تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسفة الحضارة وأسس التمدُّن وعلاقتهما بالثقافة وسير التاريخ

“إنَّ الحضارات هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية للشعب ولا يسبقها إلّا ما يُميز البشر عن الأنواع الأخرى، وهي تحدد في آنٍ معًا بالعناصر الموضوعية المشتركة؛ مثل: اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسسات وبالتحديد الذاتي الذي يقوم به الشعب بنفسه”(1).
في فلسفة الحضارة وكيف تقوم الحضارات.

ما هي الحضارة؟

بدايةً لنا أن نتسائل: ما الحضارة؟ المعنى اللغوي القريب: حضر أي: أتى وأقام قَرب وقَدِمَ، وحضر الشيء أي: جاء، وقياسًا على المعاني السابقة فالحضارة بالاصطلاح يمكن تعريفها بأنها الحضور الفعلي في التاريخ الإنساني من إقامة المدن وتخطيطها، وتحصيل المنافع والضروريَّات وإتيان العمران والمدنية.

فهي إنجازات الإنسان وإسهاماته المختلفة في لحظاتٍ فارقة ومتعاقبة من تاريخه، وأصبحت توصف به وتستمد خصائصها منه. والحضارات الإنسانية التي ظهرت على وجه المعمورة منذ فجر التاريخ، منشؤها الإنسان ومبدعها جماعة من البشر شغلت أنفسها بقضايا البقاء والاستمرارية في هذا الكون؛ فلا يتصور أن تقوم حضارة بدون “إنسان”وهو العنصر الفاعل في شيد الحضارة وركنها الأساسي بشقيه المادي والروحي.

ولأنَّ الإنسان مدني بالطبع يسعى دائمًا للإجتماع البشري -وهي سُنَّة كونية وصورة منطقية ضرورية- كما عبر عن ذلك ابن خلدون (2)، فإنَّ حاجة الإنسان الدائمة وإحساسه بالنقص هو ما يكسبه السعي نحو إيجاد متطلباته وإشباع رغباته وتأمين مخاوفه وسد خلله ونقصانه.

إعلان

يُفهم إذن أنَّ الجميع -كل إنسان- ينشد الحضارة ويسعى لها دون توقف -وإن كانت الصورة الغالبة في ذلك أنَّ الحضارات تبدأ من لا شيء وتنتهي إليه أيضًا- في النظرية التي تقول بإنتهاء الحضارات وفنائها إلّا أنَّ الإنسان يبقى المحور الأساسي والمحرِّك الأوحد وعليه تقوم باقي عناصر الحضارة.

فالإنسان هو إنسان بالمعنى الكلي في كل العصور ومن ذلك عصور البداوة وما قبل الحضارة، فالأمم التي سبقتنا لم تكن متوحشة على الدوام فقد شغلهم الإحساس الدائم بالبحث عن الغذاء وطرق تخزينه وتأمين المسكن وهو ضرب من ضروب الحضارة، وفي انتمائهم لقائدهم وتأمين قبيلتهم ضرب آخر من ضروبها.

وقياسًا على ذلك فإنَّ رصيد الحضارات التي سبقتنا وحتى الحضارة الإسلامية التي نحن جزء منها لم يكن سوى تغيُّر في التفكير وتفهُّم للواقع أكثر فأكثر وبحث عن التقدم وتحقيق الريادة والاستقرار، إنها مجرد فكرة ما إن طبعت في العقل دفعت به للسيطرة على الطبيعة والتحكُّم بها.

“إنَّ الحضارة ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضُّر الدفعة التي تدخل به التاريخ” (3).

وهو سرُّ الحضارة وجوهرها، إنه التناغم الحادث بين الفكرة والمادة بين العقل وإمكانياته الثقافية من جهة وبين الطبيعة ومواردها من جهةٍ أخرى عن طريق الثقافة.

يفهم من ذلك أيضًا أنَّ الحضارة -أيَّة حضارة- لا تقوم من عدم، وإنما تتضافر عوامل ومقومات كثيرة لإخراجها وإكمال صورتها؛ منها النظم السياسية وشكل الحكومة، والعناصر الاقتصادية (زراعة، صناعة، تجارة)، وشكل العلاقات الإجتماعية وقيم المجتمع وعاداته، وأخيرًا الحالة الدينية -وإن كان هذا العنصر من الأهمية البدء به- فهو ذو تأثير بشكلٍ أو بآخر على باقي الجوانب الأخرى، وقد تجيء هي الأخرى صورًا وإنعكاسًا لهذا المحور.

هل تقوم حضارة على عنصرٍ واحد دون باقي العناصر؟

بالطبع لا تُبنى أيَّة حضارة على عنصرٍ واحد دون غيره، وإلّا أصبحت عرضةً للمخاطر والكوارث؛ ولكن قد توصف حضارة بسِمة معيَّنة ومظهر خاص بها لما له من قوة وفاعلية.

