تأخذك إلى أعماق الفكر

سيكولوجية استخدام المِيمز وَالإيموجي والـ GIFs 

إن سبق لك استخدام الإنترنت أو هاتفك الذكي مؤخراً فَعلى الأرجح أنّك لاحظت انتشار بعض صرعاتِ الإنترنت على هيئة إيموجي أو ميم أو GIF، ونظراً لأن انتشارها يتضاعف عبر الشاشات والمواقع الإلكترونية ورسائل البريد الإلكتروني -وهو أمر غريب نظراً لأن البريد الالكتروني يستخدم عادة لِلرسائل ذات الطابع الرسمي- فنحن نواجه ورطةً نحتار فيها حول إمكانية استخدام هذه الصرعات في التواصل الرسمي الذي يتعلق بالعمل. فهل هنالك طريقة ملائمة تمكّنك من استخدام الـ GIF عندما تتواصل مع زبونٍ ما أو مع رئيسك عبر البريد الالكتروني؟ فيستحيل -في عصرنا هذا- أن تُرسل أو تستقبل رسالةً نصيّة دون التعبير عن مشاعرك عبر استخدام الإِيموجي -أي الصور الرمزية.

ولكن لا تقلق إن بِتَّ تشعر بالضياع في خضم هذه المصطلحات الغريبة، وذلك لأننا سنوضِّح لك الفروقات بين صرعاتِ الإنترنت هذه عبر مقالنا هذا؛ ثم سنثبت لك أنّ هنالك جانباً سيكولوجياً فيما يتعلق باستخدامها، كما وسنفسر لك السبب وراء اعتقادنا بأن استخدام الإيموجي أو الميم قد يكون خياراً موفَّقاً للبريد الإلكتروني المتعلق بعملك الذي سترسله لاحقاً.

شرح عام 

سنشرع بدايةً في مشاركة تعريفاتٍ وأمثلةٍ لِصرعات الإنترنت هذه -إضافة لموقفنا تجاهها- وذلك لنتشارك فهمًا عاماً لها. يشير اختصار GIF إلى Graphics Interchange Format والذي يعني نسق الرسوم المتبادلة؛ أي أنّه فيديو قصير تمَّ اقتصاصه من مسلسل أو فيلم أو من الثقافة الشعبية، ويتميز بأنه يتكرر بلا توقف، وعادةً ما يكون مقطعاً قصيراً، وقد تراه معروضاً في إحدى المواقع الإلكترونية باعتباره رسماً متحركاً بهدف إرشادك نحو القيام بشيءٍ ما. 

أما بالنسبة للميمز، فهي فكرة أو سلوكٌ انتشر كانتشار النار في الهشيم بين أتباعِ ثقافةٍ ما، ولكن حرصاً منا على إبقاء التعريف بسيطاً، سيكون التعريف محصوراً في حدود الميمز التي تنتشر عبر شبكة الإنترنت، وبذلك يُمكن تعريف الميمز بأنها تلك الصور الرائجة التي تم تصميمها بحيث تحتوي على نصٍّ ما، كما وتمتاز بأنّ لها طابعاً فكاهياً خفيّاً وبِوجود حكايةٍ مرتبطة بأصل الصورة المستخدمة، لذلك احذر قبل أن ترسل إحداها لجميع من يعملون معك. 

وأخيراً وليس آخراً؛ لنستكشف عالم الإيموجي (الرموز التعبيرية). فنحن جميعاً نحبها ونادراً ما نرسل رسالةً نصيةً أو نغرّد تغريدةً دون إرفاق إيموجي واحد أو ربما أربعة، فإن لم تقم بإضافة لوحة مفاتيحٍ تحتوي على هذه الرموز التعبيرية إلى الآن، فنحن نشجّعك على القيام بذلك، أما إن كنت تمتلك جهاز ماك بوك، يمكن استخدام الإِيموجيز بشكل مباشر عبر لوحة مفاتيح جهازك -وذلك بالضغط على Control + Command + Spacebar. ومن الجدير بالذكر أن هنالك المئات من الرموز التعبيرية المتوفرة عبر فضاء الإنترنت والتي تم تصميمها تبعاً لمنظمة مجمع يونيكود غير الربحية.

