تأخذك إلى أعماق الفكر

سلسلة الوعي: مقاربات فلسفية ونظرة تطورية لأصل الوعي

مقاربات فلسفية ونظرة تطورية لأصل الوعي (1-5)

يُعتبر الوعي أعقد قضية تواجه العلم والفلسفة في هذا العصر، لذلك نستعرض في مقالنا هذا -أولًا- آراء بعض الفلاسفة في القضية، والذي سيكون سلسلة من عدة حلقات نحاول فيها قدر المستطاع إلقاء الضوء على الجوانب المهمة في هذا العرَض.

أولًا: الوعي

هو إدراك النفس لأحوالها وأفعالها، أو هو حضور العقل أمام ذاته في فعل الإدراك والحكم. والوعي يفترض القدرة على التمييز بين القوة المفكِّرة وبين الموضوعات المفكَّر فيها. ويقول إرنست كاسيرر في كتاب “فلسفة الأشكال الرمزية”: “إن الوعي هو حرباء الفلسفة حقًا؛ إذ هو يدخل فى مختلف ميادينها ولكنه لا يتخذ نفس الشكل في كلٍ منها بل هو فى تغير مستمر”.

1- تطور معنى الوعي:

تطوَّر معنى الوعي في اتجاهيين يمكن نعت أولهما بأنه وظيفي والثاني بأنه مادي، وفي المعنى الأول (الوظيفي) الوعي يعني شكلًا أو تركيبًا في الإنسان مؤسَسًا في تركيبه الذاتي، وتطور هذا المعنى عند المذهب العقلي ثم عند كانط ثم أخيرًا في مذهب الظاهريات والفلسفة الوجودية. أما المعنى الثاني فإن الوعي فيه يشمل كل ما هو مُعطى في ذات الإنسان، ومن هنا قيل معطيات الوعي وتياره ومجال الوعي.

ومن حيث المعنى الأول نجد أن لبينتز قد وضع التمييزات التالية فقال: “من الجيد أن يُميَّز بين كلمة “perception” (وهي الحالة الباطنة “للمونادmonade” التي تمثل الأشياء الخارجية) وبين كلمة “apperception” التي تعني “الوعي conscience” أو المعرفة التأملية لتلك الحالة الباطنة”، وبسبب انعدام هذا التمييز فإن الديكارتيين قد أخفقوا حين اعتبروا أن ال “perceptions” ليست شيئًا إذا لم ينتبه إليها المفكر مثلما أن العامة لا يعدون الأجسام غير المحسوسة أشياءً.

وعرَّفه لوك بأنه “إدراك الإنسان لما يحدث في عقله”.
ويرى هيوم أن الوعي هو الشعور الداخلي.
وبينما يفترض ديكارت ولبينتز جوهرًا في النفس يقوم بالوعي، لا نجد هذا عند لوك وهيوم فهما يقولان أنه فقط  ما يحدث في عقل الإنسان أي مجموع أفكاره وخواطره.

إعلان

وميَّز كانط بين الوعي التجريبي (النفسي) وبين الوعي المتعالي (الترتسندنتالي)، فالأول ينتسب إلى عالم الظواهر، ووحدته يمكن أن تتم بحسب التركيب الذي يتم بواسطة عيانات المكان والزمان وتصورات الذهن.

أما الثاني فهو إمكان توحيد كل وعي تجريبي وإمكان المعرفة. وهُوية الشخص ليست أمرًا تجريبيًا بل هي أمر متعالٍ.

وعند فتشه وهيجل نجد نقلة من فكرة الوعي الترنسندنتالي إلى فكرة الوعي الميتافيزيقي؛ لقد جعل فتشه من الوعي الأساس للتجربة الكلية ويرى أنها هي “الأنا” الذي يصنع نفسه لنفسه.

