شذرات عن الشعر

من بين أوجه النقد التي وقف عندها المفكر السوري جورج طرابيشي، ووجها للمفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه الضخم؛ “نقد العقل العربي”، تلك المتعلقة بماهية المعجزة العربية والحضارة الإسلامية، ففي الأولى يقول الجابري “إذا كانت الفلسفة هي معجزة اليونان، فإن علوم العربية هي معجزة العرب”([1])، أما بخصوص الحضارة الإسلامية، فيرى الجابري: “أنه إذا جاز لنا أن نسمي الحضارة الإسلامية بإحدى منتجاتها فإنه سيكون علينا أن نقول عنها (حضارة فقه)، وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانية حينما نقول عنها (حضارة فلسفة)، وعلى الحضارة الأوروبية المعاصرة حينما نصفها بأنها (حضارة علم وتقنية)”([2]) هذا من وجهة نظر الجابري.

أما من وجهة نظر االطرابيشي فالحضارة العربية عنده أي “الحضارة التي أنتجها العقل العربي أو التي أنتجت هذا العقل، كانت حضارة شعر بقدر ما كانت حضارة -على الأقل- حضارة فقه”([3]).

ما يمكن استخلاصه من شاهد القول لطرابيشي، أن الشعر جزء من الحضارة ومقوم من مقوماتها. فلماذا الشعر؟ “إن الشعر ككل إبداع فني جميل مرتبط بالتجربة الإنسانية بكل أبعادها الوجودية والمعرفية والثقافية والحضارية، ويخطئ من يعتقد أن أمة يمكنها أن تعيش بدون شعر، أي بدون عمق روحي وبدون بعد إنساني. إن كتابة الشعر مرتبطة أيضًا بنسيج اللغة والذاكرة وبتجربة الجسد الإنساني بما هو كتلة من الحواس اليقظة، وفضاء متنقل يعج بالمشاعر والآلام والأحلام والآمال والرغبات”([4]).

والشعر كما يصفه أدونيس: “هو العلاقة التي يقيّمها الإنسان مع الإنسان، أي مع ماهيته الخاصة، عبر الطبيعة. ولهذا، يخلو التاريخ من الشعر، بالمعنى الإبداعي (الفني الواسع)، فإنه يخلو من البعد الإنساني الحقيقي. ومن هنا كان الشعر، بمعناه هذا، أكثر من وسيلة أو أداة، كما هي التقنية: إنه بالأحرى، طبيعة كاللغة نفسها، فهو ليس مرحلة في تاريخ الوعي الإنساني، وإنما هو عنصر في بنية هذا الوعي”([5]).

في سياق البحث حول تعريف النص الأدبي، أورد الناقد عبد الفتاح كيليطو تعريفين للنص الأدبي([6]): في التعريف الأول للنص الأدبي أنه: “إحالة على عالم الأشياء و شخصيات وأحداث خيالية”؛ ويرى في التعريف الثاني: ” النص الأدبي يتميز بتقسيم الإمكانيات اللغوية، بحيث أن وظائف الكلام الأخرى تكاد تنمحي لتترك المجال لنظام من العلاقات الدقيقة بين عناصر النص، علاقات تتجلى مثلًا في الوزن والقافية والجناس والطباق”.

إعلان

يرى صاحب “الأدب والغرابة” أن التعريف الأول ينطبق على المسرحية و الرواية، بينما التعريف الثاني، ينطبق على الشعر على وجه الخصوص. وهو ما يعننا نحن في موضوعنا.

يقارب كيليطو في تصنيف الأنواع الأدبية -أي النصوص- انطلاقًا من قاعدةٍ تحدد النص: “قبل كل شيء بما ليس في الأنواع الأخرى”([7]). وقد توقف الباحث عند نوع النثر والنظم؛ إذ أن الأول يعني “التشتت والتبعثر” بينما الثاني يعني “الترابط والتماسك”، كما شبه النَظْم بأنه أشبه بالخيط الذي يجمع الدُرر ويحفظها من التبدد والضياع”([8]).

