تأخذك إلى أعماق الفكر

إبادة اليهود وبيع البلاد: ريتشارد قلب الأسد ملكًا على إنجلترا

فى الثالث من سبتمبر 1189، توّج ريتشارد قلب الأسد ملكًا على إنجلترا فى حفل مهيب، بدأ بدخول الملك إلى الكنيسة، وسار فى طريق مفروشة بسجادة من أفضل أنواع القماش، مصبوغة بالأرجوان النقى القادم خصيصًا من لبنان، ثم صعد إلى المذبح الأعلى وفوق رأسه مظلة ملكية مصنوعة من الحرير، تدعمها أربعة رماح طويلة يحملها أعظم النبلاء في المملكة، بينما حمل التاج ايرل Albemarle الفرنسية فى نورماندى، وسار به أمام الملك وهو يتقدّم نحو المذبح، ووضعه هناك فى حضرة رئيس أساقفة كانتربري، الذى وقف أمام المذبح لاستقبال الملك وهو يقترب، ثم أدى اليمين المعتادة له. لكن ما ميز الحفل فعلًا، هى البداية الدموية لعصر الملك المحارب، والذى لم يكد ريتشارد يرتدي التاج، حتى بدأت إسالة الدماء.

ملك لكل الناس

بعد تتويج الملك ريتشارد، جاءه النبلاء والمباركون من كل حدب وصوب، حاملين الهدايا والكنوز للملك الجديد، ومن بينهم وفد من يهود إنجلترا، وافق ريتشارد على استقبالهم، وتسلم هداياهم بسعادة، لكن الحاضرين من النبلاء وحكّام المقاطعات لم يشاركوا ريتشارد تحمسه، وأساؤوا معاملة اليهود.

كان اليهود فى العصور الوسطى يعانون من الاضطهاد والكراهية باعتبارهم كفار فى العالم المسيحى، وتم منعهم من التملك أو تقلد أي مناصب، لذلك مع الوقت وجدوا المجال الوحيد المتاح لهم فى التعاملات المالية والأقراض بفائدة، مما زاد الكراهية ضدهم؛ لأن عدد كبير من الناس أصبحوا مدينين بمبالغ كبيرة مع الوقت، وأرادوا التخلص من الديون، فشجعوا على قتل اليهود أو نفيهم ومصادرة أملاكهم، كما فعل فيليب الثانى في فرنسا، كان قد نفى اليهود من فرنسا ومنع التعامل معهم قبلها بسنوات قليلة، فخشى يهود انجلترا نفس المعاملة من ريتشارد، فجاء وفدهم يطلب التقرب من الملك، لكن حدث ما لا يحمد عقباه.

بينما تجمع العامة خارج الكنيسة أثناء التتويج، حاول أحد اليهود الدخول، فرآه أحد الأفراد وصرخ “يهودى”، وبدأت مشادة كلامية تطورت لقذف الحجارة على اليهودى، وفى ثواني استغل الجميع الفرصة وقامو على اليهود الخارجين من الكنيسة وقتها، حينها جاءت إشاعة أن الملك أمر بقتلهم، وبدأت فوضى عظيمة وأعمال عنف وقتل جماعي لليهود، ومع الوقت تحولت الإشاعة لكابوس، وخرجت الجماعات المسلحة وهجمت على اليهود ومنازلهم، وقاموا بقتلهم وحرق أولئك الذين اختبؤوا بالداخل، بينما ريتشارد لم يلق بالا لكل هذا واستمر في استقبال الهدايا(1) .

استمرت النيران في حرق منازل اليهود طوال اليوم، حتى قيل إنها أنارت السماء ليلاً وهددت بحرق المدينة بالكامل، ولم يهدأ الحشد، بل زاد العنف والقتل فى الشوارع، ولم يعط ريتشارد أهمية للفوضى لفترة طويلة، حتى أرسل قوة صغيرة لوقف العنف، لكن الحشد هدد بقتل جنود الملك إذا تدخلوا، واستمرت جرائم الكراهية والعنصرية طوال الليل، وامتدت لباقى المدن الإنجليزية، حتى اضطر 500 من اليهود فى مدينة يورك، لقتل زوجاتهم خوفًا من الاغتصاب، وتم بعدها إحراق الأزواج فى مكان اختبائهم، حينها هرع الحشد للكنيسة لحرق وثائق الديون، والتخلص منها للأبد(2) .

إعلان

حتى أصاب الإعياء المشاركين وتوقفوا أخيرا، وأصدر الملك أمرًا فى النهاية بمنع قتل اليهود، ووضعهم تحت حماية العرش باعتباره ملكًا لكل الناس.

