تأخذك إلى أعماق الفكر

سر الموت: هل الموت مجرد مشكلة لغوية؟

هل تؤدي اللغة فعلًا دورَها كوسيلةٍ دقيقةٍ للتواصل؟
لا، مع الأسف.
اللغة بكل تعقيدها، لا تؤدِّي مهمة التواصل، بنفس الدقة التي تؤدِّيها بها أفعالٌ  مثل القُبلة والصَّرخة وتقطيب الحاجبين وتقلُّص الفم اشمئزازًا.
اختراع اللغة كان فعلًا  شِعريًّا في الأساس؛ فكلُّ  كلمةٍ هي استعارة تصريحية، شُبِّه فيها عنصرٌ أو معنًى مجرَّد بصوتٍ ما، وحُذف المشبَّه، وصُرِّح بالمشبَّه به، وأصبح الصوتُ المصرَّحُ به هو دلالة الكلمة، بعد أن بعدت الشقة بيننا وبين الزمن البعيد الذي مورس فيه الفعلُ الشعريُّ الذي وَلَّد هذه (الأصوات/الكلمات).
وما قصائد الشعراء إلا تلاعب بأوتار هذه المفارقة التي لا يكاد أحدٌ يفطن إليها، وتوسِعَة أيضًا لنطاق استخدامها.
قديمًا شُبِّه الكائن الحي الذي يَلِدُكَ، بصوتٍ شفويٍّ خيشوميٍّ ممطوطٍ متكررٍ هو: (ماما)، وحُذف المشبَّه، وأصبح الصوتُ حاملًا  للدلالة.
وفي العصر الأموي، شَبَّه (يزيد بن معاوية) الدَّمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخد بالورد، والشفاه بالعُنَّاب، والأسنان بالبَرَد، ثم حذف كلَّ مشبَّهٍ، وأتى بهذا البيت العجيب:
وَأَمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجِسٍ  وَسَقَتْ
وَرْدًا وَعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بِالبَرَدِ
وقد استغل صناع فيلم (pk) هذه الثغرة لكي يضعوا بطل الفيلم (القادم من كوكب آخر) في موقف كوميدي، يسخر فيه من حالة الميوعة التي تحوط لغات البشر، التي تُخفي أكثر ممَّا تُعلن، وتؤدِّي الكلمة الواحدة فيها أكثر من معنًى وَفقًا للسياقات، وطريقة التلفُّظ، ومقتضى الحال.


وحالة الميوعة هذه أدَّت بنا إلى دوَّامة مغرقة جذورها في القدم، بشأن كلمة (الموت).

الدلالات غير المحدَّدَة للموت

الموت كلمة قديمة، استعارة صوتية وضعها المصريون القدماء، وانتقلت من لغتهم إلى اللاتينية محرَّفة، ومنها إلى الإيطالية والفرنسية والإسبانية، وانتقلت كذلك إلى العربية بنفس صورتها القديمة: (الموت).

إذا ذكرتَ أمام مُسْلِمٍ كلمةَ (الموت)، فإن صورًا كثيرةً تتداعى إلى ذهنه مثل:

(التوقف عن الحركة – التيبُّس – الحزن – اللون الأسود – الصراخ – النعش – الكفن – التغسيل – الدفن – الجنازة – حشد المعزِّين – الميراث – مرارة الفقد – التحلل – البعث – النشور – يوم القيامة – الحساب – الصِّراط – الجنة – النار – الخلود).
تخيَّل أن كلمة واحدة فقط، تحمل هذا القدر من الدلالات غير المحدَّدَة، التي يتنافى بعضها مع بعض. كيف يُجمع بين التوقف عن الحركة والخلود في سياقٍ واحدٍ؟
صوتٌ قديمٌ، استعير للتعبير عن شيءٍ غير مفهوم، حاولنا من خلال الدين والعلم أن نصل إلى تفسيرٍ واضحٍ له، يُرضي غرورنا الإنساني، ففَشِلَ الدينُ في تقديم إجابةٍ عقلانيةٍ، وأخفق العلمُ في تسكين قلق الإنسان الذي يرفض اندثار وعيه الفردي للأبد بعد الموت.
لو أصبح صوت: (موت)، دالًّا  على أمرٍ واقعيٍّ ملموسٍ مشاهَدٍ لا لبس فيه مثل: (مقدِّمة التحلل) أو (الفقدان الأبدي لإدراك إحدى صور الحياة للوجود)، لانعدَمَتْ كلُّ مشكلاتنا، لكننا نُصرُّ على تحميل هذا الصوت (القديم)، أطنانًا من الدلالات الميتافيزيقية غير المُثْبَتة، التي اكتسبها خلال مئات السنين، للفرار من حقيقة أن وجودَ إنسانٍ بعينه، لن يتكرر بنفس الوتيرة أبدًا بعد (الموت/مقدمة التحلل/الفقدان الأبدي لإدراك إحدى صور الحياة للوجود).
المؤمن بالإسلام ينتظر بعد الموت خلودًا، ويؤمِّل أن يكون هذا الخلود في جنةٍ عرضها السموات والأرض، مليئة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت من الملذَّات الحسِّيَّة. والمسيحي ينتظر بعد الموت، الخلود في الأمجاد السماوية. وليس هذا إلا هروبًا من التفسير الصادم غير المُرضي لحقيقة الموت.

