ريتشارد قلب الأسد: طفولة صعبة وعائلة مفككة

ريتشارد الأول قلب الأسد، أشهر ملوك إنجلترا على الإطلاق، الذي فرض نفسه بين عظماء التاريخ كأحد أقوى وأهم الملوك، ولكن حياته لم تكن عظيمة بقدر سيرته، وعوامل عدة ساهمت في وصوله إلى هذه المكانة، وتعطشه الدائم للحرب والقتل، وأهمها العائلة وحياته الأولى كطفل حيث المشاكل الأسرية والتجاهل والتعلق بالأم، ثم المراهقة والتمرد ضد والده في أشهر نزاع عائلي في العصور الوسطى، فمن هو ريتشارد قلب الأسد فعلًا؟ وكيف قضى سنين عمره الأولى؟

ابن أقوى رجل في أوروبا

هنري الثانيوُلد ريتشارد قلب الأسد في واحدة من أقوى وأشهر العائلات في تاريخ أوروبا والعصور الوسطى، سواء من ناحية الأب أو الأم، فوالده الملك هنري الثاني أول ملوك عائلة Plantagenet الشهيرة، وسيعرفوا بعد ذلك بالملوك الذين بنوا إنجلترا، ومن نسل ‘وليام الفاتح‘ أول ملك من النورمان القادمون من فرنسا على إنجلترا، والذي يقسم المؤرخون تاريخ إنجلترا إلى مرحلة ما قبله وبعده.

حارب والده هنري الثاني لسنوات في ما يسمى ب ‘عهد الفوضى’ 1135-1154، من أجل استعادة حقه في عرش إنجلترا، الذي اغتصبه ابن خالة والدته Stephen of Blois، حتى أصبح ملك إنجلترا بعمر 21، وبحلول 1172 أخضع جزيرة بريطانيا بالكامل وإيرلندا، وقضى على تهديدات اسكتلندا وأخضع ملكها تحت حكمه، وحكم من الأراضي الفرنسية أكثر من ملك فرنسا ذاته، وكون ما سُمي بعد ذلك ب ‘Angevin Empire’، واحدة من أعظم الإمبراطوريات على الإطلاق، والتي سيطرت على أوروبا سياسيًا لعقود وامتد تأثيرها في جميع الأرجاء، ممهدًا الطريق لكي تصبح إنجلترا أقوى دولة في العالم.

أغنى امرأة في العالم

أما والدته فهي اليانور حاكمة مقاطعة ‘إكويتاين’ في فرنسا Eleanor of Aquitaine، فهي تعد سيدة العصور الوسطية وواحدة من أقوى النساء وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ أوروبا والعالم، فقد كانت تحكم أغنى مقاطعة في العالم بهذا الوقت مما جعلها مطمع للملوك والأمراء في أرجاء أوروبا، منذ أن تولت الحكم بعمر الخامسة عشر وكانت تحت وصاية ملك فرنسا ‘لويس السادس’ الذي أراد السيطرة على أراضيها الغنية والمهمة، فقام بتزويجها لابنه لويس في عام1137، ومات بعدها الملك وتولي لويس السابع العرش، وأصبحت اليانور ملكة فرنسا، لكن الأمور لم تسير بسلاسة، بل تعقد الزواج مع الوقت وازدادت المشاكل والخلافات، خاصة كون لويس السابع كان مهتمًا أكثر بالتدين وحياة الرهبنة وكان يعزف عن واجباته الزوجية، وحيث أن اليانور كانت مفعمة بالحيوية وامرأة متعلمةً تحب الشعر والغناء والحياة المترفة، اصطدم الجانبان وانتشرت الإشاعات عن خيانة الملكة اليانور وعلاقاتها الغرامية في كل مكان، وشاركت مع زوجها في الحملة الصليبية الثانية 1147، ضد قوانين الكنيسة بعدم مشاركة النساء (1)، ولكن الخلافات زادت خلال الحملة، ولم يساعد فشل الحملة في تخفيف النزاع بينهما، حتى كان الطلاق أخيرًا في 1152، بعد 15 عامًا من الزواج أنجبت خلالها ابنتان، وحولت أنظارها إلى زوج جديد يليق بأغنى امرأة في العالم، ويحقق أحلامها وطموحاتها.

فكان هنري دوق مدينة ‘آنجو’ في فرنسا، شاب وسيم في ال 18 مفعم بالحيوية والبطولة، بينما كانت الينور في الثلاثين من عمرها، ضعف عمره تقريبًا، لكنها نجحت في إغرائه والفوز بالأمير الصغير، وقامت بمساندته ومساعدته للوصول إلى عرش إنجلترا في 1154، لتصبح أول وآخر امرأة في التاريخ تتقلد عرشي فرنسا وإنجلترا، إنجبت من هنري الثاني 8 أطفال، 5 ذكور أوسطهم ريتشارد، وثلاثة بنات.