وهيجل يصف درجات أو أشكال الوعي في عملية ديالكتية في مجراها يكون تطور الوعي هو تطور الواقع. وفي كتابه “ظاهريات العقل” يُظهر لنا الوعي على أنه هو العلة الأولى، والوعي الذاتي هو المرحلة الثانية والعقل (أو الروح) من حيث هو حر وعيني هو المرحلة الثالثة. لكن يمكن أيضًا تصور الوعي على أنه شمول لحظاته. والوعي يشمل الحقيقة الواقعية التي تقصد ذاتها لذاتها متعاليةً على نفسها ومتجاوزةً ذاتها باستمرار. وفي هذه العملية الديالكتيكية يحدث الوعي الشقي. وكتاب “ظاهريات العقل” يصف المراحل التي يمر بها الوعي من الوعي الشقي حتى المعرفة المطلقة.

أما برنتانو فيُصور الوعي على أنه إحالة وقصدية‘ فليس الوعي عنده حاويًا ومحويًا بل هو إحالة وقصد. وتحت تأثيره جاء هسرل في كتابه “أفكار في ظاهريات محضة وفلسفة ظاهرتية” فجعل الوعي الترنسندنتالي هو الأساس الأصيل في كل تقرير للوجود.

وعند برجسون الوعي يعني التذكر الحاضر؛ لأن اللاوعي يمكن أن يُعرَّف بأنه الوعي الذي لا يحتفظ بشيء من ماضيه. والوعي هو أيضًا التوقع للمستقبل. ومن هنا جاءت الثنائية بين المادة والوعي وهي ثنائية يعبر عنها في العبارة التي تقول: “المادة ضرورة أما الوعي فحرية”. ولكن الثنائية لا تبقى هكذا أبدًا؛ يقول برجسون: “أما هذان الوجوديان (المادة والوعي) يصدران عن ينبوع مشترك، وهذا أمر لا يبدو لي قابلًا للشك”.

الاتجاهات الفلسفية المعاصرة في دراسة الوعي:

يقسم د/ صلاح إسماعيل في كتابه فلسفة العقل الوعي إلى خمسة اتجاهات أساسية وهم:

1. النزعة الاستبعادية:

يقول أنصار النزعة الاستبعادية إن مشكلة الوعي لا وجود لها ولا توجد فجوة تفسيرية تتطلب منا الاجتهاد في سدها، وعبَّر عن الشك في وجود الوعي واستبعاده مجموعة من الفلاسفة مثل: “باتريشيا تشرتشلاند”، و”دانيال دينيت” في كتاباته المبكرة، ويشك هؤلاء في تماسك المفهوم الفعلي للوعي وفي ملاءمة الوعي للبحث الفلسفي والعلمي، وينكرون بصفة عامة وجود الأحاسيس والأفكار ويقولون إن التسليم بهذه الأمور كان سابقًا على العلم مثل التسليم بوجود الأشباح، أما الآن فإنها تدخل في إطار اللغو الفارغ؛ إذ لا يوجد سوى المخ المادي. وتقارن باتريشيا تشرتشلاند مفهوم الوعي بمفاهيم ميتة ذهب أوانها مثل الأثير واللاهوب، وهي مفاهيم تفقد سلامتها ومكانتها عند الاقتناع بمجموعة من القوى النظرية والتجريبية. ومن الشكوك حول الوعي أيضًا مَن يقول إن الوعي ربما لا يكون أكثر واقعية من النفس البسيطة التي تخلص منها هيوم. والمعروف أن هيوم نظر إلى النفس -في الاستخدام الفلسفي القديم- أو العقل -في الاستخدام المعاصر- على أنها لا تزيد عن أن تكون مجموعة من الإدراكات أو التجارب التي يرتبط بعضها مع بعض عن طريق التداعي.

ومن أنصار النزعة الاستبعادية أيضًا من يزعم أن العلم يستطيع الاستغناء عن مفهوم الوعي ولا يفقد شيئًا من شموليته وقوته التفسيرية، ليس هذا وحسب، بل إن اللغة العادية تستطيع أن تستغني عن مفهوم الوعي أيضًا. ولا عجب أن ينظر الاستبعاديون إلى كلمة الوعي باعتبارها كلمة زائفة.