إعلان

الإيموجي 

لا بد أنّك على علمٍ بالجدل الذي يتمحور حول الادعاء التالي:

إنّ ارتفاع معدل استخدام كلٍّ من الرسائل النصية والتغريدات التي لا يزيد طول الواحدة منها عن 140 رمزاً ولغة التواصل الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت قد خلق جيلاً من ألمعيي الإنترنت الذين يواجهون صعوبة في استخدام قواعد اللغة ويعانون من تدنّي مستوى ثقافتهم ويستصعبون الكتابة بشكلٍ عام. أما معارضو هذا الإدعاء فَيزعمون أنّ استخدام الرموز التعبيرية -أو ما يُعرف بالإيموجي- قد يلحق الضرر بالقدرة على التواصل بالنسبة للأطفال الذين لا يزالون في طور تعلم كيفية التواصل بشكلٍ سليم، ولكنه لا يؤثر علينا كَبالغين بالقدر نفسه. 

ولكن قبل أن ترفض رفضاً قاطعاً استخدام الرموز التعبيرية والـ GIFs في المواقف ذات الطابع الرسمي، خذ بالحسبانِ عدد المرات التي تقرأ فيها مشاعرَ ولغة جسد الشخص الذي تتواصل معه وجهاً لوجه. فهل سبق لك أن تلقّيت بريداً إلكترونيّاً لم تستشعر فيه نبرةَ المرسل أو لم تفهمها؟ لقد مررنا جميعاً بالموقف السابق؛ فمع اختفاء تعابير وجه المتحدث وحدَّة صوته ولغة جسده، يُلقى على عاتق الواحد منا تفسير حيادية أو تحيز نوايا المرسل التي تقبع مختبئةً خلف كلماته المطبوعة. أي أن الرموز التعبيرية تتيح لنا أن نعبر عن مشاعرَ قد تضيع إن لم نَستعِن بها -وبذلك نرى أن استخدام الإيموجي لا يؤثر على قدرتنا على التواصل البشري.

وأشار ما نسبته 72% من الشباب والشابات الذين تتراوح أعمارهم بين 18 والـ 20 عاماً في استبيان وُزِّع في المملكة المتحدة أنّ استخدام الرموز التعبيرية يسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم بشكل أفضل. ورغم أن مشاركة مشاعرك مع من يعملون معك ليس بالأمر المُحبب، إلا أن الرموز التعبيرية قد تكون بديلة عن إيماءات الجسد ونبرة الصوت ولغة الجسد -وهذا ما يشاركه الواحد منا باستمرارٍ مع زملائه في مقر عمله. حيث خلصت دراسة أجرتها شركة Emogi المختصّة بالتسويق العاطفي إلى أنّ الأفراد يستخدمون الرموز التعبيرية بهدف خلق رابطٍ شخصيٍّ مع المتلقي ولأنهم يرون أنها تساعد المُتلَقي على فهمهم بشكلٍ أفضل. كما وأشار البحث إلى أنّ الأفراد يتفاعلون مع الرموز التعبيرية بالطريقة نفسها التي يتفاعلون فيها مع تعابير وجه الإنسان -وهو ما يُعتَبَر أمراً رائعا. فقد ضربت الرموز التعبيرية و زر الإعجاب بالمنشورات الإلكترونية بجذورها عميقاً في ثقافتنا لدرجة أننا قمنا بتدريب استجابتنا العصبية على التفاعل مع الإيموجي كما تتفاعل مع شخص يتحدث معنا وجهاً لوجه.

ولكن لا يغرنّك الأمر؛ فرغم أنّ علم النفس ينصحنا باستخدام المزيد من الإيموجي والـ GIFs في تواصلنا مع العالم، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن استخدامها مرحبٌ به في مقر العمل. 

الـ GIFs

يعالج الدماغُ المدخلات التي يراها عبر مقاطع الفيديو بشكل أسرع بمقدار 60,000 مرة مقارنة بسرعة معالجته لمدخلاتٍ يقرأها عبر نصٍ مكتوب؛ وهذه سرعة خارقة حسبما نعتقد. ويعني ذلك أنّ الـ GIF الذي أَرفقته في رسالة البريد الإلكتروني يحتمل أن يحث المستقبل على إرسال ردٍ مفهومٍ أكثر من الرد الذي ستستقبله في حال كتابتك لنكتةٍ سخيفة. فَالقراءة تتطلب منك صبَّ كامل تركيزك نحو النص ومن ثم معالجة البيانات المقروءة وفهم الكلمات -وبذلك نرى أنّ القراءة بتركيزٍ تام تتطلب تسخير طاقة دماغيةٍ جمّة. ولكنَّ الفيديوهات تتيح لنا المجال لنكون أكثر كسلاً ولنستخدم مقداراً أقل من الطاقة لفهم ما يحدث عبر الشاشة. فكم مرةً غفِلت فيها عن بعض التفاصيل الهامة أثناء تفقدِك لبريدك الإلكتروني في خضم مشاعر الخمول والنعاس والكسل التي تداهمك فترة الظهيرة؛ لذلك مِن المحتمل أنّ متلقيّ بريدك الإلكتروني المُرهَقين قد تغاضوا عن محتوى رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلتها لهم. وبذلك نرى أنّ إرفاق GIF في رسالة البريد الإلكتروني يعتبر وسيلة رائعة للفت انتباه المتلقين ولِإيصال فكرتك لهم بأسلوبٍ يكاد يكون عالميّاً. وتعتبر هذه الطريقة مثالية لاستخدامها خلال فترة الظهر التي يكون فيها المتلقون أشد نعساً وخمولاً. 