وهذا الأمر نراه واضحًا جليًّا على معظم الحضارات التي عرفتها البشرية منذ القدم، فمنها ما اشتهر بالكتابة وسائر الفنون كالحضارة الفرعونية حتى يمكننا القول أن تاريخ هذه الحضارة قد سجل على جدران معابدها، ومنها ما اشتهر بالزراعة كحضارة بلاد الرافدين، والحضارة اليونانية التي اشتهرت بالتربية والفكر، والسمة الظاهرة على الحضارة الفارسية هي التربية العسكرية والسطوة والنفوذ. ومن ذلك نستطيع القول أن الحضارة في مجملها: هي التقدم والنهوض بكل ما تحمله الكلمة من معنى تفنن في مجالات الحياة المتعددة، وبقدر تأثير الحضارة في الحضارات الأخرى تكون قوتها وبقائها.

هل تدوم الحضارات وتبقى دون أن تموت وتنهار؟

هناك اتجاه سائد في الأوساط الفكرية وعند مفكري الحضارة وعلماء الاجتماع “أن الحضارات لا تدوم”، وأنها قد تموت وتنهار -وهو الراجح- لسُنَّة كونية أرادها الله في إعمار الكون، وللعبرة بالنظر في أحوال الأمم السالفة، أو بأفعال الطبيعة وقوانينها.

الثقافة ودورها في بناء الحضارات

اعتُبرَت الثقافة وما تزال أمرًا غامضًا ومعقدًا وسرًا ملثمًا كما وصفها الأديب محمود محمد شاكر في مؤلفه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا):

 “الثقافة –أعلم– تكاد تكون سرًا من الأسرار الملثمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر. وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع، لا يكاد يحاط بها، مطلوبة لكل مجتمع إنساني” (4).

ذلك الغموض والتعقيد مرجعهما الجهل بالمصطلح ومدلولاته. فهي كل مركب مما توصل إليه الإنسان في عصوره المختلفة من العلوم والفنون والآداب، وكل ألوان التفكير العقلي، وهي صورة ذهنية تصورية تنطبع في شعبٍ معين وأمة معينة كصفةٍ لها. فطرق التفكير ومشاعر الأفراد داخل مجتمع من المجتمعات يمكن أن يطلق عليه ثقافة. ولمّا كانت الحضارة في صورتها النهائية تقوم على عنصري الفكر والمادة، والفكر كما ذكرنا، هو الثقافة. إنها قنطرة العبور من التخلف والجهل إلى الحضارة وركبها بتطويع “المادة”واستغلالها على الوجه الأمثل.

ولا يمكن أن يُتصوَّر أن تقوم حضارة دون ثقافة تكون بمثابة حصن منيع لضمان بقائها وإستمرارها، وهذه الثقافة لها صور متعددة في المأكل والمسكن، في طرق العلاج، في البناء، وغيرها، وتكون أقوى صور الثقافة تلك التي تكون بين الأفراد بعضهم البعض فكرًا وتعاملًا وسلوكًا. ولهذا فتقاس الثقافة ظهورًا بين أفرادها وانتشارًا بين الثقافات المتعددة الأخرى، وهو ما يُفسر لنا نظرية “التأثير والتأثر” الناشئة بين الحضارات.

وتلعب الثقافة دورًا هامًّا في تعزيز الحضارة وترسيخ هيمنتها داخل إطار الحضارة الإنسانية، فللحضارة بوجه العموم فلسفة في النهوض، فلسفة تعتمد على حرية التفكير والبحث عن سبل التقدم، ولها أيضًا فلسفة في التخلف، فلسفة تعتمد فكر الجمود والتبعية والقابلية للركود.

ومن هنا نستطيع القول بأنَّ الثقافة تنشأ تحقيقًا لذاتية وقومية مواطنيها، وتوصيفًا لآدابهم وعوائدهم وتطلعاتهم نحو الفاعلية في الحضارة وطرق إسهامهم فيها، وهي وسيلة أساسية لتحقيق التواصل الفكري والتنوع المعرفي لبناء الحضارات.

“يتضح إذًا دور الثقافة في بناء الحضارات وارتقائها وهو دور لا يقل أهمية عن باقي العوامل الأخرى كالطبيعة ودورها على سبيل المثال؛ فالإنسان لا يكون قادرًا على تفهم مشكلات الحضارة المتمثلة في عوامل القيام وأسباب السقوط والانهيار إلا أن يكون لديه رصيد ثقافي كبير”.

ولكي تعود الثقافة لمهمتها الأساسية في إقامة الحضارة وبناء أسس النهوض والتقدم يجب تنقيتها مما لحق بها من شوائب ودخائل على مرِّ العصور. وإن استطاع الإنسان أن يحل مشكلته الثقافية فإنه يكون قد حلَّ مشكلته الحضارية وتفهمها وقطع شوطًا في طريق المدنية والتمدُّن.

ما التمدُّن وما هي صوره؟

إذا كانت الحضارة تلك المنجزات المادية، والثقافة هي الصورة الروحية الفكرية، فإن عنصري الريادة والسيادة قد تحققا.

“تمدن الوطن عبارة عن تحصيل ما يلزم لأهل العمران من الأدوات الأزمة لتحسين أحوالهم حسًا ومعنى، وهو فوقانهم من تحسين الأخلاق والعوائد وكمال التربية وحملهم على الميل إلى الصفات الحميدة واستجماع الكماليات المدنية والترقي في الرفاهية” (5).