ولا تحظى النزعة الاستبعادية بشيء من تأييد الفلاسفة على أساس أنها وجهة نظر متطرفة، ويمكن الرد عليها ببساطة عن طريق النظر في وظيفة الوعي وأن بقاء الكائن البشري على قيد الحياة يتطلب الوعي؛ فأنت لا تستطيع قراءة جريدة الصباح وتدبر حاجاتك الخاصة وممارسة عملك، والتعامل مع غيرك من الناس إذا لم يكن هناك وعي.

وهل كان في مقدور أصحاب النزعة الاستبعادية أن يكتبوا المقالات والكتب التي يفهمها غيرهم من دون وعي!
ولو قيل أن الوعي خرافة ولا شيء هناك سوى السلوك، لقلنا وهل تستوي حركة اليد عن وعي وقصد في يقظة تامة وحركتها إثر حادثة يغيب معها الإدراك!

إن هذه النزعة الاستبعادية للوعي تفند ذاتها فهي تنكر وجود الحالات القصدية والاعتقادات والرغبات والمقاصد وأسباب الأفعال والانفعالات. وإذا كان المرء لا يفكر ولا يملك أسبابًا للفعل فكيف يستطيع الاستبعاديون أن يتوقعوا منا قبول حجتهم؟! فقبول حجتهم معناه قبول عبارات معينة بوصفها تقدم أسبابًا جيدة للاعتقاد في نتيجة معينة، ولكن لا يبدو أن أيًا من هذا يفيد معنى إذا كانت النزعة الاستبعادية صحيحة.

2. التصور الإعجازي:

ويأتي التصور الإعجازي للوعي معارضًا للنزعة الاستبعادية معارضةً كاملة في الاتجاه والهدف؛ إذ يعتقد أصحابه أن رؤيتنا الحالية للعالم هي بالفعل رؤية ضيقة تنطوي على قصور شديد، ولكي نتجاوز هذا القصور لا بد لنا من الاعتراف بالحضور الشامل لإرادة الله -تعالى-، أو على الأقل علامة على أن هناك حقيقة تفوق القوى الطبيعية. فالوعي هو تجلي الروح الخالدة، وبالتالي هناك شيء ما في العالم ليس في متناول العقل والعلم، إنه معجزة. وعندما يقدم المخ الوعي فإن هذا يشبه معجزة المعجزات التي ليس لها تفسيرطبيعي من حيث المبدأ.

3. نزعة اللغز الجديدة:

أما صاحب نزعة اللغز الجديدة (وهذا المصطلح وضعه أووين فلانجان في مقابل أصحاب اللغز القدماء ويُقصد بهم أصحاب الثنائية) فلها صورتان إحداهما متطرفة والأخرى أقل تطرفًا. فأما الصورة المتطرفة فتتمثل في النزعة المتعالية ومفادها أن الوعي ببساطة ظاهرة طبيعية ولكنها لا تقبل التفسير في حدود العلم على الإطلاق، وأما الصورة الأقل تطرفًا فتسلَّم بأن الوعي ظاهرة طبيعية غير أنها تؤكد على مشكلتنا في الفهم الفيزيائي للوعي. ذلك أن هناك خصائص فيزيائية في أمخاخنا تفسر الوعي بالفعل ولكن باب هذا التفسير مُوصد في وجوهنا من الناحية الإدراكية.

4.النزعة الردية:

ويؤكد أنصار النزعة الردية على أن الوعي ليس ظاهرة غريبة ولا شاذة، وبالتالي لا يوجد مجال للقول بفجوة تفسيرية فريدة. وتتجلى النزعة الردية في عدة صور أبرزها السلوكية والوظيفية والنزعة الفيزيائية. تقول النزعة الفيزيائية أن الحالات العقلية لا تزيد على أن تكون حالات للمخ. وإذا شئت عبارة موجزة تجمع لك لب لباب السلوكية فقل إنها الدعوى القائلة إن الحالات العقلية يمكن تفسيرها تفسيرًا كاملًا في حدود السلوك أو الاستعدادات السلوكية. والوظيفية هي وجهة النظر القائلة إن الحالات العقلية تعرف عن طريق أسبابها ونتائجها.