هل وظيفة الدين حقًّا تفسير ما بعد الحياة؟

لقد اعتدنا اعتبار الدين مصدرًا للتزود بالمعلومات: هل هناك إله؟ كيف وُجِد العالم؟ ماذا سيحدث بعد الموت؟ ليس دور الدين تقديم إجابات يمكن للإنسان أن يصل إليها بالتجربة والبحث والمنطق. مهمة الدين وثيقة الصلة بمهمة الفن. كلاهما يقوم على إعادة التمثل للحق (1). محاولة لتشكيل معنًى في مواجهة آلام الحياة ومظالمِها القاسية، ومساعدتنا على أن نحيا حياةً مثمرةً في سلام، وأن نتقبل الأمور التي ليس لها تفسير متاح، والمشاكل التي نعجز عن حلها، كالموت والحياة والألم.

إعلان

الدين والفن والموت

بتطويع اللغة، والدراسة المتعمِّقة للطريقة التي يعمل بها الوعي الإنساني (الذي يُدرك العالمَ بالأوهام البصرية والسمعية والشمية واللمسية)، استطاع البشر خلال آلاف السنين أن ينتجوا كِيانًا فنيًّا (وهميًّا) ضخمًا هو (الدين)، يُمَكِّنهم من الوصول إلى حالةٍ من التسامي تساعدهم على تقبُّل معاناتهم بشجاعة (2).
وتطوَّرَ هذا الكيانُ الفنيُّ، من الاعتماد شبه الكامل على التصوير (في الديانات القديمة) إلى فنٍّ آخر أكثر تجريدًا هو الموسيقى في الديانات المتأخِّرة، وأصبح هذا واضحًا جدًّا في الإسلام، الذي اعتمد على ظواهر موسيقية بَحتة (مثل الوحي الحافل بالأسجاع والموسيقى الداخلية والإيقاعات الثرية، وكذلك الإقرار بأن معجزة الرسول هي القرآن «الذي هو ظاهرة لغوية فريدة. واللغة نفسها ظاهرة موسيقية»). وهذا القرآن نفسه تحول إلى ظاهرة موسيقية جليَّة جليلة، بتوسُّع القراء في تلاوته وتجويده على مقامات الموسيقى الشرقية، والتفنن في وضع الألحان الغنائية لنصوصه المقدسة.

الوهم الجميل!

السؤال هنا:
هل تريد البحث عن حقيقة (الموت والحياة) الصادمة عن طريق العلم، أم تريد مسكِّناتٍ نفسيةً تهوِّن عليك صدمة (نشوئك من حيوان منوي وبويضة لا يُرَيان بالعين المجرَّدة، وانعدام تكرارك على نفس هيئتك بعد موتك)، عن طريق الفن والدين؟
نحن على كل حال كائنات هشة، نفسيًّا وجسديًّا، ومثلما اعتدنا أن نتكيَّف مع العالم وأن نفهمه، بتحويل معطياته الفيزيائية والكيميائية إلى أوهام لمسية وشمية وبصرية وسمعية، لم يكن صعبًا علينا أن نبتكر أوهامًا أسطورية لنتكيف مع التجربة المجنونة المسمَّاة بالحياة. أن تكون مادَّةً مدركةً، لحينٍ من الدهر، ثم لا تتكرر – بنفس خبراتها – مرة أخرى! ما هذا الجنون؟ إذًا فلنبتكر المشروعَ الاستِعَاريَّ العملاقَ المسمَّى باللغة لنفهم العالم أفضل. ولنبتكر أوهامًا أسطوريةً لتعميق هذا الفهم. ولنُقنِع أنفسنا بأن بعد الحياةِ الحاليَّةِ، حياةً أخرى أبديةً (في الجنة أو عبر التناسخ). ولنخلق نسقًا أخلاقيًّا مستندًا إلى التصورات الأسطورية التي توهَّمْنَاها. بهذا يمكن للحياة أن تستمرَّ بشكلٍ أفضل!
ما أجمل الوهم إن قاد حقًّا إلى حياةٍ أفضل!
أزمتنا الكبرى أن أكثر المتوهِّمين، يحسبون أنهم على صواب، وأن سواهم كفار، يستحقون العزل أو القتل.
بهذا، يتحول الوهم إلى آلةِ قتلٍ تصعب مواجهتها.
غاية التحضُّر، أن يؤمن الإنسان بأن الأوهام الدينية والفنية التي اعتنقها، ضرورية فقط لصحته النفسية، وتنظيم علاقته بالآخرين. وليس عليه أن يخجل من إيمانه بأوهام، ما دام لا يؤدِّي هذا إلى اضطهاد الآخرين المختلفين معه، وإساءة معاملتهم، وما دام يدرك حتى النهاية أن ما يؤمن به، وَهْمٌ، غايته نفسية بحتة، كأقراصٍ سحريَّةٍ لعلاج اضطرابات القلق!
وغاية الرُّقي، أن يكفَّ المرء عن اللجوء إلى أوهام القدماء، وأن يُنتج أوهامه الخاصة التي لا تتعارض مع حقِّ الآخرين في الحياة، وحقِّهم في اختلاق أوهامهم الخاصَّة!
وقليلٌ من الناس من يستطيعون التجرُّد من كل الأوهام، والسعي بشجاعة صوب الحقيقة، دون أن تَهِنَ نفسيتهم، أو يؤذوا الآخرين. إلى مثل هؤلاء، أظن أن قاطرة التطوُّر البشري سوف تنطلق، ولن تتوقف حتى يُعمَّمَ هذا النموذج النبيل.

نرشح لك: التجاربُ الروحيّةُ للمرضى الذين يقتربون من الموتِ

الهامش:
(1) - (من النقل إلى العقل) - الجزء الأول - د. حسن حنفي - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2013 - صـ 158.

(2) - (الله لماذا؟) - كارين أرمسترونج - ترجمة د. فاطمة نصر ود. هبة عارف - مكتبة الأسرة - 2010 - صـ 33 و481، بتصرُّف.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.