات، بل أيضًا يقدم حجة إبستمولوجية (معرفية) حولها، أي ما هو أساس المعرفة الرياضية، وبحسب هذه المدرسة، فإن الأساس هو تجريبي، وإنْ بشكل غير مباشر عبر النظريات العلمية التي تعتمد الرياضيات، وبذلك تكون النظريات العلمية نفسها- عبر اختبارها التجريبي- اختبارًا للنظريات الرياضية التي اعتمدت عليها هذه النظريات. في شبكة المعرفة الإنسانية، تظهر الرياضيات في المركز حيث تشتبك جميع الخيوط العائدة للعلوم الأخرى، وهذه المركزية التي تملكها الرياضيات، وبفضل التحقق التجريبي لكل النظريات العائدة لعلوم مختلفة تعتمد الرياضيات، فإن الرياضيات صحيحة وموضوعية، وهذا يستلزم التسليم بواقعية كياناتها المجردة، كما يقول بتنام:

من غير الممكن أن تكون واقعيًّا بالإحالة إلى النظريات الفيزيائية، واسميًّا (nominalist) بالإحالة إلى النظريات الرياضية[1].

يترك هذا الموقف بعض الثغرات التي علينا أن نعاينها سريعًا. أوّلها، أنه لا يجيب مباشرةً عن طبيعة الكيانات الرياضية، بل يكتفي بالتسليم بها انطلاقًا من الحاجة إليها في العلوم المختلفة[2]. كذلك، لا يجيبنا فيما يتعلق بفروع الرياضيات التي ليس لها تطبيقات في العلوم، فنحن في النهاية لدينا من الرياضيات أكثر مما نحتاج إليه في العلوم عامةً، وعندها ما الذي لدينا لنقوله بصدد هذه الفروع!

المذهب الاستنتاجي (Inferentialism)

يتقاطع التفكير الطبيعاني للرياضيات مع ما يمكن تسميته بالموقف الاستنتاجي، والذي يمكن أن نسمي عدة ممثلين له، مثل دونالد ديفدسون، وروبرت براندوم، ولودفيغ فيتجنشتاين، وهذا الموقف يُعرِّف الكيانات الرياضية بالدور الاستنتاجي (inferential role) الذي تلعبه. فإذا كان لدينا قضية س صحيحة في نسق ع، وهذا النسق يتكون من البديهيات وقواعد الاشتقاق/الاستنتاج، فإن محتوى قواعد الاستنتاج ليس إلا دورها الذي تلعبه في البرهان على صحة القضية س. وبهذا، فإن محتوى العبارات الرياضية (الكيانات وخصائها) يتحدد بالدور الذي تلعبه في عمليات الاستنتاج، وبالتالي، فإن ما تشير إليه الحدود الرياضية (ما يحدد معناها) هو دورها الاستنتاجي. يتشابه هذا الموقف مع الموقف الطبيعاني الذي ينظر إلى الرياضيات من خلال الدور الذي تلعبه في النظريات العلمية، لكن لا يقدم إجابةً مباشرة حول طبيعة هذه القواعد، هل هي قواعد متعالية وموجودة لدينا، أم أنها قواعدُ موجودةٌ في الطبيعة نفسها؟ وهل هناك قواعد لصياغة هذه القواعد نفسها؟

المذهب الصوري (Formalism)

هيلبرت وفون نيومان من أشهر ممثليها، وهي تتبنى الموقف القائل بأن الرياضيات تتكون من نظريات صورية تتعامل مع رموزٍ داخل أنسق صورية غير مفسرة. هكذا تقدم الرياضيات عندها فقط نظامًا من الرموز وقواعد للتعامل معها، ولكن الرموز نفسها لا تملك تفسيرًا؛ معنى أو إحالة، وهو ما تقدمه العلوم الأخرى التي تتبنى هذا النظام الصوري في نظرياتها.

قدم غودل نقده للصورية عبر التساؤل عن اتساق نظام المسلمات، فما الذي يجعل المسلمات التي تنطلق منها هذه الأنظمة الصورية متسقة؟ وما الذي يضمن الاتساق الداخلي لهذه الأنظمة؟ وهي أسئلة تبقى متروكة بدون إجابة. هناك، أيضًا، النقد المعاصر الذي يتناول إمكانية الحوسبة التامة لهذه الأنظمة الصورية (برنامج هيلبرت). فكون هذه الأنظمة مجرد أنظمة صورية، رموز وقواعد للتحكم بها، فإن هذه الأنظمة ستبدو بالكلية قابلةً للتمثيل خوارزميًّا، أي بوصفها برنامج يمكن لآلة تورينغ تنفيذه. لكن هذا ما تم إثبات عدم إمكانه، بفضل مبرهنة عدم الاكتمال لغودل، أو معضلة عدم التحديد لتورينغ. فالرياضيات عندها تبدو أكبر من أن تكون مجرد “برنامج” لآلة، وهو الموقف المضمر والناتج عمليًّا عن هذا الموقف.

البنيانية(Structuralism)

تتمثل الفكرة الأساسية لهذا التيار في أن موضوع الرياضيات هو بنى مجردة، وبالتالي، فإن اللغة الرياضية تحيل إلى بنى يتحدد معنى عناصرها انطلاقًا من موقعها الذي تشغله في البنية موضوع النظرية، وليس من “هوية” العنصر نفسه. بشكلٍ مبسط، يمكن تخيل البنية كشبكة، وبالتالي، فإن ما يحدد العقدة هو موقعها من الشبكة والروابط التي تربطها بالعقد الأخرى. فإذا اعتبرنا أن كل عقدة في هذه الشبكة تقابل عنصرًا (مثلًا عددًا طبيعيًّا)، فإن معنى العنصر لا يُشتق من هويته الخاصة، بل من الموقع الذي يشغله في هذه البينة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: موريس عايق

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.