تأخذك إلى أعماق الفكر

غواية الكتابة

تيتانك في ترعة ميت يزيد!
اتَّسَعَتْ عيناك دهشةً إثرَ قراءةِ هذا السطر؟!
لا بأس. هذا أمرٌ صحيٌّ تمامًا، لا يستدعِي القلق!

ما أريدُه منك الآن، هو أن تُطبقَ جفنيك، وتتأمَّلَ قليلًا في هذا اللون الدَّاكن الأملس الذي قد يميلُ أحيانًا – إذا كنتَ جالسًا في مكانٍ شديدِ الإضاءة – إلى اللون البرتقالي (أو لون ثمرة الكاكا الذي لا أستطيعُ أن أصِفَه!). هل لمستَ بقرنيتيكَ ظُلمةَ الإغماض؟ حسنًا. تخيَّل الآن السفينةَ العملاقةَ (تيتانك) – قبل تحطُّمِها بالطبع – تحاول أن تعبر ترعةَ (ميت يزيد). لن تواجهَ صعوبةً بالتأكيد في طباعةِ صورةٍ هولوجراميةٍ من (تيتانك) على بعض خلايا قشرتك المخية، لكنَّ تخيُّلَ ترعة (ميت يزيد)، يقتضي أن تكونَ من سكان محافظة (كفر الشيخ) أو (الغربية)! لن أزيد الأمرَ صعوبةً، ولتتخيل أيها القارئُ أيةَ ترعةٍ لا يزيد عرضُها عن أربعة أمتار، واجعل (تيتانك) تحاول المرور منها!

لكن… ما عَلاقة هذا بالكتابة؟

لن تتفقَ لك إجابة هذا السؤال بالكلمات المكتوبة، ولا المنطوقة، ولا بأيةِ وسيلةٍ غير الشعور الخالص المُجَرَّد الذي سيسري كالخَدَرِ في أعصابك وأنت مغمض العينين، محاولًا استنباطَ الحكمةِ المتواريةِ خلفَ هذه الصورة التي قد تراها هزليَّةً، وقد يراها غيرُك مؤلمةً أشدَّ الإيلام!

تيتانك في ترعة (ميت يزيد)!

ما هذا الخبل؟!

إنَّ من ضمن الخبرات التي اكتسبتُها في طفولتي، أن السفينةَ لا تسيرُ إلا في الماء! يا لها من خبرة عجيبة! ولذلك أدركتُ مبكرًا المفارقةَ الغريبةَ التي جعلت قوم نوح يستهزئون به حين وجدوه يعمل جاهدًا في بناءِ سفينةٍ عملاقةٍ، بعيدًا عن أيِّ مسطَّحٍ مائي! هذا أمرٌ مضحِكٌ جدًّا لأيِّ إنسانٍ افتقدَ الإيمان!

إعلان

لكنَّ هذه الخبرةَ الطفوليةَ القديمةَ، غيرُ كافيةٍ لأن تجعلَني بحَّارًا عظيمًا، أو جنديًّا في سلاحِ البحرية. هنالك أمورٌ أخرى أشدُّ تعقيدًا، ستتبيَّن لك حين تحل هذا اللغز!

لديك سفينة ضخمة، وأمامك ممرٌّ به ماء، ومن خلفِك جيشٌ يطاردك. هل ستستطيع الفرار؟

قد يقول الطفل دون تدبُّرٍ، ودون خبرةٍ كافيةٍ: نعم!

لكنَّ الواقع يأبى تمامًا أن يتحقَّقَ هذا الأمر في جميع الأحوال.

وجودُ الماءِ لا يعني أن السفينة يمكنها الإبحار!

ولعل هذه هي مشكلتي الكبرى فيما يتعلَّق بغَواية الكتابة ، التي صَحِبتني منذ أن كنتُ في الحادية عشرة من عمري، ولا تزال إلى اليوم تصاحبُني. إنه إغواء الفكرة والفضول، والقلم والأوراق، والرغبة في إتمامِ دورةٍ من دورات السعادة، قبل أن أبحثَ عن سببٍ لها جديدٍ!

لديك ذهنٌ قلقٌ كماردٍ يريد أن يفارقَ الزجاجةَ التي سُجِن فيها. ولا سبيلَ لإزالة سدادة الزجاجة غير أن تُمسِكَ بقلمٍ، وتخطَّ به على ورقةٍ سُلَافةَ رُوحِك. لكنَّك برغم هذا تعلم أن مجهودَك كلَّه مصيره إلى سلَّة المهملات، وأنك ستظل مسجونًا! ما أضيعَ ما فعلتَ! وزَّعتَ رُوحك (العملاقة) بين دفاترِكَ، ومؤلَّفاتِكَ التي صدر بعضُها، ولا يزال أغلبها ينتظر النشر، وفي النهاية لم تستطع المرور من ترعة (الوَسَط الثقافي)!