يذهب بعض المفكرين أن أول أدب للبشرية بدأ بالشعر: “فكان شعراؤها هم حكماؤها، وعلماؤها ومشرعوها، لم يكن هوميروس والتراجيديون اليونان مجرد شعراء أو أدباء فقط، بل كانوا أصحاب معرفة ودين وأخلاق وسلوك وإرشادات للحياة العملية، بل كانوا أيضًا واضعي قوانين فكل مدينة يونانية أسسها إما مشرّع أوبطل، لم يخلق الشعراء العالم كما خلقه الله ولكنهم خلقوه بالخيال، اللفظ اليوناني Poetikos مشتق من فعل Poein أي يفعل أو يخلق”([9]).

للشعر في التراث العربي، مركزية خاصة، فهو “ديوان العرب” الذي يضم شذرات عن تاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والأخلاقية والدينية والجمالية للعرب قديمًا.

لقد كان الشاعر العربي قديما يحظى بمكانةٍ عالية عند القبيلة؛ نظرًا لما له من دور مهم في الحياة الإجتماعية، فهو لسان القبيلة و”ضميرها الجمعي” الذي يعبر عن مكنونات ووجدان القبيلة، وهذا ما جعل القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، تقوم الأفراح على نبوغ شاعر فيها، وهذا ما ذهب إليه صاحب الطبقات ابن سلام الجمحي.

الشعر في رأي البعض مرتبط بالفطرة “إذا كان كل إنسان ذو استعداد طبيعي قادرًا على تعلم صناعةٍ ما، فإن الشاعر إن لم يكن شاعرًا بالفطرة، فإنه لا يستطيع أن يتعلم الشعر صنعة”([10])، ومن الأسئلة التي طرحت حول الشعر، من أين تأتي قريحة الشعر؟ فهناك اختلاف على ما ذكر عند علماء الشعر والنقد والنحو القدامى: “وقد اختلف في الشعر كيف اتفق لهم فقد قيل إنه اتفاق. “في الأصل غير مقصود إليه على ما يعرض من أصناف النظام في تضعيف الكلام، ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه الأسماع، وتقبله النفوس، تتبعوه من بعد وتعلموه”_أبو بكر الباقلاني_ (إعجاز القرآن ص95-96). وهو ما يؤكده ابن رشيق القيرواني، في سياق حديثه إلى انتقال العرب من التعبير نثرًا إلى التعبير شعرًا بقوله: “فتوهموا أعاريض جعلوها موازين للكلام فلما تم لهم وزنه، سموه شعرًا لأنهم شعروا به أي فطنوا”([11]).

فالشعر: “هو الذي يعطي الأشياء الميتة معانيها مستمدًا إياها من عواطف البشر وانفعالاتهم، ويكون الشعراء كالأطفال الذين يتحدثون مع لعبهم وكأنهم يتحدثون مع أشخاص أحياء. وهذا يثبت أن الناس بطبيعتهم شعراء في مرحلة الطفولة، وأن الإنسانية تتحدث بالشعر وهي في البداية في طفولتها الأولى”([12]).

المصادر والمراجع
([1]) محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي(1): تكوين العقل العربي، ط10 (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 80.
([2]) محمد عابد الجابري،المرجع السابق، ص 339.
([3]) جروج طرابيشي، « مدبحة التراث في الثقافة العربية المعاصر». الطبعة الثالثة (بيروت : دار الساقي، 2012)، ص 80.
([4])افتتاحية، « يوم كوني للشعر » الملحق الثقافي -العلم، 23/3/2001.
([5])أدونيس، الشعرية العربية، ط2(بيروت، دار الأدب، 1989)، ص 106.
([6])عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة: دراسة بنيوية في الأدب العربي. ط1 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006)،ص23-24.
([7]) عبد الفتاح كيليطو، نفسه، ص 26.
([8]) نفسه، ص 28.
([9]) حسن حنفي، « فلسفة التاريخ عند فيكو»، مجلة كلية الأدب والعلوم الإنسانية بفاس، المجلد(بدون رقم). العدد 7(1983-1984) (من ص37-74) ، ص58.
([10]) حسن حنفي، المرجع السابق، ص51.
([11])صلاح بوسريف، « رهان التحديث في الشعر العربي» الاتحاد الاشتراكي، 11/4/1993.
([12]) حسن حنفي، المرجع السابق، ص 50.

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: اسماعيل الراجي

تدقيق لغوي: رنا داود

اترك تعليقا