ولما في النفس الإنسانية من حب السيطرة والغلبة والهيمنة، يسعى الإنسان لتأمين ذلك وطلبه مما توفر له من كماليات الحضارة وعمرانها. فهو يسعى ألا يعود لخشونة العيش وغلظة الطبائع، وبالتالي يسعى إلى العكس من ذلك من رقة الطبائع والمعاملات، وهو الوجه الحقيقي للتمدُّن.

يقول ول ديورانت: “إن المدنية في وجه من وجوهها هي رقة المعاملة، ورقة المعاملة هي ذلك الضرب من السلوك المهذب الذي هو في رأي أهل المدن، وهم الذين صاغوا حكمة المدنية من خصائص المدينة وحده” (6).

فيقاس التمدُّن على ما تملكه المجتمعات من أساليب الراحة ووفرة النعمة ونمائها. إذن فالتمدُّن هو ذلك المركب من الحضارة ومنجزاتها المادية، والثقافة وما تحويها من معارف وفنون وينتج من ذلك المدنية والتمدُّن في لحظة يسطرها التاريخ.

التاريخ والحضارة، تكامل أم تضارب؟

يعتقد الكثيرون من الناس أن التاريخ -فقط- هو ماحدث ووقع في الماضي وجار عليه الزمان، إلا أنه حتى تلك “اللحظة” التي يعيشها الإنسان الآن يُسطر التاريخ -بوجه أو آخر- للأجيال القادمة، وهذا القول هو ما يفسر لنا كيف اندثرت الحضارات وتوقفت بعضها؛ فالتاريخ لا يهتم بالزمان قدر ما يهتم لوجود الإنسان فيه.

ولا يمكن بأي حال أن تستمر حضارة بدون أن ينقل تراثها الحضاري إلى الأجيال التالية نقلًا أمينًا دون تحريف أو تبديل.

يقول ابن خلدون: “ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكرٍ صحيح وعلم مبين يغوص في مسائلة (العمران) على أكثر مما كتبنا ” (7).

والتاريخ يسطر لنا كيف أن حضارات في غابر الأزمان قد انقرضت، ولكن فلسفة الحضارة باقية. كيف يمكن تفسير الحضارة في ضوء الماضي والحاضر والمستقبل بدون تاريخ، هو بالتالي المعيار الذي يمكن الحكم به على ما وصلنا إليه من تقدَّم وسبق حضاري من عدمه.

فالتاريخ يحمل في طياته رحلة البشرية جمعاء عبر الزمن، وهو الجزء الأهم فيه والذي لا يمكن استرداده مرة أخرى، وهذا المعنى الذي يحمل لنا صيرورة التاريخ هو الذي يفسر لنا كيف تنشأ الحضارة، ومراحل الحضارة وأطوارها تماما لمراحل الإنسان الطبيعية ابتداءً من الطفولة ومرورًا بالشباب فالكهولة وانتهاءً بالموت والفناء. والتاريخ في جميع الفترات السابقة شاهد حاضر وناقل أمين، وناقد حذق للأجيال القادمة.

ففي فلسفة التاريخ -الزمن المنقضي- بعدًا ميتافيزيقيا كيف يقرأ التاريخ؟ وكيف يكتب؟ إذ كان بالإمكان تسطير حروفه الآن وتعفي الأجيال اللاحقة مهمة البحث عن مفاتيحه وفهم طلاسمه، إنها دعوة التاريخ المتجددة كل -ثانية- إلى العمل واستثمارها أفضل استثمار، فالتاريخ بكلِّ الأحوال ماضٍ دون أن ينظر إلى هؤلاء الذين يغطون في نومهم العميق.

المصادر
(1) صامويل هانتغتون: "صدام الحضارات"، إصدار مجلة شئون الشرق الأوسط، مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، 1995م، ص18، 19.
(2) عبد الرحمن بن خلدون: "مقدمة ابن خلدون"،مراجعه سهيل زكار ،دار الفكر ،بيروت-لبنان، 1421ه-2001م ،ص54.
(3) مالك بن نبي: "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، ترجمة د/بسام بركة وآخرون، دار الفكر المعاصر، بيروت-لبنان، ط الأولى 1988، ص41.
(4) محمود محمد شاكر: "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، 1997م، ص28.
(5) رفاعه الطهطاوي، المرشد الأمين للبنات والبنين، جـ الثاني، ص469، ضمن الأعمال الكاملة لرفاعه رافع الطهطاوي، تحقيق/ محمد عمارة.
(6) ول ديورانت: "قصة الحضارة"، الجزء الأول، ترجمة د/ ذكي نجيب محمود وآخرون، دار الجيل، بيروت، 1408هـ، 1988م، ص5
(7) ابن خلدون :"المقدمة، ص 840

 

فريق الإعداد

إعداد: مصطفي شحات نافع

تدقيق لغوي: مرح عقل

تدقيق علمي: أمنية أبوبكر

الصورة: gettyimages

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...