لا شكَّ أن في مصرَ قراءً، لكنَّ عددهم للأسف محدودٌ جدًّا، كالماء الذي يمرُّ ببطءٍ بين ضفتي الترعة الضَّحلة النحيلة. ولا شكَّ أن في مصر أدباءَ عظماء، لكنَّ قلةَ القرَّاء الذين تسير بأكفِّهم عجلةُ الثقافة، تجعل قدرةَ الكُتَّاب على التقدُّم إلى الأمام، والتفرُّغ للكتابةِ الجادَّةِ، والاعتماد عليها للكسب، جِدَّ محدودة.

إن الفِكرَ هو الرأسُ الذي يحوي (نظام تشغيل) أي حضارة، ولا بد لهذا الفكر من أيدٍ ومن أقدامٍ لكي يُحدِثَ تغييرًا إلى الأفضل. لدينا رُءوسٌ ضخمة، لكنَّ أقدام ثقافتنا كأقدام (أم أربعة وأربعين)!

سفينةٌ عملاقةٌ، تحاول العبور من ترعة (ميت يزيد)!

والسؤال الذي يجب أن أطرحَه هنا: لماذا أكتب ما دام (مجرى) الثقافة ضَيِّقًا؟!

قد تندهش حين أخبرُك بأنني أصبحتُ أتعاملُ مع الكتابة على أنها نشاطٌ فسيولوجي كالتنفُّس والهضم، لا بد وأنْ أمارسه لكي تستمرَّ حياتي. إن منعي عن القلم والورقة، لا فرق عندي بينه وبين أنْ أُمنَعَ من الطعام، أو أنْ أُسجَنَ في غرفةٍ مع قنبلةٍ تنبعث منها أبخرةُ غاز مسيل للدموع! ولعلَّ هذا هو التفسير الوحيد لاستمراري في أداء هذا النشاط غير المجدي، رُغمَ كلِّ الظروف التي تصرخ كلَّ لحظةٍ قربَ المطرقة والسندان والركاب (عُظَيمات أذنيَّ!): “لا تستمرّ. توقف عن الكتابة. لا جدوى”.

هذا هو المبرِّرُ الوحيدُ لاستمرارِ رغبةِ أصابعي في معانقة القلم، واستطابةِ راحتي توسُّدَ الأوراقِ الناعمةِ. ولذلك لا أجدُ غرابةً في إعراضِ كثيرٍ من أصدقائي المبدعين عن مواصلة هذا الطريق المليء بالأشواك، وتفضيلهم الحياة الروتينية المَحضة عليه (الزواج – الإنجاب – الدوران في الساقية – استعباد الوظيفة التي لا يكفي راتبها إلا للطعام والشراب وعلاج الأمراض البسيطة، مقابل عشر جلدات يوميًّا بالكرباج السوداني!). لا عجب. لقد افتقدوا الحافز الفسيولوجي للكتابة، ولذلك فطنوا إلى عبثيةِ الاستمرار!

ولا معنى لحرصِ أحدٍ على الكتابة غير أن يكون مثلي، يتنفَّسُ كلماتٍ، ويمضُغُ كتبًا!

لو قابلتَ في المترو طبيبًا عظيمًا ذاعت شهرته في القرن الرابع عشر الميلادي، وجاءت به إلى عصرنا آلةُ الزَّمن. هل سيستطيع أن يفتتحَ عيادةً ليتكسَّب منها، وهو أعلم أهل زمانه بنظرية (الأخلاط الأربعة) وأفعال الأعشاب والأغذية في (عُضْوٍ عُضْوٍ) وَفق تعبير ابن النفيس؟ لن يستطيع. وكذلك لو أُحضِر إلى عصرنا بنفس آلة الزمن خبيرٌ في الخيمياء القديمة، أو حتى في تصليح الراديوهات (الفيليبس) التي انقرضت، أو تبييض النحاس. لن يختلف الحال!

نحن الكتابَ نعرض سلعةً، جمهورُها غيرُ كافٍ لاستمرارِها، لأن صناعة (الإبداع والنشر)، لا بد لها من مستهلِك.

إذا أردنا أن نجد للنشاط الفسيولوجي الذي نمارسُه بأقلامِنَا سُوقًا، فيجب أن نُوجِد له أولًا جمهورًا. أن نخلُقَ آذانًا تتذوَّقُ السيمفونيات التي تكاد تختنق بها نوتاتنا والكمنجات!

هل سيظهر يومًا ما جيلٌ، لا يتصوَّر أفرادُه أن تستمرَّ حيواتُهم دون قراءةٍ؟!

هل ستصبح قراءةُ أقل من أربعة كتب في الشهر أمرًا مرفوضًا اجتماعيًّا يعاني فاعلُه نظراتِ الامتعاض التي تُوجَّهُ اليومَ لأيِّ شخصٍ يشخر ويسب الدين لمن يُحدِّثه في الموبايل وهو جالس داخل ميكروباص، أو في مصلحة حكومية؟

قبل أن تحدث هذه التغييرات الثورية، سيكون من العبث أن أتخيَّل كِتَابًا لأحد المبدعين المصريين تتجاوز مبيعاته مليون نسخة، أو أن أتوهَّم أن ترعة (ميت يزيد) أصبحت بعرض قناة السويس!

نرشح لك: الكتابة كعملية لفهم الذات الواقع

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد أحمد فؤاد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.