الميمز

الميمز

جاء Richard Dawkins -البروفيسور في جامعة أكسفورد- بمصطلح الميمز عام 1973 دون أن يشتمل المصطلح في تعريفه على ميمز الإنترنت الشائعة في عصرنا هذا. حيث يشير التعريف الأصلي إلى عملية نقل الأفكار والكيفية التي تتغير فيها هذه العملية من شخصٍ لآخر، إضافة إلى الكيفية التي تتغير من خلالها هذه العملية بحيث تتأقلم مع الثقافة المحيطة بها أثناء تطور هذه الثقافة. أما فيما يتعلق بِالميمز التي تراها منتشرة كانتشار النار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي أو تجدها مطبوعةً على لوحات الإعلانات في مقر عملك فهي مصطلحات شائعة في الثقافة الشعبية تشير إلى ما هو شائع في ثقافة معينة دون غيرها. فمشاركة المصطلحات الشائعة بين أفراد ثقافة شعبيةٍ ما يتيح لهم إنشاء رباطٍ اجتماعيٍّ متين بينهم -وكأنهم يتشاركون نكتة داخلية لا يفهمها إلا من ينتمون لمجموعة مغلقة ما- وذلك لأن ما خفي وراء الكلمات الحرفية للميم أعظم بكثير. فإن كنت تسعى لإنشاء رابط متين بينك وبين زبون أو زميلٍ صعب المراس، فَننصحك بالبحث عميقاً حوله؛ فقد تكتشف الفكرة المفضلة لديه في الثقافة الشعبية وتستخدمها كنكتةٍ داخلية بينكما على هيئة ميم

تأثير الضحك 

غالباً ما يقوم الواحد منا بمشاركة ميم أو GIF أو سلسلة طويلة من الإِيموجيز لاستشارة مشاعر متلقيها -ونأمل أن تكون هذه المشاعر مشاعر الضحك. فَفكِّر بعدد المرات التي تضحك فيها خلال اليوم؛ وستلاحِظ أنّ عدد الضحكات يتناقص كلما اقتربت من مرحلة البلوغ. ورغم أنّ بالَ الواحد لن يكون مرتاحاً وهانئاً كما كان في طفولته، إلا أنّ تهريب عدد أكبر من الضحكات يومياً إلى روتين حياتك الممل قد يكون له تأثيرٌ إيجابي على حياتك. إنّ الضحك لَهُوَ جوهر العلاقات الصحية؛ ولا يقتصر ذلك على العلاقات الزوجية بل يشتمل على العلاقات الشخصية كذلك.

فالضحك يقربك ممن يجلب لك الضحكات العارمة ومِمن يتشارك الضحك معك. وبذلك نرى أن أفضل طريقةٍ لإنشاء علاقةٍ -خاصة علاقة عمل- تتمثل بحثِّ الشخص الآخر على الضحك من أعماق قلبه. وقد وجد الباحثون أنّ الضحك يساعد على تحسين نوعية التواصل الإجتماعي والتواصل غير اللفظي، إضافة إلى أنه يلعب دوراً هاماً في إنشاء روابط متينة بين أفراد المجموعة. وبذلك نستنتج أنّ إرسال ميم أو GIF لزميلك أو عميلك هي طريقةٌ مثاليةٌ لإنشاء رابطٍ متين بينكما -وهو ما يُعتبَر جانباً جوهرياً من جوانب عملك إن قمت بتأسيس عملك على بنيانٍ من العلاقاتٍ الشخصية القوية.