إعلان

عائلة مفككة رغم قوتها

بالرغم من القوة السياسية والاقتصادية لعائلة ريتشارد قلب الأسد، إلا أنها كانت عائلة مفككة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فبينما فشلت الأخطار الخارجية في الإطاحة بالعائلة، تخللها الضغف والتمرد الداخلي، فقد اعتمد الملك هنري الثاني على سياسة التلاعب والإيقاع بين أبنائه، من أجل تحييد قوتهم والاحتفاظ بكل السلطة لنفسه، فكان يقوم مثلًا بوعد منصب لأحدهم، ثم يقوم في اليوم الثاني بمنحه لآخر، أو يخلع أحدهم من منصبه ويعين شقيقه في نفس المكان، أو يعطيهم منصبًا ولكن بلا أي سلطة حقيقية، ويقوم بتعيين حامية تابعة له في المدينة لا تأتمر بأمر الأبناء، مثلما قام بتعيين الابن الأكبر هنري وليا للعهد ثم ملكًا بالمشاركة، ولكن تركه دميةً تحمل درجة شرفية فقط، فقد تعامل معهم مثل تدريب الصقور، ضع الطعم أمامهم وعدهم به، ثم تراجع في آخر لحظة قبل أن يقوم الصقر بالالتهام حتى تجعله جائعًا دائمًا (2). وقام مثلًا في 1168 بتزويج ابنه الثالث جيوفري من وريثة دوق Brittany في فرنسا، وبعدها أجبر ابنه على التنازل عن حكم المقاطعة لصالحه. (3)
فقد كان محبًا للسيطرة وطمعه في ضم المزيد من الأراضي لا ينتهي، فبعكس المتعارف عليه في العصور الوسطى، عمد هنري الثاني إلى إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء، ليقوم باستخدامهم في توسيع مملكته والتحالفات السياسية عن طريق تزويج أبنائه وبناته(4)، وهو ما تم بالفعل، حيث تم وعد ريتشارد وشقيقه الأكبر هنري في سن الطفولة إلى ابنتي ملك فرنسا من زوجته الثانية، في مقابل عدد من القلاع والمدن المهمة في فرنسا كمهر للعرائس كما كان يحدث فى تلك الفترة، وتم تعيينه وصيًا عليهم حتى البلوغ وبالتالي وقع المهر تحت سيطرته، واستمر في السيطرة عليه حتى بعد الوصول لسن البلوغ ورفض تسليم الأميرات لأبنائه، حيث ظل محتفظًا بهن في ما يشبه الأسر حتى لا يفرط في المهر والقلاع لصالح الأبناء، كذلك قام بتزويج بناته الثلاثة إلى بعض حلفائه أيضًا لمصالحه الشخصية.

نشأ الأبناء ومن بينهم ريتشارد في بيئة صعبة غير صالحة، فكبروا على حمل الضغينة ضد والدهم، بين لا مبالاة الأب والتعامل معهم كأدوات لصنع التحالفات والمصالح المشتركة، لم يكن حتى يهتم بهم أو يحسن معاملتهم إلا مع أصغر الأبناء جون، الذى اختصه بكل المحبة ولم يشعر بالتهديد منه لأنه كان طفلًا أو مراهقًا خلال حياة هنري وكان الأقرب له وعاش معه، ولم يكن جون يتمتع بأي صفات خاصة أو مميزات، مثل قوة ريتشارد مثلًا أو فطنة جيوفري أو شعبية هنري الصغير، فكان يستخدم هذا الأبله لمضايقة بقية الأبناء، بينما يعاقبهم بالتجاهل.

ما زاد من معاناة الأطفال عدم وجود منزل ثابت، فقد كانوا دائمي التنقل من منزل لآخر مصاحبين الحاشية الملكية، حيث لم يكن الملك نفسه يقيم في قصر معين، كل تلك العوامل خلقت عائلة هشة تكره بعضها، مما فتح الباب على مصراعيه أمام التمردات والعصيان فيما بعد.

بينما كانت الأم اليانور أيضا منشغلة عن الأبناء وكانت تتركهم لصالح جولاتها في فرنسا وفي أملاكها، واحتفظت بحكمها لأكبر وأغنى مقاطعة في فرنسا، وكان عليها مسؤوليات كبيرة كحاكمة، وكانت أيضًا محبة للحفلات والغناء والصخب، وعملت على تزويج أبناء وبنات النبلاء بمعرفتها لتضمن ولائهم بعد ذلك (5)، كما عانت هي الأخرى من تجاهل زوجها وسوء معاملته، فما إن وصلت سن اليأس سريعًا ولم تعد قادرة عن الإنجاب، لأنها كانت تكبره سنا كما ذكرنا، تركها وذهب لعشيقاته الأصغر سنًا، ومن بينهن “آليس” ابنة ملك فرنسا وخطيبة ابنه ريتشارد.