الملك الغائب

خلال العشر سنوات التى حكم فيها ريتشارد انجلترا، لم يقضي ما يزيد عن 6 أشهر فقط فعليًا على أرض المملكة، بل قضى معظم وقته إما فى فرنسا أو المانيا أو فى الحملة الصليبية، فقد كان اهتمام ريتشارد الأول هو الأراضى الفرنسية، بحكم أنه لم يكن إنجليزيًا فى الأساس ولم يعش فى إنجلترا، فمنذ طفولته كان مع والدته فى اكويتاين الفرنسية، وتربى على الطريقة الفرنسية، بالرغم من أنه وُلد فى انجلترا، حتى أنه كان لا يتكلم الإنجليزية أساسًا، أو يعرف كلمات قليلة جدًا، ومن القرن الثامن عشر، غالبًا ما صوره المؤرخون على أنه ملك مهمل وأناني، وهو “شخصية استخدمت إنجلترا كبنك يمكن السحب منه لتمويل مآثره الطموحة في الخارج، وربما كواحد من أسوأ الحكام على الإطلاق في إنجلترا“. (3)

ولكن ذلك لم يكن قصرا عليه فقط، فكل ملوك إنجلترا منذ غزو النورمان القادمون من فرنسا فى 1066، كان معظمهم يفضلون فرنسا على إنجلترا، ولا يتحدثون الإنجليزية ويقضون معظم حكمهم بعيدا عن المملكة، التى كانوا يعتبرونها مجرد مستعمرة تابعة لهم، أو بنك يمول أهدافهم ويوفر لهم الحياة المترفة، بينما مقاطعاتهم فى فرنسا هى الأساس، كذلك كان لابد ان يقضى الاشهر الاولى من حكمه فى فرنسا ليواجه تهديدات وطمع فيليب ملك فرنسا، فظلت إنجلترا بدون ملكها لأول شهرين من حكمه.

خلال الشهرين كانت الملكة اليانور ام ريتشارد هى الحاكمة الوصية على العرش، وصاحبة السلطة الفعلية، بعد ان كان أول قراراته خروجها من محبسها بعد 16 عاما، منذ التمرد الأول الذى شجعته ضد زوجها فى 1173، وبعد التتويج، سرعان ما غادر ريتشتارد مجددا، وعندما عاد، كان فقط لقطف ازهار الثروة فى إنجلترا من اجل تمويل حملته الصلييبة، التى مثلت هوسًا أصابه منذ سنين مراهقته.

لماذا الحملة الصليبية؟

منذ أن توفي الملك هنري الثاني وصعد ريتشارد في مكانه، وكان همه الأول والوحيد هو قيادة الحملة الصليبية الثالثة، فمنذ أن سقطت القدس في يد صلاح الدين الأيوبي في 1187، والصدمة التي وقعت على أوروبا والعالم المسيحي الغربي، ودعوة البابا لحملة جديدة، كان ريتشارد من أوائل النبلاء المتطوعين بعد(4) .

أما عن أسباب رغبته في قيادة الحملة، بعيدًا عن وعود الكنيسة بالغفران والطريق السريع للجنة، فربما كانت الفروسية والسعي إلى الشهرة والمجد غير المسبوق، فكان ذلك سمة أساسية من حياة ريتشارد شكلت جزءًا كبيرًا من تاريخه، فكان لا يعتبر نفسه مجرد نبيل أو دوق أو ملك، ولكن أيضا كفارس، فكان هدفه الوصول للعظمة والمكانة التي حصل عليها المحاربون في الحملة الاولى في 1099، وبينما كان ريتشارد قد تربى منذ صغره على الحرب، ويحمل دم الفايكينج الغاضب من أجداده، وبذلك الوقت في ال32 من عمره، كان بالفعل محارباً عظيمًا وقائدًا مميزا تسبقه سمعته في أنحاء أوروبا، وحصل على لقبه قلب الأسد، فأصبح القتال جزءًا من حياته وتطورت حاجة لديه للقتال، وبينما وصل أخيرًا إلى هدفه وأصبح الملك، وانتهى الصراع نسبيا، فهل أفضل من حرب مقدسة يقف فيها الرب إلى جانبك، والقتل والمجازر فيها مباحة، وأي ميدان مناسب أكثر لعرض القوة الضارية للملك المحارب؟

لكن كشف المؤرخون سببًا آخر، مع البحث تبين أن هؤلاء الذين شارك أحد أفراد عائلاتهم في حملة صليبية سابقة، بنسبة كبيرة شاركوا في الحملات التالية (5) ، وعائلة ريتشارد معظمها شارك في الحملات الأولى، ومن بينهم والدته عندما كانت زوجة لملك فرنسا لويس السابع، وتربى على ذكرياتها من الحملة، وما رأته هناك من عجائب ومعارك، بينما والده وشقيقه الأكبر كانا قد اقسما على المشاركة، لكن كلاهما توفى قبلها، كذلك كان جده الأكبر ملكًا للقدس 1131–42، وكان من أبناء عمومة الملكة الحالية للقدس أيضًا(6)