متى يكون استخدامها فعّالاً؟

قبل البدء باستخدام الميمز أو الإيموجيز أو الـ GIFs، يجب عليك أولاً أن تأخذ طبيعةَ الجمهورِ بعينِ الاعتبار. ولكن عندما يكون ما نسبته 92% من الجمهور الإلكتروني مستخدِماً نشِطاً للإِيموجي، فالكفّة تميل نحو عمليّةٍ سلسةٍ لن تواجه خلالها شخصاً واحداً لا يفهم هذه الرموز التعبيرية الصفراء اللطيفة. 

إلا أنّ الأمر قد يكون مختلفاً فيما يتعلق بالميمز والـ GIFs. فعادةً ما يكون لهُما خصوصيةً ثقافيةً -مما يعني أن فرصةَ الفشل في إيصال المعنى المقصودِ أكبرٌ بكثيرٍ. ففي نهاية المطاف، يجب أن تأخذ سياق الحديث بعين الاعتبار عندما تفكر بإرسال أيٍّ مما سبق ذكره. وهنالك ميلٌّ متزايد نحو استخدام الإيموجي في خانة موضوع البريد الإلكتروني، وهذا ما بِتنا نلاحظه مؤخراً في الرسائل الدِعائية والرسائل الإِخباريّة.

إن كنت تنوي إرسال رسالةً إخباريَّة عبر البريد الإلكتروني تحتوي على إيموجيز في خانة الموضوع أو على ميمز في الخانة المخصصة لطباعة المحتوى، اتَّبِع هذه الإرشادات: 

  • لا تبالِغ في استخدام الرموز التعبيرية

فكما لن تُرسِل رسالةَ بريدٍ إلكتروني تحتوي خانة موضوعها على كلماتٍ توحي بأنك تصرخ على مستلمِها، لا يجب أن ترسِل رسالةَ بريدٍ إلكتروني تحتوي خانة موضوعها بشكلٍّ كليٍّ على الإيموجيز. يجب عليك تجنب ذلك نظراً لأنّ الطريقةُ المُثلى لِيقوم المُستقبِل بحذف رسالتك تتمثلُ بكتابةِ عنوانٍ يوحي بأن رسالتكَ مُجرد بريدٍ تطفُليٍّ -أو ما يُعرف ب “سبام”. أما الطريقة المُثلى ليقوم المُستقبِل بالتشكيك بمصداقية رسالتك فهي إرفاق GIF بعد كل فقرة من رسالتك الإلكترونية الموجَّهة إلى عملائِك. 

  • احرص على أن يكون ما تُرفِقُه ذو علاقةٍ بموضوع الرسالة

نظراً لأنَّ المئات من الخياراتِ متاحةٌ أمامك عند اختيارك للإِيموجي المُناسب، فلا بد أنك ستجِد خياراً أو خيارين يُناسِبان محتوى رسالتك. فلا تُرفُق إيموجي الهامبرغر والبيرة في رسالة تذكِّر المُستقبِِل فيها بلِقائِكُما المُرتَّبِ لشرب القهوة، وذلك تجنباً لإثارة حيرته. واتبع القاعدة عينها فيما يتعلق بالميمز والـ GIFs المفضلةِ لديك؛ فقد لا يكون ما تفضِّله منها مناسباً لجميع المواقف -وذلك بغضِّ النظر عن مقدار الضحك الذي يغمرك عِند رؤيتها. 

  • لا تنسَ الجانب التِقني

من  المهم أن تتذكر دوماً أنَّ بعض خوادم رسائل البريد الإلكتروني لا تدعم قراءة الإيمويجز؛ فبدلاً من استقبال إيموجيز القلوب وقوس قزح، قد يرى المستَقبِل مربعاتٍ رماديةٍ صغيرة-وهو ما يتعارض مع هدفك من إرسالها في المقام الأول والذي يتمثل بالتعبير عن مشاعرك. وانتبه لما ترسله عبر تطبيق Outlook المخصص لرسائل البريد الإلكتروني، فَالإيموجيز التي تستخدمها عبره قد لا تظهر بالشكل نفسه الذي أرسلته بها -وبذلك لن تُترجَم مشاعرك للطرف الآخر. وهذا ينطبق على الـ GIFs كذلك، فإن كان المتصفح أو تطبيق البريد الإلكتروني الخاص بالطرف الآخر لا يدعم الفيديو القصير المتكرر الذي أرسلته، فسيذهب جهدك أدراج الرياح ولن يعبر الـ GIF عن حماستك -وفي هذه الحالة كان من المفضل أن ترفِق صورة ما. 

إعلان

بواسطة المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: بشرى مخازني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.