وإذا نظرنا إلى الوظيفية باعتبارها دعوة ميتافيزيقية حول طبيعة الحالات العقلية، وجدنا أنها تتمسك بأن ما يجعل الحالة الداخلية عقلية ليس الخاصية الجوهرية للحالة، وإنما بالأحرى علاقتها بالمثير الحسي (المدخل) وحالات داخلية أخرى، والسلوك(المخرج). على سبيل المثال إن ما يجعل الحالة الداخلي ((ألمًا)) هو كونها نوعًا لحالة تحدث بصورة نموذجية عن طريق أشياء مزعجة مثل لسعة الزنبور، ونوعًا يحدث سلوكًا مثل قول: “أه”.

ويمكن أن نضرب مثالًا آخر يزيد المسألة وضوحًا ويكشف عن التباين بين الوظيفية والسلوكية، هب أنك تعاني من صداع، تبعًا للوظيفية فإن المرء الذي يعاني من صداع يكوِّن حالة ذات علاقات بالمدخلات والمخرجات، فالصداع يسببه قلة النوم أو الإجهاد البصري أو الضوضاء الشديدة وغير ذلك مما يدخل في باب المدخلات، كما أن حالة الصداع لها مخرجات تتجلى في سلوك علني مثل الإمساك بالرأس والأنين أو السلوك اللفظي مثل قول “عندي صداع”، بالإضافة إلى السلوك الذي يشترك في القول به السلوكيين والوظيفيين فإن الصداع يسبب حالات عقلية أخرى، وهنا يقع التباين بين المذهبين لأن هذا الأمر الأخير لا يقول به السلوكيون. فصداعك في رأي الوظيفيين يفضي بك على الأرجح إلى الاعتقاد بأنك تعاني من صداع كما يؤدي بك إلى الرغبة في تناول الإسبرين.

وهناك صورة متنوعة من الوظيفية أشهرها وأكثرها إثارة للجدل هى”وظيفية الإله” التي تنسب إلى الفيلسوف الأمريكي هيلاري بتنام في المقام الأول والتي انتقدها بتنام نفسه وجيري فودر ونيد بلوك. ولقد نظر بتنام إلى الحالات العقلية على أنها تشبه الحالات الوظيفية أو المنطقية للكمبيوتر. ومثلما يمكن تحقيق برنامج الكمبيوتر عن طريق أيّة مجموعة من الأجهزة المختلفة فيزيائيًّا، فكذلك يمكن تحقيق برنامج نفسي عن طريق كائنات حية مختلفة وهذا السبب في الحالة الفسيولوجية المختلفة لكائنات حية من أنواع مختلفة يمكن أن تحقق حالة عقلية من نوع واحد.

يقول بتنام في صورة مصغرة يرسمها بنفسه لإسهامه في فلسفة العقل:” في سنة 1960 نشرت مقالة بعنوان”العقول والآلات” التي اقترحت اختيارًا جديدًا ممكنًا في فلسفة العقل. وفي سنة 1967 نُشرَت مقالتان “طبيعة الحالات العقلية” و”الحياة العقلية لبعض الالات”.. وأصبحت الفترة تمثل البيانات الرسمية للاتجاه الوظيفي والوظيفية تعتقد بأننا نشبه أجهزة الكمبيوتر وأن حالاتنا النفسية هى ببساطة “حالات وظيفية” أعني أنها حالات تبرز في الوصف المثالي لبرنامجنا”.. وتبعًا لوظيفة الآلة فإن كون المرء يعاني من ألم معناه أنه ينجز برنامج كمبيوتر عن الألم.

ونظرًا لإخفاق الوظيفة في الكشف عن الطبيعة الحقيقية لحالاتنا العقلية فقد تخلى عنها بتنام فيما بعد، وقال في مقدمة كتابه “التمثيل والواقع” 1988:”سوف أحاول البرهنة في هذا الكتاب على أن تمثيل الكمبيوتر المسمى باسم “وجهة النظر الحسابية في العقل” أو الوظيفية أو ما شئت من أسماء، لا يجيب برغم كل شيء عن السؤال الذي نود الإجابة عنه نحن الفلاسفة (بالإضافة اإلى كثير من العلماء المشتغلين بالإدراك) ألا وهو: ما هى طبيعة الحالات العقلية؟”

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.