وربما كان أيضًا خوف وفزع ريتشارد من الآخرة، والحساب على جرائمه التي ارتكبها خلال الحروب الأولى له، وكان دائم الصلاة والاعتراف بالرغم من أنه لم يكن متدينا، حتى أنه في الطريق إلى الحملة الصليبية، توقف في صقلية عام 1190، ودخل أحد الأديرة وخلع ملابسة ونزل على ركبتيه وأخذ في الاعتراف بذنوبه وطالبًا الغفران من الرهبان (7) .

لندن للبيع

كرس ريتشارد الأعوام الأولى من حكمه في توفير الأموال اللازمة للحملة، كان هناك أسطول من السفن التي سيتم بناؤها وتجهيزها، وجيوش يتم تحصيلها ودفع أجورها، وكذلك نفقات هائلة في صناعة الأسلحة والدروع، خاصة تلك التي يرتديها الفرسان والنبلاء، من غطاء مزركش مكلف للغاية على الخيول، إلى الخوذات والزخارف الحربية للخيل والفرسان المصنوعة يدويًا بالكامل، وكان من المعتاد أيضا تزيين الدروع بغزارة مع التطريز بالذهب والأحجار الكريمة (8) ، وبالرغم من وجود أموال تم تحصيلها في عهد والده لنفس الغرض، تم عرض انجلترا بأكملها للبيع!

بدأ الملك ببيع الأراضي والقلاع والحصون والإيرادات والقصور بلا حساب، حتى خفض من قيمة التاج وسلطته، ولكنه استمر بعدها في بيع المناصب العامة، من قضاة إلى محافظين إلى الشريف وأي منصب ممكن، حتى الألقاب قام ببيعها لمن قدر على شرائها، واعتمد في تعيين المناصب العليا على نفس السياسية، حتى أصبح الأغنياء يتحكمون في كل مناصب المملكة وفى فرنسا، وحتى الجرائم، تم فرض غرامة مالية مقابل العفو، أما هؤلاء في المناصب بالأساس ورفضوا أو لم يقدروا على دفع المال المطلوب، كان يبحث عن سبب أو آخر للتخلص منهم، وبيع المنصب لآخر، وأصبحت قاعة الملك سوق يتم بيع فيه أي شيء فى سلطة الملك بيعه، حتى الكنيسة لم تسلم، فقد أجبر الملك شقيقه غير الشرعي رئيس أساقفة يورك، على دفع مبلغ كبير مقابل الاحتفاظ بمنصبه (9) ، حتى أنه قد قال ساخرا “سأبيع لندن ذاتها لو وجدت رجلا غنيا كفاية لشرائها” (10)

مراجع

(1) JACOB ABBOTT, Makers of History: Richard I, p39-41

(2) David Hume, The History of England, p363-4.

(3) Itinerarium Peregrinorum, p. xvii; A. L. Poole, From Domesday Book to Magna Carta (1087–1216), 2nd edn (Oxford: Oxford University Press, 1955), p. 350; Brundage, Richard Lion Heart, p. 258.

(4) ‘Historia de expeditione Friderici imperatoris’, in Quellen zur Geschichte der Kreuzzuges Kaiser Friedrichs I, ed. A. Chroust (Berlin: Monumenta Germaniae Historica, 1928), pp. 6–10; Itinerarium Peregrinorum, p. 140.

(5) J. S. C. Riley-Smith, The First Crusaders, 1095–1131 (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), pp. 81–105; J. P. Phillips, The Second Crusade: Extending the Frontiers of Christendom (New Haven, Conn., and London: Yale University Press, 2007), pp. 99–103.

(6) Thomas Asbridge, RICHARD I: The Crusader King, p23

(7) M. Routledge, ‘Songs’, in The Oxford Illustrated History of the Crusades, ed. J. S. C. Riley-Smith (Oxford: Oxford University Press, 1995), p. 99.

(8) JACOB ABBOTT, Makers of History: Richard I, p43

(9) JACOB ABBOTT, Makers of History: Richard I, p44

(10) Roger of Howden, Gesta Regis, vol. 2, p. 90; William of Newburgh, Historia Rerum Anglicarum, in Chronicles of the Reigns of Stephen, Henry II and Richard I, ed. R. Howlett, vol. 1, pp. 303–7.

Plantagenets: The Warrior Kings Who Invented England

-History Makers Richard I: The Lion Heart

-Lionheart: The True Story of England's Crusader King

-Richard I: The Crusader King

-History of England, David Hume

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.