لكن ريتشارد الصغير كان ضحية صراع آخر بين أبيه وأمه، فقد اختصته اليانور لنفسها وكان الابن المفضل لها، ومع تقدمه في العمر لازمها في كل مكان وأرادت إبعاده عن أي تأثير لوالده، وقامت بتحضيره من الصغر ليكون خليفتها في حكم مقاطعة Aquitaine، وعلمته الغناء والآداب والفنون وتربى على الطريقة الفرنسية المترفة (6). ولم يستطع ريتشارد النضوج عن الارتباط بأمه وقربها منه، مما أثر بعد ذلك في شخصيته.

الدوق الصغير

في عام 1169 عندما كان ريتشارد بعمر ال12، حصل على لقب دوق آكويتاين، وتم تنصيبه رسميًا في ال15، وتذوق لأول مرة طعم الحرب والقتل والخراب، بعدما اصطحبه والده فى رحلة للقضاء على بعض التمردات والعصيان بين النبلاء في فرنسا، وتعلم الصيد أيضًا، الرياضة المفضلة له خلال حياته، والتي عشقها لأنها روت ظمـأه للقتل والدماء.

من بعدها اهتم ريتشارد بتدريباته وتعلم استخدام السيف والفروسية، وترك حكم المقاطعة لوالدته التي اهتمت بالجوانب السياسية، التى لم يكن مزاج ريتشارد يتحملها طوال حياته، ولكنه عشق الغناء والشعر والفنون بشكل عام خلفا لوالدته، وكان يعرف بالمحارب الشاعري (7).

كذلك أرادت والدته تأمين منصبه من مكر والده، فقامت باصطحابه في رحلة حول المقاطعة، وجعلت النبلاء يقسمون الولاء لابنها المفضل، ومن أجل القضاء على أى ادعاء بأنه أجنبي ولا ينتمي للمقاطعة مثل والده مثلًا، اصحبته لمدينة Limoges حيث قام رجال الدين والأسقف بوضع إصبع الدوق الصغير في خاتم القديسة الشهيدة St Valérie القديسة الحامية للمدينة، في احتفال تم تنصيب ريتشارد كزوج رمزي للقديسة(8)، وجعلته يقسم الولاء لزوجها السابق ملك فرنسا باعتباره الحاكم الشرفي لكل المقاطعات الفرنسية ويدينون له بالولاء، مما سيصعب الأمور على والده إذا أراد بعد ذلك خلع ريتشارد من منصبه.

خلال السنوات التالية، اختفى ريتشارد تمامًا من الصورة ولم يكن له أي دور في الحكم، ويعتقد أنه كان دائم التدرب بالسيوف والقتال، لكن تظل تلك الفترة لغز في حياته، حيث كانت أمه توقع على القرارات والإعلانات الخاصة بالدوق بدون وجود لتوقيع ريتشارد الدوق نفسه، حيث كان يشعر بملل من تفاصيل الحكم الإقطاعي، وحتى عندما كان يوقع أي وثيقة، كان لا بد أن يؤكدوا الأمر من أمه اليانور بعد ذلك (9).

ظلت الأمور على حالها واستمرت الخلافات واستفزازات الأب وطمعه، وظلت حياة ريشتارد كما هي، حتى وصل لسن ال16 وكان بوقتها قد أصبح رجلًا بمعايير العصر، وفارس بعيون زرقاء ثاقبة وشعر أحمر يميل للشقرة وطول فارع فوق المتوسط، وجسد محارب قوي، فكانت المرحلة القادمة من حياته هي الإشتراك في تمرد عام 1173 ضد والده هنري الثاني، بقيادة شقيقه الأكبر هنري ومباركة والدتهم اليانور، ليكون التمرد الأول في سلسلة من الحروب الأهلية، التي ستنتهي بريتشارد قلب الأسد ملكًا على إنجلترا في 1189.

نرشح لك: كيف وصل ريتشارد قلب الأسد لعرش إنجلترا؟

مراجع

(1) Stubbs, W., Roger of Howden Chronica, Vol 2, p. 335.
(2) Walter Map, ed. M. Rhodes James, De Nugis Curialium (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 238.
(3) Dan Jones, The Plantagenets: The Kings Who Made England, p93
(4) D. Boyd, Eleanor, April Queen of Aquitaine (Stroud: The History Press, 2011), pp. 179–82.
(5) Boyd, Eleanor, p137-9
(6) Richard, A., Histoire, vol. 2, p242
(7)Recueil, Vol 13, p. 151: comes pictavensorum et dux aquitannorum
(8) Boyd, Lionheart: The True Story of England's Crusader King, p44
(9) Richard, A., Histoire, Vol 2, pp. 153–4, 161.
-Plantagenets: The Warrior Kings Who Invented England
-History Makers Richard I: The Lion Heart
-Lionheart: The True Story of England's Crusader King
-Richard I: The Crusader King
-History of England, David Hume

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تدقيق لغوي: رنا داود

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا